١٢- غسل الأعضاء سوى الرأس والأُذنين ثلاثًا: قد ثبت عن رسول الله - ﷺ - أنه توضأ حينًا مرة مرة، وحينًا آخر مرتين مرتين، وحينًا ثالثًا ثلاثًا ثلاثًا، وحينًا رابعًا يغاير بين الأعضاء في العدد. فعن ابن عباس ﵁ قال «توضأ - ﷺ - مرة مرة» رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وعن عبد الله بن زيد «أن النبي - ﷺ - توضأ مرتين مرتين» رواه البخاري وأحمد. وعن عثمان ﵁ قال «ألا أُريكم وضوء رسول الله - ﷺ -؟ ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا » رواه مسلم والترمذي وأحمد وأبو داود وابن ماجة. وقد مرَّ الحديث الذي رواه مسلم والبخاري عن عبد الله بن زيد، وجاء فيه « فدعا بإناءٍ فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض واستنشق من كفٍّ واحدة، ففعل ذلك ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاثًا، ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم أدخل يده فاستخرجها فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر، ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: هكذا كان وضوء رسول الله - ﷺ -» .
الحديث الأول دليل الغسل مرة مرة، والثاني مرتين مرتين، والثالث ثلاثًا ثلاثًا، والرابع مغايرة في العدد بين الأعضاء، فغسل الكفين والمضمضة والاستنشاق والوجه ثلاثًا ثلاثًا وغسل اليدين إلى المرفقين مرتين مرتين، وغسل الرجلين دون أن يذكر العدد. وهذه الأحاديث تدل على أن كل ذلك يجوز، وكل ذلك يصيب السُّنَّة.
[ ١ / ٤١٢ ]
إلا أن الواجب في العدد هو مرة واحدة، وأنَّ أعلى المندوب هو ثلاث مرات، وذلك لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ - يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدَّى وظلم» رواه أحمد والنَّسائي وابن ماجة. ورواه ابن خُزَيمة وصححه. قال ابن حجر (رُوي من طرق صحيحة) فالزيادة على الثلاث إساءةٌ وتعدٍّ وظُلم، وهذه الألفاظ تفيد في مجموعها التحريم لأن التَّعدِّي حرام، والظلم حرام، والإساءة محتملة، فمن توضأ أربعًا أو أكثر كان آثمًا متعدِّيًا ظالمًا مسيئًا. قال النووي (أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة، وعلى أن الثلاث سُنَّة) وقال عبد الله بن المبارك: لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم. وقال أحمد وإسحق: لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى. لكن روى أبو داود الحديث الأخير بلفظ « فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» وقد أشكل هذا اللفظ على العلماء، لأنَّ أحدًا منهم لا يخالف أن مرة مرة، ومرتين مرتين، جائزان ومُجزئان، بينما الحديث يقول «أو نقص» أي نقص عن الثلاث «فقد أساء وظلم» وهذا لا يقول به فقيه، ولذلك أخذوا في التأويل فأغربوا فيه. جاء في نيل الاوطار (وقد أشكل ما في رواية أبي داود من زيادة لفظ (أو نقص) على جماعة، قال الحافظ - أي ابن حجر - في التلخيص ([تنبيه] يجوز أن تكون الإساءة والظلم مما ذكر مجموعًا لمن نقص ولمن زاد، ويجوز أن يكون على التوزيع، فالإساءة في النقص والظلم في الزيادة، وهذا أشبه بالقواعد، والأول أشبه بظاهر السياق والله أعلم، ويمكن توجيه الظلم في النقصان بأنه ظلم نفسه بما فوَّتها من الثواب الذي يحصل بالتثليث، وكذلك الإساءة لأن تارك السُّنَّة مُسيء، وأما الاعتداء في النقصان فمُشكل فلا بد من توجيهه إلى الزيادة، ولهذا لم يجتمع ذكر الاعتداء والنقصان في شيء من روايات الحديث) .
[ ١ / ٤١٣ ]
والصحيح أنه لا حاجة لهذه التأويلات البعيدة التي لا تغني شيئًا، والواجب ردُّ هذه الزيادة الشاذة في حديث أبي داود لأنها تخالف الأحاديث العديدة الصحيحة التي تجيز المرة وتجيز المرتين، فالحديث يُردُّ لمعارضة الأحاديث الصحيحة. ثم إن هذا الحديث ليس من الأحاديث الصحيحة ولا حتى من الحسنة، فهذا الحديث هو مما سكت عنه أبو داود فلم يصحِّحه ولم يحسِّنه، ومثل هذه الأحاديث المسكوت عنها ربما صلحت للاحتجاج إلا أن يعارضها حديث صحيح أو حسن فترد، وما نحن بصدده هو من هذا القبيل.
[ ١ / ٤١٤ ]
وقد قرأت رأيا منسوبًا لأبي بكر بن العربي مغايرًا لما عليه عامة الفقهاء أنقله وأناقشه، وهو (ظن بعض الناس بل كلهم أن الواحدة فرض والثانية فضل والثالثة مثلها والرابعة تعدٍّ، وليس كما زعموا وإن كثروا، وإنما رأى الراوي أن النبي - ﷺ - قد غرف لكل عضو مرة فقال توضأ مرة، وهذا صحيح صورة أو معنى صورة، إنَّا نعلم قطعًا أنه لو لم يُوعب العضو بمرَّةٍ لأعاد، وأما ما زاد على غرفة واحدة في العضو أو غرفتين فإنَّا لا نتحقق أنه أوعب الفرض في الغرفة الواحدة، وجاء ما بعدها فضلًا، أو لم يوعب في الواحدة ولا في الاثنتين، حتى زاد عليها بحسب الماء وحال العضو في النظافة، وتأتَّى حضور التلطُّف في إدارة الماء القليل والكثير عليها، فيشبه والله أعلم أن النبي - ﷺ - أراد أن يوسِّع على أمته بأن يكرر لهم الفعل، فإن أكثرهم لا يستطيع أن يُوعب بغرفة واحدة، ولأجل هذا لم يوقِّت مالك في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا إلا ما أسبغ ) إلى آخر ما قال. وغفر الله له، فقد أراد الانتصار لمذهبه المالكي بمثل هذا التأويل البعيد، فإن تحويله المرات في الوضوء إلى غرفات بقدرها هو تحويلٌ لا يصح، وذلك لأن الغرفة الواحدة إن لم تكف غسل العضو كله لا يقال إنه توضأ مرة، أو غسل العضو مرة، لأنه في حالة عدم كفاية الماء لغسل العضو كله لا يكون وضوءٌ ولا يكون غسلٌ، ومن ثم لا يكون مرة، وحين جاءت الأحاديث بالوضوء مرة ومرتين وثلاثًا فُهم منها أن الوضوء يتمَّ بمرة وبمرتين وبثلاث، وأنه لو افترضنا أنه غرف للوجه غرفة فلم تكف فأوعبه بغرفة ثانية لا يقال إنه توضأ مرتين وإنما يقال توضأ مرة بغرفتين، والفارق واضح جدًا، ولم تأت الأحاديث بالغرفات ثم ربطتها بالمرات، وإنما أطلقت المرات وربطتها بالوضوء، فبان الفارق بينهما، فحين يقول الحديث توضأ مرتين فإنه يعني غسل وجهه مثلًا مرتين، ولا يعني غسل وجهه مرة بغرفتين، وهذا
[ ١ / ٤١٥ ]