إنه لمما لا شك فيه أن الأصناف التي ذُكرت في الأحاديث هي أصناف مُجْزِئة وأَوَّلُها وأَوْلاها هي صنف التمر، فقد ذكرته الأحاديث كثيرًا، وجعلته رأسَ ما يُخْرَج من زكاة الفطر. وباستعراض الأحاديث كلها، نجد أن هذه الأصناف المذكورة هي: التمر، والشعير، والحنطة أو القمح أو البُر، والزبيب، والأَقِط، والسويق، والسُّلت - وهو صنف من الشعير لا قِشر له -، والدقيق في روايات قليلة، والطعام - هكذا على العموم - هذه هي الأصناف المذكورة في الأحاديث، ونستعرض الآن عددًا من الأحاديث المتعلقة بهذه المسألةِ:
١- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبدِ والحرِّ، والذكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبير من المسلمين ﴾ . رواه البخاري (١٥٠٣) وغيره. وقد مرَّ في بحث [حكم زكاة الفطر] .
٢- عن أبي سعيد الخدري ﵁ يقول: ﴿كنا نُخْرِج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقِط أو صاعًا من زبيب﴾ رواه البخاري (١٥٠٦) ومسلم والطحاوي والدارمي.
[ ٣٧١ ]
٣- عن عياض بن عبد الله بن أبي سرح أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يقول ﴿ما أخرجنا على عهد رسول الله ﷺ إلا صاعًا من دقيق، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من سُلْتٍ، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أَقِطٍ، قال أبو الفضل: فقال له علي بن المديني وهو معنا: يا أبا محمد، أحدٌ لا يذكر في هذا الدقيقَ، قال: بلى هو فيه﴾ . رواه الدارَقُطني (٢/١٤٦) واحتج به أحمد.
٤- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول ﴿صَدقة رمضان صاع من طعام من جاء ببُرٍّ قُبِل منه، ومن جاء بشعيرٍ قُبِل منه، ومن جاء بتمرٍ قُبل منه، ومن جاء بسُلْتٍ قُبل منه، ومن جاء بزبيبٍ قُبل منه، وأحسبه قال: ومن جاء بسَوِيقٍ أو دقيقٍ قُبل منه﴾ . رواه ابن خُزيمة (٢٤١٧) وسنده صحيح. ورواه الدارَقُطني.
٥- عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ قال: ﴿زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبيرٍ، غنيٍّ أو فقيرٍ، صاعٌ من تمر، أو نصفُ صاع من قمح﴾ . رواه الطحاوي (٢/٤٥) وعبد الرزاق والبيهقي ورواه أحمد (٧٧١٠) بلفظ ﴿عن أبي هريرة في زكاة الفطر: على كل حرٍ وعبدٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبيرٍ، فقيرٍ أو غنيٍ، صاعٌ من تمر، أو نصف صاع من قمح قال معمر: وبلغني أن الزُّهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ﴾ . وسنده صحيح. وقد مرَّ.
هذه هي الأصناف التي كان المسلمون في زمن رسول الله ﵌ ومَن بعده من الصحابة والتابعين يخرجونها في زكاة الفطر، وهنا نُسجِّل عددًا من النقاط.
[ ٣٧٢ ]
أ - إن إخراج البُر أو القمح قد تأخر عن الأصناف الأخرى خاصةً التمر والشعير، وذلك أن حال المسلمين في البدء كان رقيقًا ضعيفًا فكان قُوتُهم في مجملِهِ التمرَ والشعيرَ فلما فتح الله عليهم وتوفَّر وجود القمح، صاروا يُخْرِجونه في زكاة الفطر، فقد روى نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ﴿كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ صاعًا من شعير أو تمر أو سُلْت أو زبيب، قال: قال عبد الله: فلما كان عمر ﵁ وكثرت الحنطة، جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء﴾ رواه أبو داود (١٦١٤) والدارَقُطني. وروى النَّسائي الجزء الأول منه.
ب - وردت في عدد من النصوص لفظةُ (الطعام) منها الحديث بند ٢ من رواية أبي سعيد، والحديث بند ٤ من قول ابن عباس. وجاءت هذه اللفظةُ أيضًا في الحديث الذي رواه البخاري (١٥٠٨) وأحمد والطحاوي من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ ﴿كنا نعطيها في زمان النبي ﷺ صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء، قال: أرى مدًا من هذا يعدل مدين﴾ قوله السمراء: هي الحنطة تُزرع في الشام.
[ ٣٧٣ ]
ج - باستعراض هذه الأصناف نجد أنها قد استغرقت الأقوات كلها التي كان المسلمون آنذاك يقتاتون بها، فلم تستثن النصوصُ أيَّ صنف من الأقوات من جواز إخراج زكاة الفطر منها، وبمعنى آخر فإن زكاة الفطر يخرجها المسلمون مما يقتاتون به، ولم تأت الأصناف في الأحاديث على سبيل الحصر كما قد يتوهم بعضهم فالقمح أو قل السمراء وهي القمح الشامي، قد تأخر شيوعه إلى زمان عمر بن الخطاب ومعاوية، فراح المسلمون يخرجون زكاة الفطر منه، مما يدل دلالة واضحة على أن الصحابة لم يفهموا أنَّ الأصناف المذكورة هي للحصر، وأنها لا تعدو كونها مجردَ ذِكرٍ لأقواتهم التي كانوا يقتاتون منها، ومما يؤكد هذا الفهم الحديثُ الذي رواه الدارَقُطني (٢/١٤٠) من طريق علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جده - وهو جعفر الصادق - عن آبائه ﴿أن النبي ﷺ فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير، والذكر والأنثى ممن تمونون﴾ وهو حديث حسن. ولا يقال إِن آباءه في الحديث جاءوا مجهولين، فإن آباءه يعرفهم المسلمون، فهم محمد بن علي، وعلي بن الحسين، والحسين بن علي، وعلي بن أبي طالب، وهؤلاء جميعًا ثقات، وقد أخرج لجعفر الشيخان، فالحديث يُحتَجُّ به، وهو واضح الدلالة على ما نقول. ومما يزيدنا اطمئنانًا الحديث الذي رواه الدارَقُطني أيضًا (٢/١٤١) والترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث مناديًا ينادي في فِجاج مكة: ألا إنَّ زكاة الفطر واجبة على كل مسلم على كل ذكرٍ وأنثى، حرٍّ وعبدٍ، وصغيرٍ وكبيرٍ مُدَّان من قمح، أو صاع مما سواه من الطعام﴾ وقد مرَّ في صدر بحث [على من تجب زكاة الفطر] برواية الترمذي. فقوله (مُدَّان من قمحٍ أو صاع مما سواه من الطعام) جاء بلفظ عام، فيدخل تحته كل طعام يأكله الناس. وعلى هذا نقول ما يلي:
[ ٣٧٤ ]
١- كما أنه يُجْزئ إخراجُ القمح والتمر والشعير، والزبيب والأقط والسُّلت، وحتى الدقيق والسويق، فإن أي طعام يقتات الناس به يُجْزئ في زكاة الفطر، ففي عصرنا الراهن دخل الأَرُز والفول والحمص والفاصولياء واللوبياء والبازيلاء والعدس في طعامنا الذي نقتات به فصارت هذه الأصناف مُجْزِئة في زكاة الفطر وهذا ردٌّ على من وقفوا عند الأصناف المذكورة، وقالوا لا يُجْزِئ غيرها، بل إن هؤلاء قد اختلفوا في إِجزاء بعض هذه الأصناف، فأبو حنيفة مثلًا يقول بعدم إِجزاء الأَقِط، ومالك والشافعي يقولان بعدم إِجزاء الدقيق والسَّويق. والحنابلة يقولون من قدر على التمر أو الزبيب أو البر أو الشعير أو الأقط فأخرج غيره لم يَجْزِئْهُ. ورُوي عن مالك قوله: إنه لا يُجْزِئ غير المنصوص عليه في الأحاديث وما فيه معناه. وفي المقابل، قد رُوي عن الشافعية قولهم: كل ما يجب فيه العُشر فهو صالح لإخراج الفطرة منه كالأرز والذرة والدُّخْن والحمص والعدس والفول وغير ذلك. وعن الحنابلة قولهم: من كل ثمرةٍ وحبَّةٍ تُقتات. وعن المالكية قياسهم على الأصناف المنصوص عليها كلَّ ما هو عيش أهل كل بلد، من القطاني وغيرها.
٢- وكما أنه يُجْزِئ إِخراج أي صنف مما يقتات به الناس فإن قيمة أي صنف تُجْزئ هي الأخرى في زكاة الفطر، فقيمة الشيء معادِلةٌ له، لا فضل لأحدهما على الآخر، وكان أبو حنيفة والثوري يقولان بجواز إخراج القيمة. وقال الحسن البصري [لا بأس أن تُعطَى الدراهمُ في صدقة الفطر] رواه ابن أبي شيبة (٣/٦٤) من طريق هشام. كما روى ابن أبي شيبة في مصنَّفه (٣/٦٤) من طريق قُرَّة قال [جاءنا كتاب عمر ابن عبد العزيز في صدقة الفطر نصفُ صاعٍ عن كل إنسان، أو قيمتُه نصفُ درهم] ورُوي عن بعض المالكية القول بإخراج القيمة ولكن مع الكراهة. وحتى نتبين وجه الصواب في هذه المسألة دعونا ننظر في عدد من النصوص ذات العلاقة:
[ ٣٧٥ ]
أ- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر - أو قال رمضان - على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاعٍ من بُرٍّ ﴾ رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة والنَّسائي.
ب- عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نُخْرِج، إذ كان فينا رسول الله ﷺ، زكاةَ الفطر عن كل صغيٍر وكبير، حرٍّ أو مملوك، صاعًا من طعام، أو صاعًا من أقِطٍ، أو صاعًا من شعيرٍ، أو صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نُخْرِجُه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًا، أو معتمرًا، فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناس أن قال: إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أُخرجه كما كنت أُخرجه أبدًا ما عشتُ﴾ رواه الإمام مسلم (٢٢٨٤) والترمذي وأبو داود وابن ماجة وابن خُزيمة وابن حِبَّان والدارمي. وفي رواية ثانية عند مسلم (٢٢٨٥) والبخاري بلفظ ﴿ حتى كان معاوية، فرأى أن مُدَّين من بُرٍّ تعدل صاعًا من تمر﴾ من طريق أبي سعيد الخدري ﵁.
ج- حديث ابن عمر ﵄ عند أبي داود (١٦١٤) والدارَقُطني والنَّسائي، وقد مرَّ في بند (أ) وجاء فيه ﴿فلما كان عمر ﵁ وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء﴾ .
قول الحديث بند (أ) (فعدل الناس به نصف صاع من بر) وقول الحديث بند (ب) (أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك) وقول الحديث بند (ج) (جعل عمر نصف صاع حنطة، مكان صاع من تلك الأشياء) هذه الأحاديث الثلاثة ذكرت المعادلة أو التعادل بين شيئين، ولا تكون المعادلة إلا بين شيئين متماثلين في القيمة، وإلا فلا تعادل، هذه نقطة.
[ ٣٧٦ ]
والنقطة الثانية هي أن التعادل هنا قد حصل بين شيءٍ منصوصٍ عليه، وشيءٍ آخر غير منصوص عليه كما جاء في الحديث الثاني، فسمراء الشام، أو قل قمح الشام لم يُنصَّ عليه في أي حديث، وجاء هذا الحديث بمعادلته بشيء منصوص عليه هو التمر مما يدل على أن التعادل لا يجب أن يكون بين شيئين منصوص عليهما، بل إن التعادل لا يُتصور وجودُه في النصوص، ذلك أن النصوص إذا أرادت الشيئين ذكرتهما معًا بصيغة الواو أو بصيغة أو، فيكون الشيء المنصوص عليه مطلوبًا بالنص، ولا يكون مطلوبًا بتعادله مع غيره، فالتعادل إنما يكون بين شيئين أحدهما مذكور والآخر غير مذكور، أو يكون بين شيئين مذكورين أحدهما أفضل من الآخر، فيأتي التعادل مع التفاوت في المقدار، وما سوى هاتين الحالتين فلا يأتي ذِكْرُ التعادل.
وقد فهم عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان قضية التعادل أو المعادلة بين شيئين أحدهما منصوص عليه والآخر غير منصوص عليه وعملا به، فأخذ الناس بذلك كما نطقت الآثار، والناس هنا هم صحابة رسول الله ﷺ، ولا مانع من مخالفة قلة من الصحابة لذلك الأمر كما حصل من أبي سعيد الخدري، إذ أن له ذلك شرعًا ذلك أن قضية التعادل لا تأتي على سبيل الإلزام ولا حتى على سبيل الندب وهي لا تعدو كونها مباحةً أو جائزةً فحسب، والمباح أو الجائز لا مانع من مخالفته وعدم أخذه، فالتعادل بين شيئين هو مباح وجائز. قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ يُعتمد عليه، ولم يكن البُرُّ بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأَوْا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير وهم الأئمة
[ ٣٧٧ ]
وبناءً على جميع ما سبق، وبناءً على فهمنا للتعادل نقول: إن إخراج القيمة جائز، وبمعنى آخر إن إخراج الدنانير والقروش جائز ولا يجوز إخراج الدنانير والقروش إلا إذا كانت تعادل الشيء أو الأشياء المنصوص عليها، وإلا فلا تعادل، وبالتالي فلا قيمة. فلا يقبل قول من يجيز إخراج الدنانير والقروش مطلقًا بدون معادلتها بالأشياء المنصوص عليها فإن جاء فقيه وقال يجوز إخراج مبلغ كذا وكذا، هكذا بشكل مطلق قلنا له إن قولك هذا غير جائز ولا يصبح جائزًا إلا إن عادلتَ هذا المبلغ بأحد الأشياء المنصوص عليها.
ولقد أصاب أبو حنيفة ومن قال بقوله فيما ذهب إليه من جواز إخراج القيمة بشرط معادلتها بأحد الأشياء المنصوص عليها. ونحن نقول: نُخْرِج صاعًا من تمر أو دينارًا مثلًا إن كان صاع التمر يساوي الدينار في السوق، ونقول نخرج ثمانين قرشًا أو صاعًا من الدقيق، إن كان صاع الدقيق أو الطحين يساوي الثمانين قرشًا في السوق وهكذا.
أما التعادل بخصوص القوت المستحدَث في عصرنا الراهن، فهو التعادل نفسه بخصوص إخراج القيمة، وبمعنى آخر فإنه يتوجب عند إخراج الفول مثلًا أو الأرز مثلًا أن لا نخرج صاعًا منهما، إلحاقًا بهما للأجناس المنصوص عليها، وإنما نتعامل معهما حسب قاعدة التعادل، أي نتعامل معهما كما تعامل صحابةُ رسول الله ﷺ مع القمح، فقدَّروه بالتعادل بضعف الأجناس الأخرى، أي أنه عند إخراجنا للفول أو الأرز مثلًا نقوم بمعادلتهما بالتمر أو بالشعير، فإن كان الفول عند التعادل أو الأرز أغلى قيمة من التمر أو الشعير فإن نصف صاع أو ثلثي صاع مثلًا هو المجزئ في زكاة الفطر، وفي المقابل إن كان سعر الفول أو الأرز مثلًا عند التعادل أرخص من سعر التمر أو الشعير فإن الواجب عندئذٍ إخراج صاعين أو صاعٍ ونصفٍ منهما، أي أننا نجري عملية التعادل حسب الأسعار في السوق.
[ ٣٧٨ ]
بقيت آخر نقطة هي: أيُّ الأصناف نتخذها مقياسًا عند التعادل؟ هل نقيس الأجناس المستحدَثة على جنس التمر، أو على جنس الشعير، أو على جنس الزبيب؟ الصواب الذي ينبغي الذهاب إليه هو اتخاذ أهم وأكثر المواد شيوعًا في طعامنا في عصرنا الراهن المقياس عند التعادل. وبالنظر في النصوص المارة نجد أنها أطلقت مراتٍ الأجناس وقيدتها مراتٍ أخرى بالتمر. والتمر آنذاك كان هو الطعام الرئيسي الأول، وكانوا يقيسون عليه الأصناف المستحدَثَةَ، فقد رُوي عن أبي سعيد قولُ معاوية في الحديث الذي رواه مسلم (٢٢٨٤) وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خُزيمة وابن حِبَّان ﴿ إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك﴾ وفي الحديث الذي رواه مسلم (٢٢٨٥) والبخاري ﴿ حتى كان معاويةُ، فرأى أنَّ مُدَّيْنِ من بُرٍّ تعدل صاعًا من تمرٍ﴾ فأقول ما يلي:
حيث أن القمح في عصرنا الراهن هو الطعام الرئيسي الأول وليس التمر، فإني أرى أنه يتوجب عند إخراج القيمة النقدية أو إخراج الأصناف المستحدَثة، أن يجري تعادلها بالقمح، وعدم معادلتها بالتمر ولا بالزبيب ولا بالشعير، فالعبرة هي في شيوع جنس الطعام، ففي حين أن التمر كان الطعام الرئيسي في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة رضوان الله عليهم، ولذا قاسوا القمح عليه، فإن القمح، لكونه هو الطعام الرئيسي في زمننا هذا، هو ما ينبغي أن نتخذه المقياس الآن عند إخراج القيمة، أو إخراجِ صنفٍ من الأصناف المستحدَثة.
أما في جنوب شرق آسيا، أي في شبه القارة الهندية وما حولها فإن الطعام الرئيسي هو الأرُزُّ وليس القمح، ولذا فإن على المسلمين في تلك البلاد أن يتَّخذوا الأرزَّ المقياس عند إخراج القيمة، أو إخراجِ صنفٍ من الأصنافِ المستحدَثة.