وردت في غسل يوم الجمعة أحاديث عديدة نذكر منها ما يفي بالغرض ثم نذكر الآراء المتعددة في حكمه، ثم نستخلص الحكم الراجح بحول الله.
١- عن عبد الله بن عمر ﵁، أن رسول الله ﵌ قال «إذا جاء أحدكم الجمعة فلْيغتسل» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي. ووقع في رواية أُخرى عند مسلم «إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل» .
٢ - عن أبي سعيد قال: أشهد على رسول الله - ﷺ - قال «الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يَسْتنَّ، وأن يمسَّ طيبًا إن وجد» رواه البخاري ومسلم وأحمد، وقد مرَّ في بحث السواك.
٣- عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال «حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده» رواه مسلم والبخاري وأحمد والنَّسائي.
٤- عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - «على كل مسلم غُسلٌ في سبعة أيام كلَّ جمعة» رواه أحمد والنَّسائي وابن خُزَيمة.
٥- عن ابن عمر «أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الأوَّلين من أصحاب النبيﷺ - فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شُغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضًا؟ وقد علمتَ أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بالغسل» رواه البخاري ومسلم وأحمد والتِّرمذي ومالك.
٦- عن سَمُرَة بن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ - «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فهو أفضل» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن خُزَيمة. ورواه التِّرمذي وحسَّنه.
[ ١ / ٢٣٤ ]
٧- عن عائشة ﵂ قالت «كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم من العوالي، فيأتون في العَبَاء ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فأتى رسولَ الله - ﷺ - إنسانٌ منهم وهو عندي، فقال رسول الله - ﷺ -: لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا» رواه مسلم والبخاري. وروى أحمد الحديث مختصرًا، وجاء في آخره «فقيل لهم لو اغتسلتم» والعَبَاء: جمع عباءة، وهي معروفة. والعوالي: قرى خارج المدينة على مسافة أربعة أميال.
٨- عن أوس بن أوس الثقفي قال: سمعت رسول اللهﷺ - يقول «من غسَّل يوم الجمعة واغتسل ثم بكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب ودنا من الإمام فاستمع ولم يَلْغُ، كان له بكل خطوةٍ عملُ سنة أجر صيامها وقيامها» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي. ورواه التِّرمذي وقال: حسن. ورواه الطبراني بإسناد حسَّنه العراقي.
٩- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - «من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مسَّ الحصى فقد لغا» رواه مسلم وأحمد.
١٠- عن سلمان الفارسي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «من اغتسل يوم الجمعة وتطهَّر بما استطاع من طُهر، ثم ادَّهن أو مسَّ من طيب، ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلى ما كُتب له، ثم إذا خرج الإمام أنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى» رواه البخاري. ورواه أحمد وأبو داود من طريق أُخرى.
[ ١ / ٢٣٥ ]
اختلف الأئمة والفقهاء في حكم غُسل الجمعة، فذهب أهل الظاهر وأحمد في قول له وابن خُزَيمة والشوكاني، ومن التابعين الحسن، ومن الصحابة فيما رُوي عنهم عمر وأبو هريرة وعمَّار إلى وجوب غسل الجمعة، واستدلوا على الوجوب بالحديث الثاني وفيه أن غسل الجمعة واجب، وبالثالث وفيه أن غسل الجمعة حقٌّ لله على كل مسلم، وبالخامس وفيه أن عمر بن الخطاب ﵁ أنَّب عثمان ﵁ لتركه الغسل، وهو المَعْنِيُّ في الحديث، يشهد له ما وقع في روايةٍ لمسلم عن أبي هريرة قال «بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان بن عفان فعرَّض به عمر، فقال: ما بال رجال يتأخرون » وقالوا لولا أن ترك الغسل إثم لما أنَّبه عمر، وعن الحديث التاسع «من توضأ فأحسن الوضوء» قالوا: ليس فيه نفي الغُسل، وردُّوا على بقية الأحاديث التي استدل بها من قالوا بالندب بأنها ليست في مستوى أحاديثهم من حيث القوة والصحة، وأنها لا تصلح لمعارضة الأحاديث القائلة بالوجوب.
قال الشوكاني بعد أن استعرض أقوال القائلين بالندب (وبهذا يتبين لك عدم انتهاض ما جاء به الجمهور من الأدلة على عدم الوجوب، وعدم إمكان الجمع بينها وبين أحاديث الوجوب، لأنه وإن أمكن بالنسبة إلى الأوامر لم يمكن بالنسبة إلى لفظ واجب وحق إلا بتعسُّف لا يلجيء طلب الجمع إلى مثله، ولا يشك من له أدنى إلمام بهذا الشأن أن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه، لأن أوضحها دلالة على ذلك حديث سَمُرة وهو غير سالم من مقال وسنبيِّنه، وأما بقية الأحاديث فليس فيها إلا مجرد استنباطات واهية) .
[ ١ / ٢٣٦ ]
وذهب جمهور العلماء من السلف والخلف وفقهاء الأمصار: الأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وأحمد في رواية أخرى وابن المنذر وابن قُدامة وأصحاب الرأي والتِّرمذي إلى أن غسل الجمعة مندوب وليس بواجب، واستدلوا على رأيهم بالأحاديث: الخامس والسادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر، وحملوا قوله ﵊ «الغُسل يوم الجمعة واجب» وقوله في الحديث الثالث «حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام» حملوهما على تأكيد الاستحباب، وفسروا الحديث الخامس بأن عثمان لو كان يعلم أن غسل الجمعة واجب لما تركه، ولو تركه لما سمح له عمر بالصلاة ولأخرجه من المسجد، وقالوا إن غسل يوم الجمعة معلل بالنظافة للحديث السابع، وهذه العلة تصرف الأمر إلى الندب، وقالوا إن الحديث الثاني فيه ثلاثة أوامر منها السواك والتطيُّب وهما مندوبان، وأن ذلك دليل على أن الغسل مندوب، واستدلوا أيضًا بالحديث السادس وهو صريح في الندب، وبالحديث التاسع الذي لم يأت على ذكر الغسل ولو كان واجبًا لذُكر. هذه هي أدلة الفريقين على ما ذهبا إليه.
والذي يترجَّح لديَّ هو أن غسل يوم الجمعة مندوب وليس بواجب، وذلك لما يلي:
[ ١ / ٢٣٧ ]
١- إن الموضوع ليس موضوع مجموعتين من الأحاديث تعارضتا ولا يمكن الجمع بينهما فلا بد من ترجيح إحداهما على الأخرى، حتى يأتي قول من يقول إن الأحاديث الدالة على الوجوب أصح إسنادًا من الأحاديث الدالة على الندب، فتؤخذ هذه وتُترك تلك، وإنَّ قول الشوكاني (عدم إمكان الجمع بينهما) وتعليله ذلك بأن أحاديث الوجوب فيها لفظتا (واجب وحق) وقوله (إن أحاديث الوجوب أرجح من الأحاديث القاضية بعدمه) هو قول غير مسلَّم به، وذلك لأن الأحاديث القاضية بالندب هي أحاديث صحيحة وحسنة لا يجوز طرحها وإسقاطها بهذه السهولة بحجة عدم إمكان الجمع بينها وبين الأحاديث الأخرى، والمعلوم أن الجمع بين الأدلة وإعمالَها كلها خير من إهمال بعضها، وهنا الأحاديث يمكن الجمع بينها، خاصة وأن الفريقين لم يقولا بالنسخ.
٢- إن لفظتي (واجب وحق) لا تفيدان بالضرورة الوجوب الشرعي الذي هو أحد الأحكام الخمسة في الإسلام، فقد تفيدان ذلك وقد لا تفيدان، والقرائن هي التي تعيِّن وتحدِّد أيًا من ذلك هو المقصود، وهنا قرائن لا بد من الالتفات إليها وستأتي.
[ ١ / ٢٣٨ ]
٣- بالنظر في الأحاديث نجد ما يلي: الحديث الأول فيه طلب الاغتسال، وهذا الطلب بحاجة إلى قرينة أو قرائن تعيِّن المراد منه هل هو للوجوب أم للندب أم للإباحة؟ والحديث الثاني يقول: الغسل يوم الجمعة واجب، ثم يقول: وأن يستنَّ ثم يقول: وأن يمسَّ طِيبًا. وهذا السِّياق يعني أن الغسل واجب، وأن يستنَّ أي يتسوَّك واجب، وأن يمسَّ طيبًا واجب، أي أن الغسل والسواك والتَّطيُّب واجبات. هذا هو ما يدل عليه ظاهر الحديث لو لم توجد قرائن تصرف الحديث عن هذا المعنى الظاهر، غير أن لدينا أحاديث تفيد غير ذلك، وقرينة تصرف الحديث عن ظاهره. أما القرينة فهي أن الثابت من النصوص هو أن السِّواك مندوب، وأن الثابت كذلك هو أن التطيُّب مندوب، وهذا الحديث يفهم منه أن الغسل واجب والسواك واجب والتطيُّب واجب، وكأن معنى الحديث هو أنَّ السواك المندوب واجب، وأنَّ التطيُّب المندوب واجب، وهذا غير ممكن طبعًا، ولذا وجب فهم الحديث بصرف لفظة واجب عن الواجب الشرعي، وحمل هذه اللفظة على مجرد الحث والتشديد فيه دون أن تصل إلى الوجوب الشرعي. وإذا كان ذلك كذلك فقد بطلت حجة من يقول بوجوب الغسل للجمعة من هذا الحديث، وإلا لَلَزمهم القول بوجوب السِّواك وبوجوب التطيُّب، وهم لا يقولون بذلك. أما دليلهم الثاني وهو الحديث الثالث «حقٌّ لله على كل مسلم أن يغتسل» فهو أيضًا لا يصلح للاستدلال به على وجوب غسل الجمعة، وإن غاية ما يفيد هي الحث على الاغتسال، وذلك أن المباح حق، والمندوب حق، كما أن الواجب حق، والحق ضد الباطل أي الحرام. وكلمة حق ليست واحدة من الأحكام الشرعية الخمسة، فالأحكام الخمسة هي المباح والمندوب والفرض أو الواجب والمكروه والحرام، وليس منها الحق، ولذا فإنه يجب عند ورود هذه اللفظة في نص أن يُبحث لها عن قرينة تعيِّن الحكم الذي تدلُّ عليه، ولا يصح صرفها إلى الواجب الشرعي رأسًا، لأنها ليست متلازمة معه وإلا خرج المندوب والمباح عن
[ ١ / ٢٣٩ ]
كونهما حقًا، فلم يبق إلا أن يدخلا في الباطل، وهذا نظر فاسد لا يصح. وقد استعمل العرب هذه اللفظة للدلالة على مطلوبات لازمةٍ أدبيًا كقولهم حقُّك عليَّ أن أزورك، أو حقِّي عليك أن تساعدني في محنتي، وأمثال ذلك مما لا يصح أن يفهم منه الوجوب والحتم، وهذا الحديث هو من هذا القبيل.
قال مجد الدين عبد السلام بن تيمية صاحب المنتقى (وهذا يدل على أنه أراد بلفظ الوجوب تأكيد استحبابه، كما تقول حقُّك عليًّ واجب والعِدةُ دَيْن، بدليل أنه قرنه بما ليس بواجب بالإجماع وهو السِّواك والطيب) ومما يشهد لصحة فهمنا حديث أورده ابن حِبَّان عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال «حقًّ على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام، وأن يمسَّ طيبًا إن وجده» فقد أطلق هذا الحديث لفظة (حق) على الغسل وعلى التطيًّب، والمعلوم عند الجميع أن التطيًّب ليس واجبًا في الشرع، فهذا دليل ناصع على أن إطلاق لفظة (حق) على الغسل لا يعني بالضرورة أن الغسل واجب شرعًا.
[ ١ / ٢٤٠ ]
أما الحديث الخامس فهو محتمل فلا يصلح للاحتجاج به على أيٍّ من الرأيين إلا بنوعٍ من التأويل، فبالتأويل يمكن اعتباره دليلًا على وجوب الاغتسال يوم الجمعة، بالقول إن عمر ما كان له أن يعنِّف رجلًا مثل عثمان أمام المسلمين ويقطع خطبة الجمعة إلا لتركه فرضًا، ولو كان عثمان قد ترك مندوبًا لما قطع عمر الخطبة وعنَّفه، خاصة وقد استشهد بأمر الرسول ﵊ بالغسل. وبالتأويل أيضًا يمكن اعتباره دليلًا على عدم الوجوب لأن عثمان لم يغتسل، ومثله يبعد أن يترك واجبًا، فكما أنه لم يترك فرض الوضوء كذلك لا ينبغي له أن يترك الغسل لو كان فرضًا. أما تعنيف عمر له على ترك الغسل وقطع الخطبة لذلك، فيُرد عليه بأن عمر لم يقطع الخطبة لأجل ترك عثمان الغسل، وإنما قطعها لأجل تأخر عثمان في الوصول إلى المسجد لصلاة الجمعة، ثم انتقل الحديث إلى الغسل والوضوء، وإن الحديث يدل على أن الصحابة كانوا يحرصون على السنن والنوافل، ويحاسب بعضهم بعضًا عليها، فالحديث إذن محتمل، فلا يصلح دليلًا على أيٍّ من الرأيين.
أما الحديثان السادس والسابع فهُما نصٌّ في محل النزاع لا يحتاجان إلى تأويل، ولا يسهل دفعهما، وهما دليلان صريحان على استحباب غسل الجمعة ونفي الوجوب عنه، كما أنهما قرينة على حمل حديث الحق على الاستحباب. ولم يستطع أصحاب الرأي القائل بالوجوب تأويلهما، ولم يجدوا سوى ردِّهما بحجة أن إسنادهما أضعف من إسناد أحاديث الوجوب، وقد أخطأوا خطأً بيِّنًا، لأن إسناد الأول إن كان حسنًا فإن إسناد الثاني في غاية الصحة والقوة، ولأن هذه الأحاديث يمكن الجمع بينها عكس ما ذهبوا إليه.
[ ١ / ٢٤١ ]
الحديث السادس يقول «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل» وهو نصٌّ فيصلٌ في جواز ترك الغسل، وهو دليلٌ رادٌّ للوجوب ودالٌّ في الوقت نفسه على الندب، لأنه وصف الغسل بأنه أفضل. والحديث السابع فيه قرينتان صارفتان الغسلَ عن الوجوب: الأولى التعليل بأن غسل الجمعة إنما هو لأجل إزالة الأوساخ والروائح، أي لأجل النظافة، وإن إزالة الأوساخ مندوبة وليست واجبة، والعلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فالمسلم إذا كان نظيفًا لا يحمل وسخًا، ولا تنبعث منه رائحة كريهة لا يلزمه الاغتسال، لأن الغسل معلَّل بإزالة الوسخ، ولا وسخ يزال فيسقط التكليف. والقرينة الثانية هي قوله ﵊ «لو أنكم تطهَّرتم ليومكم هذا» فهو عرض، وهو أخف من الأمر، وهو يدل على التخفيف في الطلب، ولو كان واجبًا لما قال ما قال. ومما يدل على عدم وجوب الغسل يوم الجمعة دلالةً أكيدة وأن الغسل معلَّل بإزالة النظافة إضافةً إلى ما سبق، هو ما رُوي عن عكرمة «أن أُناسًا من أهل العراق جاءوا فقالوا: يا ابن عباس أترى الغُسل يوم الجمعة واجبًا؟ قال: لا، ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس عليه بواجب، وسأخبركم كيف بدءُ الغسل: كان الناس مجهودين يلبسون الصوف ويعملون على ظهورهم، وكان مسجدهم ضيقًا مُقارِب السقف، إنما هو عريش، فخرج رسول الله - ﷺ - في يوم حارٍّ، وعرق الناس في ذلك الصوف حتى ثارت منهم رياح آذى بذلك بعضُهم بعضًا، فلما وجد رسول الله - ﷺ - تلك الريح قال: أيها الناس إذا كان هذا اليوم فاغتسلوا، وليمسَّ أحدكم أفضل ما يجد من دهنه وطيبه. قال ابن عباس: ثم جاء الله بالخير ولبسوا غير الصوف وكُفُوا العمل ووُسِّع مسجدهم، وذهب بعض الذي كان يؤذي بعضهم بعضًا من العرق» رواه أبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه الحاكم وصححه هو والذهبي على شرط البخاري، وحسَّنه النووي وابن حجر.
[ ١ / ٢٤٢ ]
وبذلك يترجح الرأي القائل بالندب على الرأي القائل بالوجوب، وبذلك لا نحتاج للنظر في الأحاديث: الثامن والتاسع والعاشر، لنستدل بها أيضًا على مطلوبنا كما فعل أصحاب الرأي القائلين بالندب، لأنها ليست من الوضوح في الدلالة بحيث يُستطاع بها إقناع الآخرين بصلاحيتها لإثبات حكم الندب، كما أنه ينبغي أن يُعلم أننا تركنا الاستدلال بها لأن الآخرين لم يستدلوا بها على الوجوب، وإلا لوجب النظر فيها والتوقف عندها، فلما لم يستشهد بها الآخرون استشهادًا يدعم رأيهم، ولما كان استشهاد الفريق الأول بها استشهادًا احتاج إلى نوع من التأويل، فقد تركنا الوقوف عندها والاكتفاء بما سبق من أدلة.
والخلاصة هي أن الشرع حث المسلمين على الاغتسال يومًا في الأسبوع كما جاء في الحديثين الثالث والرابع، وتحدَّد وتعيَّن في الأحاديث الأخرى بأنه يوم الجمعة، فالأصل أن يُصار إلى الاغتسال يوم الجمعة لا غيره، وكون العلَّة هي النظافة، فإن الغسل وإن كان مندوبًا في أية ساعة من يوم الجمعة إلا أن الأحاديث خصَّصته وحضَّت على أن يكون قبل الصلاة، فالأصل أن يُصار إلى ذلك، فيغتسل المسلم يوم الجمعة قبل الصلاة دون تحديدٍ بساعةٍ معينة من ساعات ما بين الفجر والزوال.