قد وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره﴾ رواه مسلم (٢٧٨٨) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد.
٢- وعنها ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ إذا دخل العَشْرُ أحيا الليل وأيقظ أهله وجدَّ، وشدَّ المِئْزَر﴾ رواه مسلم (٢٧٨٧) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٣- عن عليٍّ ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أيقظ أهله ورَفَع المِئْزَر، قيل لأبي بكر – بن عياش أحد الرواة – ما رَفَعَ المِئزر؟ قال: اعتزل النساء﴾ رواه أحمد (١١٠٣) وابن أبي شيبة والبيهقي وأبو يعلى. ورواه الترمذي وقال [هذا حديث حسن صحيح] .
فهذه الأحاديث الشريفة تدل على مشروعية الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان، وعلى إحيائها بالعبادة، وعلى الحث على إيقاظ الأهل فيها لجني ما أعدَّ الله فيها لعباده العُبَّاد من خير وثواب.
اعتكافُ النساء:
وردت فيه الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشرَ الأواخر من رمضان حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وقد مرَّ في بحث [حكم الاعتكاف] البند الأول.
[ ٣٥٠ ]
٢- وعنها ﵂ قالت ﴿اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأةٌ مستحاضةٌ من أزواجه، فكانت ترى الحُمرة والصُّفرة، فربما وضعنا الطَّست تحتها وهي تصلي﴾ رواه البخاري (٢٠٣٧) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وفي رواية ثانية للبخاري (٣٠٩) من طريقها بلفظ ﴿أن النبي ﷺ اعتكف معه بعض نسائه، وهي مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطَّست تحتها من الدم﴾ .
٣- عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشةَ ﵂ ﴿أَن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكفَ العشر الأواخرَ من رمضان، فاستأذنته عائشةُ فأَذن لها، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذنَ لها ففعلت فلما رأت ذلك زينب بنت جحشٍ أَمرت ببناء فبُنيَ لها قالت: وكان رسول الله ﷺ إِذا صلى انصرف إِلى بنائه فأَبصر الأبنيةَ، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشةَ وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ: أَلبرَّ أَردنَ بهذا؟ ما أَنا بمعتكفٍ، فرجع، فلما أَفطر اعتكف عشرًا من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) ومالك وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمةَ. وقد مرَّ في بحث [حكم الاعتكاف] البند الرابع.
تدل هذه النصوص الثلاثة على جواز اعتكاف النساء، وطبعًا في مكانٍ منعزلٍ في المسجد عن الرجال، ويدل الحديث الثالث على أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها، وأنها إن اعتكفت بغير إذنه كان له أن يُخرجها، وحتى إن هي اعتكفت بإذنه فإن للزوج أن يرجع عن إذنه فيمنعها وإليه ذهب الجمهور وهو الصحيح. ذلك أن الاعتكاف مندوب، ولو كان واجبًا على الزوجة لما جاز للزوج منعُها منه، وليس صحيحًا قول أهل الرأي: إذا أذن لها الزوج بالاعتكاف ثم منعها أثم بذلك، وهو قولٌ لمالك أيضًا.
[ ٣٥١ ]
وقد شرَّط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن يكون في مسجد بيتها، وهو قولٌ يردُّه الحديث رقم ٣. وقال أحمد في رواية عنه: إن لها الاعتكاف في المسجد مع زوجها، وهو قول لا يختلف فيه أحد، ولم يجيء بصيغة الشرط أي لم يجيء قوله: إن لها الاعتكاف في المسجد بشرط أن تكون مع زوجها، فإن كان القول مشروطًا فهو خطأ لا دليل عليه، إذ الحديث الثالث يردُّه أيضًا، فنساء الرسول ﷺ قد ضربن لأنفسهن أخبية خاصة بهن، والحديث الأول يقول (ثم اعتكف أزواجه من بعده) بمعنى أنهن اعتكفن وحدهن بدون إِذن زوجهن رسول الله ﷺ أما الحديث الثاني فيدل منطوقُه على أن المستحاضة – وهي من يسيل دمها من فرجها بسبب مرض – يجوز لها الاعتكاف، ويلحقُ بها دائمُ الحدَث – أي من كان عنده سَلَسُ البول – ومن به جُرح يسيل، بشرط أن لا تُنجِّسَ هي أو يُنجِّسَ هو المسجد.
وقد انقطع اعتكاف النساء في زمننا هذا أو كاد، فلم نعد نرى نساءً يعتكفن بل كاد اعتكاف الرجال ينقطع أيضًا في زمننا هذا، ولم نعد نشاهده بصورة ملموسة إلا في ليلة القدر المحتملة فحسب، اللهم إلا الاعتكاف القصير لمدة ساعة أو ساعات، أي المكث في المسجد بنية الاعتكاف، فهذا ما يستمر وقوعه لسهولته. وأقول إن المرأة إن كانت زوجة، أو كان لها أولاد صغار لا يتولى خدمة الزوج أو الأولاد إلا هي، فإن ترك الاعتكاف يتعين عليها ويصبح اعتكافها غير جائز، ذلك أنه إذا تعارض واجب مع مندوب وجب القيام بالواجب وتُرِك المندوب، ولا شك في أن القيام على خدمة الزوج والأولاد واجب على المرأة، فهو مقدَّم على الاعتكاف المندوب.