ذهب الأئمةُ أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أن الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لم يفطر ولا شيء عليه، سواء قَلَّ الأكلُ والشربُ أو كثر. وممن ذهب إلى هذا الرأي الحسن البصري ومجاهد وإسحق بن راهُويه وأبو ثور وداود بن علي وعطاء والأوزاعي والليث. وقال ربيعة ومالك: يفسد صوم الآكل والشارب الناسي، وعليه القضاء. والصحيح القول الأول، وهو ما تدل عليه النصوص التالية:
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ ﴿مَن أكل ناسيًا وهو صائم فليُتمَّ صومَه، فإِنما أطعمه الله وسقاه﴾ رواه البخاري (٦٦٦٩) ومسلم وأبو داود والترمذي والدارمي. ولفظ مسلم (٢٧١٦) هو ﴿من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليُتِمَّ صومَه، فإِنما أطعمه الله وسقاه﴾ .
٢- وعنه ﵁ أن النبي ﷺ قال ﴿من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفارة﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٢١) وسنده حسن. ورواه ابن خُزيمة والدارَقُطني والبيهقي، والحاكم وصحَّحه. كما روى ابن خُزيمة (١٩٩٠) والطبراني في المعجم الأوسط حديثًا آخرَ بلفظ ﴿من أكل أو شرب في رمضان ناسيًا فلا قضاءَ عليه ولا كفَّارة﴾ وسنده حسن.
٣- وعنه رضي الله تعالى عنه قال ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أكلت وشربت ناسيًا وأنا صائم، فقال: أطعمك الله وسقاك﴾ رواه أبو داود (٢٣٩٨) والنَّسائي والدارَقُطني، والترمذي وقال [حديث حسن صحيح]
[ ٨١ ]
٤- عن أم حكيم بنت دينار، عن مولاتها أم إسحق ﵂ ﴿أنها كانت عند رسول الله ﷺ، فأُتي بقَصْعَةٍ من ثَريد فأكلتْ معه، ومعه ذو اليدين، فناولها رسول الله ﷺ عَرْقًا، فقال: يا أم إِسحق، أَصيبي من هذا، فذكرتُ أني كنت صائمة، فرددتُ يدي لا أُقدِّمها ولا أُؤخِّرها، فقال النبي ﷺ: مالَكِ؟ قالت: كنت صائمة، فنسيت، فقال ذو اليدين: الآن بعدما شبعتِ؟ فقال النبي ﷺ: أَتمِّي صومَك فإنما هو رزق ساقه الله إليكِ﴾ رواه أحمد (٢٧٦٠٩) والطبراني في كتاب المعجم الكبير. والعَرْق: هو العظم إذا بقي عليه لحمٌ قليل.
فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على أن من أكل أو شرب ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفارة، وصومه صحيح، سواء منه ما كان فرضًا كصوم رمضان، أو كان تطوُّعًا، وسواء أكان الأكل والشرب وصلا إلى درجة الشبع أم كانا دونه. ولم أجد لمالك دليلًا على قوله الذي يخالف به هذه الأدلة، ولم أجد في المدونة الكبرى إلا فتياه فقط بأن الصائم إذا أكل أو شرب فسد صومه، وغفر الله تعالى لنا وله.
ثانيًا: السُّحور
فضل السحور:
وردت في فضل السُّحور الأحاديث التالية:
١- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ ﴿تسحَّروا فإن في السَّحور بركة﴾ رواه البخاري (١٩٢٣) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي.
٢- عن عبد الله بن الحارث، يحدِّث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال ﴿دخلتُ على النبي ﷺ وهو متسحِّر، فقال: إنها بركة أعطاكم الله إياها، فلا تدَعُوه﴾ رواه النَّسائي (٢١٦٢) وأحمد.
[ ٨٢ ]
٣- عن المقدام بن مَعْدِي كَرِب عن النبي ﷺ قال ﴿عليكم بغداء السُّحور فإنه هو الغداء المبارك﴾ رواه أحمد (١٧٣٢٤) والنَّسائي، وسنده صحيح وجاء في المعجم الأوسط للطبراني (٥٠٥) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال ﴿أرسل لي عمر بن الخطاب يدعوني إلى السَّحور وقال: إن رسول الله ﷺ سمَّاه الغداء المبارك﴾ وسنده جيد.
٤- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إن الله وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٤٦٨) بسند صحيح. ورواه أبو نُعَيم والطبراني في المعجم الأوسط. ورواه أحمد من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.
٥- عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال ﴿نِعْمَ سَحورُ المؤمنِ التمرُ﴾ رواه ابن حِبِّان (٣٤٧٥) وأبو داود والبيهقي. ورواه البزَّار (٩٧٨) من طريق جابر ﵁ بلفظ ﴿نعم السَّحور بالتمر﴾ .
٦- عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﵌ ﴿تسحَّروا ولو بجُرْعةٍ من ماء﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٤٧٦) وسنده حسن. وقد رواه عبد الرزاق قولًا لنفرٍ من أصحاب النبي ﵌. ورواه ابن أبي شيبة (٢/٤٢٦) من طريق رجل من الصحابة بلفظ ﴿تسحَّروا ولو حَسوةً من ماء﴾ .
٧- عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال ﴿فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحَر﴾ رواه مسلم (٢٥٥٠) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي باختلاف في الألفاظ.
[ ٨٣ ]
فالسحور بركة أعطانا الله إياها، والله وملائكته يصلَّون علينا ونحن نتسحَّر، ويُفضَّل السُّحور بالرُّطبِ وإلا فبالتمر وتحصل بَرَكة السُّحور بجرعة من ماء. والسُّحور هو فصلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب، ولو لم يكن من فضلٍ للسُّحور إلا صلاة اللهِ سبحانه وملائكتِهِ على المتسحرين لكفى. وقد روى أحمد فضائل السُّحور في حديث واحد من طريق أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه (١١١٠٢) قال: قال رسول الله ﷺ ﴿السَّحور أكلُهُ بركةٌ فلا تَدَعوه ولو أن يجرع أحدُكم جُرعةً من ماء فإن الله ﷿ وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين﴾ فليحرص الصائم على تناول طعام السحور ليحصِّل هذه الفضائل.