وردت فيه أحاديث عديدة نذكر منها ما يلي:
١ - عن جابر بن عبد الله قال «جِيءَ بأبي قُحافة يوم الفتح إلى النبي - ﷺ - وكأنَّ رأسَه ثَغامة، فقال رسول الله - ﷺ -: اذهبوا به إلى بعض نسائه فلْتغيِّره بشيء، وجنِّبوه السواد» رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. والثَّغامة: هي شجرة بيضاء الزهر والثمر تنبت في أعالي الجبال.
٢ - عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهب قال «دخلت على أم سلمة، زوج النبي - ﷺ - ورضي عنها، فأخرجت إلينا شعرًا من شعر رسول الله - ﷺ - مخضوبًا بالحِنَّاء والكَتَم» رواه أحمد وابن ماجة. ورواه البخاري دون أن يذكر الحناء والكَتَم. قوله الكتم - بالتحريك: نباتٌ صبغُهُ أسودُ يميل إلى الحمرة يُدق ويُخضب به. والحناء: معروف ولونه أحمر.
[ ١ / ٢١٨ ]
٣ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - «إن أحسن ما غُيِّر به هذا الشيب الحنَّاء والكَتَم» رواه أحمد وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود. وقد مرَّ.
وقد اختلف العلماء من السلف والخلف في حكم الخضاب، أي صبغ الشيب، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، رُوي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وآخرين. وقال آخرون: الخضاب أفضل، رُوي ذلك عن ابن عمر وأبي هريرة، وعليٍّ في رواية عنه، وعثمان وسعد والحسن والحسين وعقبة بن عامر وابن سيرين. وقد علَّل الطبري هذا الخلاف بقوله (الصواب أن الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - بتغيير الشيب وبالنهي عنه كلها صحيحة وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمطٌ فقط) . والشَّمط هو القليل من الشعر الأبيض. وأضاف الطبري (واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك، مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض) وقال أحمد - وقد رأى رجلًا قد خضب لحيته -: إني لأرى رجلًا يُحيي ميْتًا من السُّنَّة. وفرح به، وهذا يدل على أنه يرى الخضاب سُنَّة، أي مندوبًا. وقال النووي وهو من الشافعية (مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأة بصُفْرة أو حُمْرة، ويحرم خِضابه بالسواد على الأصح) .
[ ١ / ٢١٩ ]
والذي أذهب إليه هو أن الخِضاب سُنة، وأنه أفضل من تركه، وهذا هو ما تدل عليه الأحاديث، فطلب الرسول - ﷺ - أن نخالف بالصبغ اليهود والنصارى يكفي قرينة على الندب، وهذا الطلب عام يشمل شعر الرأس وشعر اللحية، ويشمل الشيب الكثير والشيب القليل، وتتحقق السُّنة باستعمال أية مادة صالحة للصّباغ، أمّا ما ذُكر في الأحاديث من أن الصباغ بالحناء والكَتْم حسن، فإنه لا يدل على أن الصباغ بغيرهما غير حسن، فقد ورد في َآثار الصحابة أنهم كانوا يصبغون بالورس، ويصبغون بالزعفران، وما ذكر في الأحاديث من مواد صابغة إنما خرج على الأعم الأغلب لا غير.
[ ١ / ٢٢٠ ]
أما ما أشار إليه النووي بقوله (ويحرم خضابه بالسواد على الأصح) فقد استنبطه من حديث أبي قُحافة « وجنِّبوه السواد» كما استدل عليه هو ومن قال بقوله بما رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ - «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسَّواد كحواصل الحمام لا يَريحون رائحة الجنة» رواه أبو داود وأحمد والنَّسائي. فالجواب عليه هو أن حديث أبي قُحافة لا يدل على التحريم، وإنما هو بيان بأن أبا قُحافة - وهو شيخ كبير- لا يناسب شعرَه السوادُ، فطلب أن يُصبغ بغير السواد، أما الحديث الذي رواه أبو داود عن ابن عباس فإنه لا يدل على كراهة الخضاب بالسواد، بل هو إخبارٌ عن قومٍ هذه صفتهم، وذلك لسببين: أحدهما، أنه يشبه الحديث الذي قيل في الخوارج «سيماهم التحليق» فجعله علامة لهم فحسب دون أن يكون التحليق هو سبب الذم. والثاني، أن عددًا كبيرًا من الصحابة والتابعين قد صبغوا بالسواد وقد ذكرهم الطبري، وهم: الحسن والحسين وعثمان وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن جعفر وعقبة بن عامر والمغيرة بن شعبة وجرير بن عبد الله وعمرو بن العاص من الصحابة، وعمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن الأسود وموسى بن طلحة والزُّهري وأيوب وإسماعيل بن معد يكرب من التابعين، ولو كان حرامًا لما صبغ كل هؤلاء. ثم إنَّا وجدنا حديثًا مرويًا عن صهيب الخير قال: قال رسول الله - ﷺ - «إنَّ أحسن ما اختضبتم به لَهَذا السواد، أرغَبُ لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوِّكم» رواه ابن ماجة. قال الهيثمي (إسناده حسن) فهو الفيصل في محل النزاع.