وردت في الأحاديث الشريفة أوصافٌ عديدةٌ لليلةِ القدر، منها أنها ليلة سَمْحةٌ طَلْقَةٌ لا حارةٌ ولا باردةٌ، ومنها أن الشمس تطلع صبيحَتَها بيضاءَ تترقرق لا شُعاعَ لها ومنها أنها تخلو من الشهب المتساقطة، ومنها أنها ساكنة ساجية. وهذه طائفة من الأحاديث التي تذكر هذه الأوصاف:
١- عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر ﴿ليلةٌ سَمْحَةٌ طَلْقَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردةٌ، تصبح شمسُها صبيحَتَها صفيقةً حمراءَ﴾ رواه أبو داود الطيالسي (٢٦٨٠) والبزَّار. ورواه ابن خُزيمة (٢١٩٢) بلفظ ﴿ليلةٌ طَلْقةٌ، لا حارةٌ ولا باردةٌ، تصبح الشمسُ يومَها حمراءَ ضعيفةً﴾ قوله: صفيقة، في الرواية الأولى: فسَّرتها الروايةُ الثانيةُ بأنها تعني ضعيفة.
٢- عن زر بن حبيش قال: سمعت أُبيًَّا – بن كعب – رضي الله تعالى عنه يقول ﴿ليلةُ القدر هي سبعٌ وعشرون، هي ليلةٌ التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أن الشمس تطلع بيضاءَ تَرَقْرَقُ﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٨٩) ومسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي. وهذا لفظ مسلم (٢٧٧٧) ﴿ قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع يومئذٍ لا شعاع لها﴾ .
[ ٢٨٦ ]
٣- عن عُبادةَ بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ﴿ليلة القدر في العشر البواقي، مَن قامهن ابتغاءَ حِسْبتِهِنَّ فإن الله ﵎ يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهي ليلة وتر: تسع أو سبع أو خامسة أو ثالثة أو آخر ليلة، وقال رسول الله ﷺ: إن أَمارةَ ليلةِ القدر أنها صافيةٌ بَلْجةٌ، كأنَّ فيها قمرًا ساطعًا، ساكنةٌ ساجيةٌ، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب أن يُرمَى به فيها حتى تصبح، وإن أَمارتها أن الشمس صبيحَتَها تخرج مستوية ليس لها شعاعٌ مثل القمر ليلة البدر ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ﴾ رواه أحمد (٢٣١٤٥) وقال الهيثمي [رجاله ثقات] قوله بلجة: أي مشرقة. قوله ساجية: أي ساكنة. قوله مستوية: أي لا يشوب قرصَها شعاعٌ، فهي كالقمر.
٤- عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿إني كنت أُرِيتُ ليلةَ القدر ثم نسيتها، وهي في العشر الأواخر من ليلتها، وهي ليلة طَلْقَةٌ بَلْجَةٌ لا حارةٌ ولا باردةٌ﴾ رواه ابن خُزيمة (٢١٩٠) .
٥- عن جابر بن سَمُرَةَ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فإني قد رأيتُها فَنُسِّيتُها، وهي ليلة مطرٍ أو ريح، أو قال: مطر وريح﴾ رواه البزَّار (١٠٣١) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/١٩٦٢) بلفظه إلا أنه زاد ﴿ورعد﴾ ورواه عبد الله بن أحمد بن حنبل. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
[ ٢٨٧ ]
هذا هو ما أوردته الأحاديث الصالحة للاستدلال من أوصاف ليلة القدر دون ما جاء من أوصافٍ أخرى لها في روايات وأقوالٍ سقيمةٍ هزيلةٍ من مثل [لا يُرسَلُ فيها شيطان ولا يُحْدَثُ فيها داء] عند ابن أبي حاتم. ومن مثل [أن الأشجار في تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها وأن كلَّ شيء يسجد فيها] عند الطبري. ومن مثل [أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة] عند البيهقي. وغير ذلك مما لا يصحُّ، إِضافة إلى مخالفته للواقع المحسوس.
فليلة القدر تأتي معتدلةَ الحرارة في الصيف وفي الشتاء، بمعنى أن الليالي التي قبلها والتي بعدها ليست مثلَها في الاعتدال، وتكون ساكنة هادئة مشرقة كأن القمر فيها بدر، فلا رياح فيها ولا أعاصيرَ ولا ثورانَ غبارٍ ولا ضبابَ، ولا تُرى فيها شُهُبٌ ونيازكُ متساقطة، فهي ليلةٌ ترتاحُ فيها النفوس وتهدأ فيها الخواطر رحمةً من الله سبحانه لعباده العُباد في تلك الليلة المباركة الشريفة. ولم يخرج على هذه الأوصاف إلا ما جاء من وصفٍ في الحديث الخامس (وهي ليلةُ مطرٍ أو ريحٍ) ورغم أن الهيثمي قال إن رجاله رجال الصحيح، فإني لم أطمئن، لأن الأحاديث الصحيحة لا يناقض بعضُها بعضًا ولا تتعارض. وبالرجوع إلى السند وهو [حدثنا عبد الله، حدثني محمد بن أبي غالب، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن سِماك، عن جابر بن سمرة] وجدتُ ما يلي:
أولًا: عبد الرحمن بن شريك قال عنه أبو حاتم: واهي الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ربما أخطأ، ذكر ذلك ابن حجر في تهذيب التهذيب، ولم يذكر أحدًا وثَّقه أو ذكره بخير، فهذا الراوي ضعيف إذن.
[ ٢٨٨ ]
ثانيًا: عن سماك - بن حرب - قال عنه الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وكان شعبة يضعِّفه. وقال عمار: يقولون إنه كان يغلط، ويختلفون في حديثه. وكان الثوري يضعِّفه بعض الضعف. وقال ابن مبارك: سِماك ضعيفٌ في الحديث. وقال ابن حِبَّان في الثقات: يخطئ كثيرًا. وقال النَّسائي: كان ربما لُقِّن فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يُلقَّن فيتلقن. ذكر كلَّ ذلك ابنُ حجر في كتاب تهذيب التهذيب، ورغم أن ابن حجر ذكر عن عدد أقلَّ ثناءهم عليه، فإنه لمما شك فيه أن هذا الراوي ليس من رجال الصحيح، وأراه أنا ضعيفًا، ويكفي قول النَّسائي: فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة، وهنا قد انفرد بروايةٍ عن أوصاف ليلة القدر مغايرةٍ للروايات الصالحة، وعليه فإن الحديث ضعيف فيُرَدُّ، ويُرد بالتالي الوصفُ الوارد فيه.
أما وصف الشمس في صبيحة ليلة القدر بأنها تشرق لا شعاع لها، وأنها تكون حمراء ضعيفة وبيضاءَ تترقرق، فهو ليس وصفًا لها بقدر ما هو أَمارة على ليلة القدر تظهر عقب انصرامها.
[ ٢٨٩ ]
وأقف عند هذه الأَمارة فأقول: إن الشمس آنذاك تشرق حمراءَ ضعيفةَ الشعاع كحالها عندما تتدلى للغروب، يسهل النظر إليها لأن أشعتها ضعيفة فلا تؤذي العيون، ولا بد من أنَّ ضعف شعاعها آنذاك آتٍ من حالة الجو، إما لكثرة رطوبةٍ، أو انتشارِ سُحُبٍ رقيقة أو ضبابٍ خفيف يحجب معظم أشعتها، يرسل الله سبحانه هذه الأشياء في ذلك الوقت لتكون حالةُ الشمس عندها أَمارةً على ليلة القدر، وإلا فإن الشمس في حقيقتها وطبيعتها ثابتة لا تتغير، بمعنى أن الشمس صبيحةَ تلك الليلة حالُها كحالِها صبيحةَ الأيام الأخرى من حيث طبيعتُها وشروقُها وشعاعُها، ولكن أشياءَ تطرأ على الحالة الجوية في تلك الليلة تُظهر الشمسَ بتلك الأوصاف الواردة، ولو كانت الشمس تخرج صبيحَةَ ليلةِ القدر على غير طبيعتها لأحسَّ بها الناس مسلمُهم وكافرُهم، ولكان في ذلك التحديدُ القطعيُّ لها، وهذا مناهِضٌ للواقع أولًا ومناهِضٌ للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي أبهمت التعيين، كما سنتبين ذلك في البحث اللاحق بحول الله سبحانه.
أما ما نجده مسطورًا في كتب الصوفية والعُبَّاد، وما يقول به بعض الفقهاء من معاينةِ ليلةِ القدر والتَّحقُّقِ منها، ورؤيةِ بابِ السماءِ يُفتَح فيها عيانًا، وخروجِ أنوارٍ ساطعةٍ من السماء فيها تغمرُ الكونَ، وغير ذلك من المشاهد والأمور الخارقة فلا يثبت منه شيء في الأحاديث، وهو لا يعدو أن يكون من القصص والحكايات التي يتناقلها العُبَّاد والزهاد وعدد من الفقهاء دون دليل، وليتهم يدلُّوننا على حديث صحيح واحد أو حسن يذكر حصول هذه الأمورِ ومشاهدتها. والعبادة في الشرعٌ لا بد لها من نصٍّ ولا نصَّ هنا فهي إِذن أُمورٌ خارجةٌ عن الشرع ولو كانت هذه المشاهدُ تحصل بالفعل لحصلت مع الصحابة رضوان الله عليهم، ولتناقلها الناس عنهم، وانتشرت وشاعت، وهم بلا شك أفضل عند الله ممن بعدهم، ولكن شيئًا من ذلك لم يُنقَل عنهم.
[ ٢٩٠ ]
والأَدهى من ذلك هو أنهم ربما أَسندوا حصولَ هذه الأمورِ إلى رُؤىً يرونها في نومهم، كأن يقول أحدهم: رأيت في منامي بابَ السماء يُفتح، وأشرقت منه أنوارٌ ربانيةٌ ساطعةٌ ملأت جَنَبَاتِ الكون. أو يقول أحدهم: رأيت الرسول ﷺ في تلك الليلة، وأعلمني أن الليلةَ هي ليلةُ القدر. وهؤلاء الناس يعتبرون الرؤى والمنامات أدلةً شرعيةً، أو كالأدلة الشرعية يأخذون منها الأحكام، فيقول أحدهم مثلًا: إن الرسول ﷺ قد أتاني الليلة وأمرني بأن أفعل كذا وكذا، وأنه يتوجب عليَّ تنفيذُ أمرِ الرسول ﷺ، وهم يساوون بين أقواله ﵌ التي جاءت في الأحاديث المروية المسندة الصحيحة وبين ما يسمعونه منه في المنام، ويعتبرون كلا القولين من الشرع، وكأن الشرع لا زال يفيض علينا بالنصوص التي لا تنفذ ولا نهاية لها. وهذه بلا شك أُحْبُولةٌ من أحابيل الشيطان، والله سبحانه يقول ﴿ اليوم أكملتُ لكم دينكم ﴾ من الآية ٣ من سورة المائدة ولكنهم يتجاهلون ذلك ويرون أن الدين لا يزال يزداد بهذه الأحاديث التي يسمعونها في منامهم، وكأنَّ الدين عندهم لم يكتمل، وهذا بلا شك كفرٌ لا خفاء فيه.
[ ٢٩١ ]
نعم إن رؤية الرسول ﷺ في المنام حقٌّ كما ورد في الأحاديث ولكن هذه الرؤية مشروطةٌ برؤيته ﵊ على حاله وصفاته دون تغيير، ومَنْ مِنْ هؤلاء الناس قد وقف على حاله وصفاته كلها حتى يتأكد لديه أن الشخص المرئي هو فعلًا الرسول ﷺ؟ وحتى لو افترضنا حصولَ علمِنا بهذه الحال والصفات وأنها وُجدت في الشخص المرئي، فإن قول الرسول ﷺ في المنام ليس من الشرع وليست أقوالُه فيه من الأدلة الشرعية، ولا تجب طاعتها ولا تنفيذها، وهي لا تعدو كونَها مما يُطَمْئِنُ النفوسَ ويصقُلُها، فهي بشائرُ وأَماراتُ خيرٍ خاصةٌ بالرائي، والله سبحانه يقول ﴿ألا إنَّ أولياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؟ الذين آمنوا وكانوا يتَّقونَ؟ لهم البُشرى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ لا تبديلَ لكلماتِ الله ذلك هو الفوزُ العظيمُ؟﴾ الآيات ٦٢، ٦٣، ٦٤ من سورة يونس. والبُشرى هنا هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو تُرى له كما ورد في الأحاديث.