[ ١ / ١٤٩ ]
حيث أن الشرع أراد من إزالة النجاسات عن الشيء الإنقاء، فإن كل ما يصلح للإنقاء يعتبر صالحًا لإزالة النجاسة عنه وتطهيرِه، دون تخصيص ذلك بالماء أو بالتراب كما ذكر عدد من الأئمة، فكل ما يصلح لإزالة النجاسة وإنقاء المحلِّ به يصح التطهير به شرعًا. ولننظر في النصوص الدالة على هذا الرأي:
١ - عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت «جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به؟ قال: تحتُّه ثم تقرُصُه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه» رواه مسلم. ورواه البخاري وأحمد بألفاظ متقاربة.
٢ - عن أم ولدٍ لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أنها سألت أم سلمة زوج النبي - ﷺ - فقالت «إني أمرأة أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر، قالت أم سَلَمة: قال رسول الله - ﷺ -: يطهِّره ما بعده» رواه أبو داود وأحمد وابن ماجة والدرامي. وسنده جيد.
٣- عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «إذا دُبِغ الإهاب فقد طهُر» رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنَّسائي ومالك.
٤ - عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال «إذا وطيء أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور» رواه أبو داود وابن حِبَّان.
٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ - «إذا ذهب أحدكم للحاجة فلْيستطبَّ بثلاثة أحجار، فإنها تُجزئه» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي والدارمي. ورواه الدارقطني وصحَّحه.
الحديث الأول يفيد أن الماء يصلح لإزالة النجاسة «ثم تقْرُصُه بالماء» والحديثان الثاني والرابع يفيدان أن التراب أو مطلق الأرض يصلح للتطهير «يطهِّره ما بعده»، «فإن التراب له طهور» والحديث الثالث يفيد أن الدِّباغ يصلح للتطهير. وفي الحديث الخامس أن الحجارة تصلح للتطهير «فلْيستطبَّ بثلاثة أحجار» .
[ ١ / ١٥٠ ]
وإذن فالماء والتراب والدباغ والحجارة كلها أشياء تصلح للتطهير وإزالة النجاسة بنصوص شرعية. إذن فالتطهير لا يقتصر على مادة واحدة أو مادتين كما يقول بعضهم بل يصح التطهير بهذه الأشياء وبغيرها أيضًا كالصابون والخل، وبالحك والحرق، وأي شيء وأي فعل يؤدي إلى إزالة النجاسة، لأن إزالة النجاسة هي المطلوبة، فكل ما يحققها مشروع ومُجزيء، فلو غسلنا ثوبًا متنجِّسًا بصابونٍ سائل فزالت نجاسته، أو غسلناه بالخل فزالت، أو حككناه فزالت، صار طاهرًا. ولو حرقنا خشبًا متنجِّسًا فصار رمادًا صار طاهرًا، ولو سخَّنَّا حديدًا متنجِّسًا بالنار حتى زالت نجاسته صار الحديد طاهرًا، ولو مسحنا سطح مرآة عليها نجاسة بورقة ناعمة، أو خِرقة قماش أو حتى باليد فزالت صارت المرآة طاهرة، ولو التقطنا النجاسة العالقة بثوبٍ باليد، أو بملقط فزالت عنه، ولم يبق منها شيء صار الثوب طاهرًا، وهكذا من أشياء جامدة أو سائلة أو أدوات مختلفة أو أفعال، كلها تصلح للتطهير بشرط وحيد هو أن تزول النجاسة بها.
والآن لنستعرض الآراء المختلفة في هذه المسألة وأدلة القائلين بها ومناقشتها: قال الشافعي ومالك ومحمد بن الحسن وزُفَر إن الطهارة من النجاسة لا تحصل إلا بما تحصل به طهارة الحدث لدخوله في عموم الطهارة. وقال أبو حنيفة وأحمد تجوز إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيلٍ للعين والأثر، كالخل وماء الورد ونحوهما.
[ ١ / ١٥١ ]
وقد استدل أصحاب الرأي الأول بما رُوي أن رسول الله - ﷺ - قال لامرأةٍ سألته عن دم الحيض يصيب الثوب «كيف تصنع به؟ قال: تحتُّه ثم تقرُصُه بالماء، ثم تنضحه ثم تصلي فيه» رواه مسلم والبخاري وأحمد. وقد مرَّ قبل قليل، وبحديث بول الأعرابي في المسجد وفيه أن النبي - ﷺ - أمر بذَنوبٍ من ماء فأُهريق على بول الأعرابي، وقالوا هذا أمر يفيد الوجوب ولأنها طهارة تُراد للصلاة فلا تحصل بغير الماء كطهارة الحدث، واستدلوا كذلك بقوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية ٦ من سورة المائدة، والآية ٤٣ من سورة النساء.
واستدل أصحاب الرأي الثاني بالحديث «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فلْيغسله سبعًا» رواه البخاري ومسلم وغيرهما من طريق أسماء بنت أبي بكر ﵄. وقد مرَّ، فأطلق الحديثُ الغسلَ، وتقييده بالماء يحتاج إلى دليل، ولأنه مائع طاهر مزيل فجازت إزالة النجاسة به كالماء، فأما ما لا يزيل كالمرق واللبن فلا خلاف في أن النجاسة لا تُزال به.
[ ١ / ١٥٢ ]
والجواب على أصحاب الرأي الأول هو أن حديث دم الحيض ليس دليلًا على الحصر، وأن وجوب امتثال أمره - ﷺ - بإِهراق الماء على بول الأعرابي في المسجد لا يفيد حصرًا أيضًا، ولا يدل على أن الماء وحده تجب به إزالة كل نجاسة، لأن حادث بول الأعرابي هو واقعة حال وليس قاعدة كلِّيَّة للتطهير، وقد بيَّنا سابقًا أن إزالة النجاسة لا تشترط فيها النِّية، وما دام أن المطلوب شرعًا هو إزالة النجاسة وهي ما يطلق عليها التطهير أو الطهارة، فإن الإزالة تحصل بكل مزيل لها حسب اختلاف الأحوال كما أسلفنا أيضًا، فقول حديث دم الحيض «تحتُّه ثم تَقْرُصُه بالماء» ليس فيه أداة من أدوات الحصر وليست صياغته مفيدة للحصر، وقد ذَكر الماء وذِكْرُه خرج على الأعمِّ الأغلب، ذلك أن الماء هو الغالب في التطهير وهذا مُسَلَّم به، وما قلته عن حديث دم الحيض أقوله عن حديث بول الأعرابي، ففيه «أَمَر بذَنوبٍ من ماء» فهذا النص ليست فيه دلالة على حصر التطهير بالماء، وبذلك لا يصلح الحديثان للاحتجاج بهما على حصر التطهير بالماء مطلقًا.
[ ١ / ١٥٣ ]
أما عن استشهادهم بالآية ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فأقول: نعم هذا نصٌ يفيد حصر الوضوء والاغتسال من الجنابة والحيض والنفاس بالماء، وهذا لا خلاف فيه بيننا، لأن طلب الآية عدم الانتقال إلى التراب إلا إذا عدم الماء، دليل على وجوب استعمال الماء في هذا الصنف من الطَّهارات، ولكن أَنْ يُستشهد بهذه الآية وهذا الحصر على موضوع البحث فهو خلط وخطأ، لأن البحث موضوعه إزالة النجاسة وليس الوضوء والأغسال المطلوبة شرعًا، فهذان موضوعان مختلفان. فالوضوء والأغسال عبادات محضة تحتاج إلى نيَّة، وإزالة النجاسات ليست كذلك فافترقا، وإذن فلا قياس. فالماء واجبٌ وحده في الطَّهارات الخاصة بالعبادة، ولكنه ليس واجبًا مطلقًا في إزالة النجاسات، لأن الاثنين مختلفان تمامًا فيسقط الاستدلال بهذه الآية الكريمة على ما ذهبوا إليه.
أما الرأي الثاني فهو صحيحٌ جملةً ولكنَّ أصحابه وقعوا في أخطاء، فاستشهادهم بحديث الولوغ ضعيف ولا يفيدهم، وكان الأَوْلى بهم أن يستشهدوا بما استشهدنا به من أدلة مختلفة على إزالة النجاسات بوسائل متعددة ويكتفوا به، أما قولهم إن الحديث أطلق الغسل ولم يقيده بالماء فهو تعِلَّة، فإن معظم أحاديث إزالة النجاسات ذكرت الماء، فماذا يقولون بها؟.
والخلاصة هي أن كل ما يصلح لقلع النجاسة من المكان المراد تطهيره يصح استعماله في الإزالة شرعًا، وأن الشرع طلب قلع النجاسة دون تحديد ودون تقييد.