٣ - غسل الكفين: أي غسل الكفين قبل المضمضة - وهو سُنَّة لما روى أوس بن حُذيفة الثقفي قال «رأيت رسول الله - ﷺ - توضأ واسْتَوْكفَ ثلاثًا، أي غسل كفيه» رواه أحمد والنَّسائي وإسناده جيد. ولما روى حُمْران مولى عثمان، وقد مرَّ « فغسل كفيه ثلاث مرات » . ولما روى عبد الله الأنصاري وقد مرَّ أيضًا « فأكفأ منها على يديه فغسلهما ثلاثًا » . والدليل على أن هذه الأحاديث تفيد الندب وليس الوجوب قوله سبحانه ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وجُوْهَكُم﴾ فبدأ بغسل الوجوه ولم يطلب غسل الكفين، أي أن الآية الكريمة لم تُدخل غسل الكفين في الوضوء المُجْزِيء فدل ذلك على عدم الوجوب. وقد ذهب إلى هذا الرأي أبو حنيفة ومالك والشافعي وعطاء وإسحق وابن المنذر وابن قدامة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
أمّا ما درج عليه الفقهاء من الاستدلال على غسل الكفين في الوضوء بالحديث الذي رواه مسلم والبخاري وأهل السنن من طريق أبي هريرة أن النبي ﵌ قال «إذا استيقظ أحدكم من نومه - وفي رواية للترمذي وابن ماجة من الليل - فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا فإنَّه لا يدري أين باتت يده» - إلا أن البخاري لم يذكر العدد- وما نتج عن هذا الاستدلال من اختلافهم في حكم غسل الكفين في الوضوء، فذهب مَن ذكرناهم إلى أنه سُنَّة لأن تعليل غسل اليدين في الحديث بوهم النجاسة يخرجه عن الوجوب إلى الندب. وذهب أحمد وابن عمر وأبو هريرة والحسن البصري فيما رُوي عنهم إلى أنه واجب مستدلين بهذا الحديث، لأن الأمر عندهم يقتضي الوجوب والنهي يقتضي التحريم، والحديث فيه نهيٌ عن غمس اليدين في الماء قبل أن يغسلهما ثلاثًا، وإذن فغسل الكفين في الوضوء واجب، فإنهم جميعًا جانبوا الصواب، لأن الصحيح هو أن هذا الحديث لا يصلح للاستدلال على الموضوع أصلًا، لأنه لم يجيء في موضوع الوضوء، ولذا فإن اختلافهم في هذا الأمر هو في غير محله. فالحديث هو في موضوع الاستيقاظ من النوم، فإنَّ ألفاظ الحديث صريحة في ذلك ولم يأت الحديث على ذكر الوضوء، ولذا يجب استبعاد هذا الحديث من الاستدلال على موضوعنا والاقتصار على الأحاديث السابقة الكافية.
[ ١ / ٣٥٨ ]