فهذا الحديث ردٌّ بالمنطوق على المنطوق، وهو أن الرسول ﵊ قد مسح رأسه من فضل ماء كان بيديه، فماذا بقي بعد ذلك من حجة في الاستشهاد بالحديثين على أن الماء المستعمَل في الوضوء لا يصلح للاستعمال؟ فيسقط احتجاجهم بالحديثين، ولم يبق لهم إلا حديث واحد هو السابع، وهو حديث جارية الذي رواه الطبراني، وهو قول من الرسول ﵊ «خذوا للرأس ماءً جديدًا» فهذا هو بقية شُبُهاتهم في منع استعمال المستعمل. هذا الحديث قال عنه الهيثمي: فيه دهثم بن قران ضعفه جماعة، وذكره ابن حِبَّان في الثقات، فهو إذن مختَلَف فيه، حتى إن ابن حِبَّان هذا لم يُثْبته في صحيحه، ومع ذلك فلآخذه على أنه صالح للاحتجاج. هذا الحديث هو في موضوع الحديثين السابقين نفسه باستثناء أن الحديثين السابقين وردا في فعل الرسول ﵊، وهذا نص في قوله ﵊، فالموضوع واحد. وقد روينا حديثين عن الرسول ﵊ أنه لم يأخذ لمسح رأسه ماء جديدًا، أحدهما جاء فيه «مسح برأسه من فضل ماء كان في يده» وهو منطوق، وجاء في الآخر أنه لم يغْرِف لرأسه غَرفة جديدة كما كان يفعل في كل عمل من أعمال الوضوء وهو مفهوم، وقد تضافر المنطوق والمفهوم على مغايرة حديثي الباب «مسح برأسه بماء غير فضل يده» و«أخذ لرأسه ماء جديدًا» وهما منطوقان، وتغايُرُ الأحاديث هنا يدل على نفي علَّة الاستعمال، إذ لو كان المستعمَل لا يُستعمل لما ورد استعمال الرسول - ﷺ - فضل الماء في حديثين.
[ ١ / ٤٠ ]
وقد يقال إن هذا منه يدل على أنه من خصوصياته، فنجيب بأن هذه دعوى غير صحيحة، لأنه لا يصح اعتبار ما فعله الرسول - ﷺ - من خصوصياته إلا أن يقوم الدليل على أن الفعل هو من خصوصياته، ولم يقم الدليل هنا على ذلك. والمعلوم للصحابة ومَن بعدهم أن الرسول ﵊ كان يصلي فيأخذ الصحابة عنه كيفية الصلاة، وكان يتوضأ فيتعلم منه المسلمون الوضوء، وإن معظم أحاديث الوضوء التي عمل بها المسلمون هي أفعال منه ﵊، أو أفعال من الصحابة ذكروا أنها تشبه أفعال الرسول ﵊، وكانوا يجاهرون صراحة حين يتوضَّأون بأنهم توضَّأوا كما كان الرسول ﵊ يتوضأ، وكان منهم من يقول: إني أَشْبَهُكم وضوءًا برسول الله - ﷺ -، فهذا الفرض الشرعي أُخذ من الرسول ﵊ من فعله أكثر مما أُخذ من قوله، ثم يأتي من يقول إن هذا المسح للرأس من فضل ماء اليدين هو من خصوصياته ﵊، ما هكذا تفهم النصوص!
من هذه الأرضية السابقة ننطلق إلى القول بأن حديث جارية على فرض صحته يُحمَل على مَحْمل الأحاديث السابقة لأنه في موضوعها، والمقصود منه واضح وهو أن يمسح المسلم رأسه بماء جديد، أي بغير ما فضل في يديه، وهذا يضاف إلى الحديثين السابقين اللذين يذكران ذلك من فعله ﵊، وليس فيه جديد، فقد أمر الرسول ﵊ هذا المسلم المخاطَب بأن يفعل في مسح رأسه كما مسح هو رأسه بماء جديد، كما جاء في حديثي الباب وهما اللذان خالفهما حديثان آخران، واختلاف الأحاديث يدل على إباحة مسح الرأس بماء جديد وإباحة مسحه بماء يفضل في اليدين، فالأمر فيه سعة.
[ ١ / ٤١ ]
هكذا يجب أن تفهم النصوص، لا أن تُحَمَّل ما لا تحتمل، حتى استنبطوا منها علَّة الاستعمال، وهي غير موجودة في النص لا منطوقًا ولا مفهومًا اللهم إلا لرجلٍ وضع هذه العلَّة في ذهنه وبدأ يبحث لها عن سند.
ولقد اختلف الفقهاء كثيرًا في موضوع مسح الأذنين، واستشهدوا بالأحاديث وأعمال الصحابة واستعانوا بمعاجم اللغة، ومدار النقاش يدور حول: هل الأذنان من الرأس، أم هما مستقلَّتان عنه؟ فمَن قالوا إنهما من الرأس، وإنهما بالتالي جزء من عضوٍ، قالوا: إن الأُذُنين تُمسحان مع الرأس مسحة واحدة مشتركة ولا يُؤخذ لهما ماء جديد، ومَن قالوا إن الأُذُنين ليستا من الرأس قالوا بوجوب أخذ ماء جديد لهما. وهكذا أوجبوا لكل عضو مستقلٍّ في الوضوء أن يُؤخذ له ماءٌ جديد، وذلك من أجل الفصل بين الأعضاء، واعتبروا الفصل علَّة لأخذ الماء الجديد، وتركوا هنا علَّة الاستعمال، وبما أن الرأس عضو مستقل فقد وجب عندهم أن يُؤخذ له ماءٌ جديد مستقل عن ماء اليدين، وهكذا أخذوا علَّة الاستعمال مرة وعلَّة الفصل بين الأعضاء مرة أُخرى.
[ ١ / ٤٢ ]
وكمثال على ذلك أقدِّم لكم مقطعًا من كتاب المغني لابن قُدامة (مسألة: قال: [وأَخْذُ ماء جديد للأذنين ظاهرهما وباطنهما] المستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديدًا، قال أحمد: أنا أستحب أن يأخذ لأذنيه ماء جديدًا، كان ابن عمر يأخذ لأذنيه ماء جديدًا، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال ابن المنذر: هذا الذي قالوه غير موجود في الأخبار، وقد روى أبو أُمامة وأبو هريرة وعبد الله بن زيد أن النبي - ﷺ - قال «الأذنان من الرأس» رواه ابن ماجة، وروى ابن عباس والرُّبيِّع بنت مُعوِّذ والمقدام بن معد يكرب أن النبي - ﷺ - مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة، رواهن أبو داود، ولنا أن إفرادهما بماء جديد قد رُوي عن ابن عمر، وقد ذهب الزُّهري إلى أنهما من الوجه، وقال الشعبي ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وقال الشافعي وأبو ثَوْر: ليس من الوجه ولا من الرأس ففي إفرادهما بماء جديد خروج من الخلاف فكان أولى، وإنْ مسحهما بماء الرأس أجزأه، لأن النبي - ﷺ - فعله) . فهذا القول الذي ذكره صاحب المغني عن الشافعي وأحمد وغيرهما صريح في أن ما كان عضوًا مستقلًا في الوضوء يُؤخذ له ماء جديد، وهم أصحاب القول بفقد المستعمَل في الوضوء للطُّهورية، فقد ذهبوا إلى أن العضو المستقل يؤخذ له ماء جديد، وهذا دليل واضح على أنهم فهموا من أخذ الماء الجديد ابتداء العمل بعضوٍ جديد مستقل في الوضوء، فعلَّة أخذ الماء الجديد عندهم هي الفصل بين الأعضاء، ثم هم مع ذلك يقولون إن طلب الرسول ﵊ أخذَ ماءٍ جديد للرأس يدل على منع المستعمل في الوضوء من رفع الحدث؟!.
[ ١ / ٤٣ ]
نخلص من ذلك كله إلى أن المستعمَل يجوز استعماله في الوضوء لأنه يظل ماء، وحكم الماء أنه لا يُجنِب وأنه طَهور، إلا ما غُلب على صفاته وسُلب اسمُه، والوضوء لا يغيِّر صفات الماء ولا يسلبه اسمه، ولذا يظل طَهورًا وإن أصابه بعضُ الدنس القليل من أعضاء الوضوء، إلا أن يكون المتوضِّيء ملطَّخًا بالقَذَر، فيخرج ماء وضوئه ملطخًا وقد غُيِّرت صفاتُه وسُلب اسمه، فحينذاك لا يجوز التوضؤ به، أو أن يكون المتوضيء مُلطَّخًا بالنجاسة فيخرج ماء وضوئه نجسًا، وهذا أندر من الكبريت الأحمر. وبذلك نفرغ من مناقشة رأي القائلين بأن المستعمَل في رفع الحدث طاهر غير مطهِّر، وقد بان الصواب في هذه المسألة.
٧- وننتقل الآن لمناقشة الرأي الأخير. اعتمد أبو يوسف القاضي وشيخه أبو حنيفة في رواية عنه على حديث «لا يبولَنَّ أحدكم » فقالا: اقترن النهي عن الاغتسال من الماء الدائم بالنهي عن البول فيه، وبدلالة الاقتران والتسوية بين الأمرين نخرج بحكم تنجيس الماء بالاغتسال فيه مثل تنجيسه بالبول فيه، وعند هذين الإمامين أن دلالة الاقتران تفيد التسوية في أصل الحكم، وفي تفاصيله.
ونجيب على هذه الشبهة إضافة إلى ما سبق بأن دلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، وحتى من يقولون بها، لا يشترطون التسوية بين طرفي الاقتران، فقد يقترن نهيان أو أكثر، ويكون حكم الأول التحريم وحكم غيره الكراهة، وقد يقترن أمران أو أكثر، ويكون حكم أحدهما الوجوب وحكم الآخر الندب أو الإباحة، فهذه القاعدة التي استندا إليها ضعيفة بل خاطئة لا يجوز أن يُعوَّل عليها، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه النقطة بما يكفي.
[ ١ / ٤٤ ]
ثم إن هذا التنجيس من الاغتسال في الماء ليس منطوقًا، وإذا عارضه منطوق نفاه، لأن المنطوق أقوى في الحجة والعمل، وحديث الجَفْنة المار وهو «إن الماء لا يُجْنِب» منطوق فيُعمل به ويُترك العمل بالمفهوم من حديث «لا يبولَنَّ » هذا على فرض التسليم بصحة هذا المفهوم وبذلك يسقط الاستدلال بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه.
أما قولهما إن الماء الذي تُزال به الجنابة أو يُتوضأ منه هو ماء يُزال به مانع من الصلاة فانتقل المنع إليه كغُسالة النجس المتغيرة، فإن هذا حكم عقلي وليس حكمًا شرعيًا، ثم إن هذا الحكم يقابله نص فلا يصح، وهذا مُجمَع عليه عند جميع الفقهاء والأصوليين، قال الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا برأيي عُرضَ الحائط. وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على طهارة الماء المستعمَل، فيُعمل بها ويُترك العمل بالقياس.
[ ١ / ٤٥ ]
أما قولهما الأخير إن الغسل أو الوضوء يسمى طهارةً والطهارةُ لا تكون إلا عن نجاسة إذ تطهير الطاهر لا يُعقل، فإنا نقول إن هذه القاعدة خطأ، فما يُبنى عليها لا يصح، إذ الطهارة ليست بالضرورة عكس النجاسة، فقوله تعالى ﴿فمَن شاءَ ذَكَرَهُ. في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مرفوعةٍ مُطَهَّرة﴾ وقوله تعالى ﴿رسولٌ من الله يتلو صُحُفًَا مُطَهَّرة﴾ وقوله سبحانه ﴿خُذْ من أموالِهِم صَدَقةً تُطهِّرهم وتُزكِّيهم بها﴾ وقوله ﷻ ﴿أولئك الذين لم يُرِد اللهُ أنْ يُطَهِّرَ قلوبَهم﴾ وقوله سبحانه لآل الرسول ﵊ ﴿ولكنْ يُريدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نعمتَه عليكم﴾ وقوله سبحانه ﴿أَخْرِجوا آلَ لوطٍ من قريتِكم إنهم أُناسٌ يَتطهَّرون﴾ وكثيرٌ غيرها في كتاب الله لا تعني أن الطهارة هي ضد النجاسة الحسية، فالله سبحانه لم يُرد من وصف الصحف بأنها مطهَّرة أنها أُزيلت منها النجاسة، ولا أراد سبحانه أن تكون الصدقة مزيلةً من الناس النجاسة، ولا أراد من قوله أنْ يُطهِّر قلوبَهم أن يزيل النجاسة من القلوب، ولا إلى آخر ما ورد، فهذه كلها طهارات ليست مقابلةً للنجاسة ولا بوجه من الوجوه.
وحين جاء مسلمٌ خاطيء إلى الرسول ﵊ يقول له: يا رسول الله طهِّرني، لم يكن يقصد أن يزيل الرسول الكريم ﵊ نجاسته، بل قصد إقامةَ الحد عليه وسماها طهارة وهذه معلومة بالضرورة، فالطهارة تكون ضد النجاسة الحسية وتكون ضد النجاسة المعنوية، وتأتي بمعان متعددة، فتخصيصُها بالنجاسة الحسية في رفع الحدث يحتاج إلى مخصِّص ولا مخصِّص. بل إن عندنا أحاديث تنفي النجاسة الحسية عن المسلم وهو جُنُب، وعن المرأة وهي حائض، ونمثِّل للحالتين بما يلي:
[ ١ / ٤٦ ]
أ- روى حذيفة بن اليمان ﵁ «أن رسول اللهﷺ - لقيه وهو جُنُب فحاد عنه، فاغتسل ثم جاء فقال: كنت جُنُبًا، قال: إن المسلم لا ينجَس» رواه مسلم. ورواه أحمد والبخاري من طريق أبي هريرة.
ب - وعن عائشة ﵂ قالت «قال لي رسول اللهﷺ -: ناوليني الخُمْرةَ من المسجد، قالت: فقلت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست في يدك» رواه مسلم وأبو داود وأحمد.
ج - وعن عائشة ﵂ قالت «كنت أشرب وأنا حائض، ثم أُناوله النبي - ﷺ -، فيضع فاه على موضع فِيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ وأنا حائض، ثم أُناوله النبي - ﷺ - فيضع فاه على موضع فِيَّ» رواه مسلم وأحمد والنَّسائي. ورواه أبو داود بتقديم وتأخير.
فالحديث الأول يدل بمنطوقه على أن الجُنُب غير نجس، والحديثان الثاني والثالث يدلان بمفهومهما على أن الحائض ليست نجسة، وإذن فمجيء الأحاديث بألفاظ الطهارة والتَّطهُّر على إزالة الجنابة لا يعني أنَّ الطهارة والتطهُّر يعنيان إزالة النجاسة، وإنما يعني شيئًا آخر هو التخلص من الآثام وإزالة المانع من الصلاة، يدل عليه الحديث التالي: عن أبي هريرة أن رسول اللهﷺ - قال «إذا توضأ العبدُ المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرج من وجهه كلُّ خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قَطْر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قَطْر الماء، حتى يخرج نقيًا من الذنوب» رواه مسلم ومالك. وروى الدارمي جزءًا منه. فالوضوء يغسل الخطايا والذنوب وليس النجاسة كما يتوهَّمون.
[ ١ / ٤٧ ]
ثم إن المسلم لو كان بالوضوء يتطهَّر من النجاسة، لقلنا إنه نجسٌ قبل الوضوء، وهذا منافٍ لقوله ﵊ وقد مرَّ «إن المسلم لا ينجَس» ولكان مَن يلمسُه من المسلمين يتنجس وهذا لا يقوله مسلم. وبذلك يسقط الاحتجاج بهذه القاعدة ويسقط الرأي المبني عليها، هذا إضافةً إلى أنها حكمٌ عقليٌّ محض (إذ تطهير الطاهر لا يُعقل) والأحكام الشرعية لا تُستمدُّ من العقل، وإنما تستنبط من نصوص الشرع.
وأخيرًا نقول إن كل الردود التي أوردناها على أصحاب الرأي الأول هي ردود على أصحاب هذا الرأي، وبذلك يظهر أنه لا وجه لقول من يقول بعدم طُهورية الماء المستعمَل في رفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر من أصحاب الرأي القائلين بطهارته دون طُهوريته، ومن أصحاب الرأي الذين تطرَّفوا فقالوا بنجاسته. والصواب هو أن الماء المستعمَل في رفع الحدث طاهر مطهِّر طَهور، وهذا هو رأي الفريق الثالث، وقد بانت صحته.
٨- وعودًا على بدء نقول إنهم قسموا الماء إلى ستة أقسام هي: الماء الطَّهور والماء الطاهر والماء النجس والمستعمَل الطَّهور والمستعمَل الطاهر والمستعمَل النجس. وقد بينا القسم الأعظم، وبقي القليل.
لقد قالوا إن الماء المستعمَل في رفع الحدث إذا كان في المرة الثانية أو الثالثة في الوضوء يظل طَهورًا، على خلافٍ بينهم، لأنه لم يُستعمل في رفع الحدث، بل الحدث ارتفع في الغسلة الأولى لأعضاء الوضوء، أما الثانية والثالثة فليستا واجبتين، وبالتالي لم تشاركا في رفع الحدث، فيظل الماء المستعمَل بهما طَهورًا أشبه ماء التبرُّد. وذلك يعني أنهم اشترطوا في الماء المستعمَل الذي يفقد طُهوريته أن يكون مستعمَلًا في الأغسال الواجبة دون المسنونة (على خلاف بينهم كما قلت) .
[ ١ / ٤٨ ]
فالوضوء واجب ويحصل الوجوب بغسلته الأولى وما سواها فمستحبة، وأغسال الجنابة والحيض والنفاس واجبة، وبهذه الأغسال الواجبة يفقد الماء المستعمَل فيها طُهوريته. هكذا يُفرِّعون وهكذا يفكِّرون دون أن يأتوا بأي دليل من القرآن أو الحديث. ولا بأس بأن أعرض عليكم صورة لهذه التفريعات لتجدوا فيها الخلافات والآراء المختلفة دون وجود أدلة تدل عليها. قال ابن قُدامة في كتاب المغني ما يلي (وجميع الأحداث سواء فيما ذكرنا - الحدث الأصغر والجنابة والحيض والنفاس، وكذلك المنفصل من غسل الميت إذا قلنا بطهارته، واختلفت الرواية في المنفصل عن غسل الذمية من الحيض، فرُوي أنه مُطهِّر لأنه لم يُزل مانعًا من الصلاة أشبه ماءً تبرَّد به، ورُوي أنه غير مطهِّر لأنها أزالت به المانع من وطء الزوج، أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة، فإن اغتسلت به من الجنابة كان مُطهرًا وجهًا واحدًا، لأنه لم يُزل مانعًا من الصلاة ولا استُعمل في عبادة أشبه ما لو تبرَّد به - ويحتمل أن يُمنع استعماله لأنه استُعمل في الغُسل من الجنابة، أشبه ما لو اغتسلت به مسلمة. [فصل] وإن استعمل في طهارة مستحبة غير واجبة كالتجديد والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء والغسل للجمعة والعيدين وغيرهما ففيه روايتان [إحداهما] أنه كالمستعمَل في رفع الحدث لأنها طهارة مشروعة أشبه ما لو اغتسل به من جنابة، [والثانية] لا يمنع لأنه لم يُزِل مانعًا من الصلاة أشبه ما لو تبرَّد به، فإن لم تكن الطهارة مشروعة لم يؤثر استعمال الماء فيها شيئًا وكان كما لو تبرَّد به أو غسل به ثوبه، ولا تختلف الرواية أن ما استُعمل في التَّبرُّد والتنظيف أنه باق على إطلاقه، ولا نعلم فيه خلافًا. [فصل] فأما المستعمل في تعبُّد من غير حدث كغسل اليدين من نوم الليل فإن قلنا ليس ذلك بواجب لم يؤثر استعماله في الماء، وإن قلنا بوجوبه فقال القاضي هو طاهر غير مطهِّر، وذكر أبو الخطاب فيه روايتين [إحداهما] أنه يخرج
[ ١ / ٤٩ ]
عن إطلاقه لأنه مستعمل في طهارةِ تعبُّدٍ أشبه المستعمَل في رفع الحدث، ولأن النبيﷺ - نهى أن يغمس القائم من نوم الليل يده في الإناء قبل غسلها فدل ذلك على أنه يفيد منعًا [والرواية الثانية] أنه باقٍ على إطلاقه لأنه لم يرفع حدثًا أشبه المُتبرَّد به، وعلى قياسه المستعمَل في غسل الذكر والأنثيين من المذي إذا قلنا بوجوبه لأنه في معناه) . وليس عندي من تعليق على ما سبق فيما يتعلق بالماء المستعمَل أفضل من كلمة قالها الشوكاني في نيل الأوطار (وللحنفية والشافعية وغيرهم مقالات في المستعمَل ليس عليها أثارةٌ من علم وتفصيلاتٌ وتفريعاتٌ عن الشريعة السمحة السهلة بمعزل، وقد عرفت بما سلف أن هذه المسألة أعني خروج المستعمَل عن الطُّهورية مبنية على شفا جُرُفٍ هارٍ) .
رابعًا: قلنا في بداية البحث ما يلي: [الماء المستعمَل قسمان: قسم مستعمَل في رفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر، وقسم مستعمَل فيما سوى ذلك، ونحن سنناقش القسم الأول ثم ننتقل لمناقشة القسم الثاني] وها قد فرغنا من مناقشة القسم الأول، وهو الماء المستعمَل في رفع الحدث الأكبر والحدث الأصغر، وتوصلنا إلى الرأي القائل بأن المستعمَل في رفع الحدث بقسميه طاهر طَهور. وننتقل الآن إلى موضوع القسم الثاني، وهو الماء المستعمَل فيما سوى رفع الحدث.
الماء المستعمَل في غير رفع الحدث يُحصر في حالات ثلاث، حالة إزالة النجاسة، وحالة إزالة القذارة والأوساخ، وحالة ثالثة غير هاتين الحالتين:
[ ١ / ٥٠ ]
١- أما الماء المستعمَل في إزالة النجاسة فنقول فيه: إذا حمل محلٌ كثوبٍ مثلًا نجاسةً وأُريد تطهيره بالماء وأخذنا في صبِّ الماء عليه نُظر، فما انفصل عن المحلِّ والنجاسةُ باقيةٌ فهو نجس، سواء تغير بالنجاسة تغيرًا ظاهرًا أو خفيفًا، لأن الماء إذا كان دون قُلَّتين، وأصابته نجاسة ولو يسيرة تنجس لحديث القُلَّتين، وهذا ماء أصابته نجاسة، فصار نجسًا. أما ما انفصل بعد ذهاب عين النجاسة فقد مرَّ على مكان طاهر، ولم يتغير بنجاسة ولم تصبه ولم يُسلَب اسمُه ولم تتغير أوصافه، فيظل طَهورًا على أصله.
أما إذا كانت النجاسة واقعة على الأرض، فإن الماء الذي يُراق عليها بحيث يزيل أثرها يُتجاوَز عن حاله، ويُحيل المكان طاهرًا، ودليل ذلك حديث بول الأعرابي الذي رواه أنس بن مالك قال «بينما نحن في المسجد مع رسول الله - ﷺ - إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مه مه، قال قال رسول الله - ﷺ -: لا تَزْرِمُوه، دعوه، فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القَذَر، إنما هي لذِكْرِ الله ﷿ والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، قال: فأمر رجلًا من القوم فجاء بدلوٍ من ماء فشنَّه عليه» رواه مسلم والبخاري وأحمد وابن حِبَّان.
٢- وأما الماء المستعمَل في التنظيف من القذارة والوسخ فيُنظَر فيه، فإن كان الماء الذي أزيلت به قذارة المحل كالثوب مثلًا وقد تلطخ بالأوساخ قد انفصل عنه وقد تغير كثيرًا من القذارة، بحيث غلبت على اسمه وغيرت أوصافه، فإنَّ ما انفصل لا يُعدُّ ماء، وأما إن هو انفصل عن المحل وقد تغير قليلًا أو لم يتغيَّر فإنه يظل على أصله من الطُّهورية سواء بقيت القذارة أو لم تبق.
[ ١ / ٥١ ]
٣- وما سوى هاتين الحالتين من استعمالات الماء فإن ظل الماء ماء، أي لم يتغير وصفه ولا سُلب اسمه، بقي طَهورًا دونما حاجة إلى تفصيل، وما سوى ذلك لا يكون ماء. ولْنكتف بمثال واحد عليه: إذا وضعنا حبوب الحمَّص في إناء فيه ماء لتطريتها قبل أكلها، ثم أخرجناها بعد فترة من الإناء، ونظرنا في الماء، فإن وجدناه ماء لم يتغيَّر وصفه وظل يحمل اسمه، ولم تخالطه الصُّفْرة كثيرًا حكمنا عليه بالطُّهورية على أصله، وأما إن وجدنا الماء قد صار أصفر ظاهر الصُّفْرة، أو شممنا رائحته فوجدناها رائحة الحمص المنقوع، أو ذقناه فوجودنا له طعمًا، حكمنا عليه بأنه ماء حمص، وأخرجناه آنذاك من أقسام الماء، وهكذا في كل استعمالٍ للماء. ودليل هذه المسألة حديث الرسول - ﷺ - «الماء طَهور» وهو ما سبق وبيناه عند تحقيق مناط الماء.
هذه هي حالات استعمال الماء في غير العبادات، وبالتدقيق فيها يتبين أن الماء في الأمثلة الثلاثة لا يخرج عن إحدى حالات ثلاث، إما أن يظل ماء طَهورًا، وإما أن يصير ماء نجسًا، وإما أن يخرج عن كونه ماء، وبذلك يظهر تمامًا من هذه الاستعمالات أيضًا أنه ليس للماء سوى حالتين أو قسمين لا غير: إما أن يكون طَهورًا، وإما أن يكون نجسًا وبذلك أيضًا نكون قد فرغنا من تحديد أنواع الماء، وتوصلنا إلى اختصار الأنواع الستة إلى اثنين فقط، هما الطَّهور والنجس.