قد وردت في هذه المسألة أحاديث كثيرة، لا حاجة لاستعراضها كلِّها هنا، وحسبنا أن ننظر في عدد منها لأن فيها الغُنْيَةَ:
١- قال تعالى ﴿ ولا تُباشِروهنَّ وأنتم عاكِفون في المساجدِ تلك حدودُ اللهِ فلا تَقْرَبوها كذلك يبينُ اللهُ آياتهِ للناسِ لعلهم يتَّقون﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
٢- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كان النبي ﷺ يُصغي إليَّ رأسَه وهو مجاورٌ في المسجد، فأُرجِّلَه وأنا حائض﴾ رواه البخاري (٢٠٢٨) وأبو داود وابن ماجة وأحمد باختلافٍ في الألفاظ.
[ ٣٢٩ ]
٣- عن علي بن الحسين، أن صفية ﵂، زوجَ النبي ﷺ أخبرته ﴿أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدَّثت عنده ساعةً ثم قامت تنقلِبُ، فقام النبي ﷺ يَقْلِبُها﴾ رواه البخاري (٢٠٣٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن ماجة.
٤- عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال ﴿اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: ألا كلُّكم مُناجٍ ربَّه فلا يُؤْذِينَّ بعضُكم بعضًا، ولا يرفع بعضُكم على بعضٍ في القراءة، أو قال: في الصلاة﴾ رواه أبو داود (١٣٣٢) وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي وصحَّحه النووي.
٥- وعنه ﵁ قال ﴿اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان، قال: فخرجنا صبيحةَ عشرين، قال: فخَطَبَنا رسولُ الله ﷺ صبيحةَ عشرين فقال: إني أُريتُ ليلةَ القدر وإني نُسِّيتُها، فالتمسوها في العشر الأواخر في وترٍ، فإني رأيت أني أسجد في ماء وطين، ومن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فلْيرجعْ، فرجع الناس إلى المسجد وما نرى في السماء قَزَعة، قال: فجاءت سحابةٌ فمطرت، وأُقيمت الصلاةُ، فسجد رسول الله ﷺ في الطين والماء حتى رأيت الطين في أرنبته وجبهته﴾ رواه الإمام البخاري (٢٠٣٦) ومسلم وأحمد ومالك وابن حِبَّان والبيهقي.
ومن الآثار ورد ما يلي:
١- عن حذيفة ﵁ قال ﴿ إِنما الاعتكافُ في هذه المساجد الثلاثة: مسجدِ الحرام، ومسجدِ المدينة، والمسجدِ الأقصى﴾ رواه عبد الرزاق (٨٠١٤) والطبراني والبيهقي وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور. وقال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
[ ٣٣٠ ]
٢- عن – محمد بن شهاب - الزُّهْري قال [لا اعتكاف إلا في مسجد جماعة] رواه عبد الرزاق (٨٠١٧) وابن أبي شيبة.
٣- عن عطاء – بن أبي رباح - قال [لا يجاور إلا في مسجد مكة ومسجد المدينة] رواه عبد الرزاق (٨٠٢٠) .
٤- عن سعيد بن المسيِّب قال [من نذر أن يعتكف في مسجد إِيلِياءَ، فاعتكف في مسجد النبي ﷺ بالمدينة أَجْزأَ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد النبي ﷺ بالمدينة، فاعتكف في المسجد الحرام أَجْزأ عنه] رواه عبد الرزاق (٨٠٢٥) .
قال ابن حجر [اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن لُبابةَ المالكي فأجازه في كل مكان، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعدُّ للصلاة فيه، وفيه قولٌ للشافعي قديم، وفي وجهٍ لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء، لأن التطوع في البيوت أفضل. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصَّه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور بعمومه من كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة، فاستحب له الشافعي في الجامع وشرَّطه مالك، لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، ويجب بالشروع عند مالك وخصَّه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقًا، وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصَّه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة، وعطاء بمسجد مكة والمدينة، وابن المسيِّب بمسجد المدينة] .
[ ٣٣١ ]
من هذا الاستعراض لأقوال الفقهاء كما أوردها ابن حجر في فتح الباري نجد أنهم كالعادة لا يكادون يتفقون على حكم، وأنهم يُوغِلون في التفريعات والاستنباطات دون مراعاةٍ لواضحِ النصوص وما تدل عليه حتى لقد تناقل الناس القول [اختلاف أمتي رحمة] على أنه حديثٌ نبوي، وليس هو كذلك فإنه لا أصل له. والقول [اختلاف أصحابي لكم رحمة] على أنه أيضًا حديث نبوي، وليس هو بحديث صحيح، فقد رواه البيهقي والطبراني والديلمي وغيرهم من طريق ابن عباس بسند منقطع فلا يصح. وما أحراهم وقد وجدوا بين أيديهم النصوص التي تعالج المسائل أن يقفوا عندها، وعند ما تدل عليه، ويكفونا مؤونة هذه الخلافات التي تعمَّقت لدى المسلمين، حتى غدت كأنها تشريعاتٌ مختلفةٌ، وغفر الله للجميع.
إن جميع النصوص من القرآن الكريم ومن السنة النبوية لا تذكر إلا المساجد أو المسجد، هكذا دون بيانِ إن كانت مساجدَ جماعةٍ أو غيرها، أو إن كانت المساجد هي الثلاثة أو غيرها، أو إن كانت المساجد تُقام فيها صلاة الجمعة أو لا تقام فيها، أو إن كان الاعتكاف فيها واجبًا كالنذر، أو كان نفلًا ومندوبًا، وهكذا يبدو جليًا أنَّ كثيرًا مما نراه من تفريعاتٍ وتفصيلاتٍ مبثوثةٍ في كتب الفقه ليس له سندٌ من الشرع.
والحق والصواب أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجدٍ، أي في بُقعةٍ خصَّصها المسلمون للصلاة، لا فرق بين المساجد الثلاثة وبين غيرها، ولا فرق بين المساجد الجامعة وبين غيرها، فما أُطلق عليه لفظُ مسجدٍ فالاعتكاف فيه جائز. أما القول إن المسجد ينبغي أن يكون مما تقام فيه صلاة الجمعة، وإلا انقطع الاعتكاف بخروج المعتكف إلى المسجد الجامع للصلاة فيه، فإنَّ الرد عليه آتٍ بإذن الله عندما نتناول ما يجوز للمعتكف أن يفعله. وأما القول إن الاعتكاف يصحُّ في كل مكان فهو قول بلا دليل، بل الأدلة ردٌّ عليه، فلا قيمة له.
[ ٣٣٢ ]
قد يقال إن ذِكْر المساجد في النصوص لم يأت كشرط، وإنما جاء مجرد خبر عما كان يحصل وأن ما جاء كخبرٍ لا يُعتبر شرطًا؟ فنجيب عليه بأن الآية قد خُتِمت بالقول ﴿تلك حدودُ اللهِ فلا تَقْربوها كذلك يُبَيِّنُ اللهُ آياتِه للناسِ لعلهم يتقونَ﴾ مما ينفي عما جاء في صدرها من أحكام أن تكون أخبارًا لا تُلتَزَم، فقولُ الآيةِ الكريمة: ﴿ولا تُباشِروهُنَّ وأَنتم عاكفونَ في المساجد﴾ يدخل تحت القول ﴿تلك حدودُ اللهِ فلا تقْربوها﴾ ولا يصح أن يدخل تحت القول الأخير لو كانت المباشرة مثلًا في غير المساجد، أو كانت الأفعال في المساجد لا تصل إلى حدِّ المباشرة، وهي هنا الجماع، كما روى البيهقي (٤/٣٢١) وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد، قال: المباشرةُ والملامسةُ والمسُّ جِماعٌ كله ولكن الله ﷿ يَكْني ما شاء بما شاء﴾ ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع، فكان ذِكْرُ المباشرةِ وذِكْرُ المساجد أمرين لازمين غير منفصلين، مما ينفي عنهما الإِخبار المجرَّد.
ثم انظروا في الحديث الخامس (ومن كان اعتكف مع رسول الله ﷺ فليرجعْ، فرجع الناس إلى المسجد) فهو أمر منه ﵊ بالرجوع إلى المسجد لمن كان قد اعتكف، ولولا أن المسجد هو مكان الاعتكاف لما صدر الأمر النبوي هكذا.
وأما الآثار المروية عن الصحابة والتابعين، فهي لا تعدو كونها آراءً اجتهاديةً لأصحابها. أما قول ابن المسيِّب في البند الرابع، فلا يعارض ما ذهبنا إليه من وجوب المسجد للاعتكاف بقدر ما يوفقنا، وما هو إلا بيان لأفضلية هذه المساجد بعضها على بعض.