إذا دُعي الصائم المتطوع إلى طعام شُرع له أن يجيب الدعوة، ولا يمتنع عن الإجابة لكونه صائمًا، بل يذهب، ثم إن شاء أفطر وأكل من الطعام، وإن شاء بقي صائمًا وأَعلمَ صاحبَ الدعوة بصيامه، ودعا له دعواتٍ صالحاتٍ. وهذه طائفة من النصوص المتعلقة بهذه المسألة:
[ ١٣٨ ]
١- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا دُعي أحدُكم فلْيجب فإن كان صائمًا فليصلِّ، وإن كان مفطرًا فليَطْعَم﴾ رواه مسلم (٣٥٢٠) وأبو داود والترمذي. قوله فلْيُصَلِّ: وردت هذه اللفظة بمعناها اللغوي وهو الدعاء، يؤكد ذلك ما جاء في روايةِ النَّسائي في السنن الكبرى (١٠٠٥٩) من طريق عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه بلفظ ﴿إذا دعي أحدكم فلْيُجِبْ، فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا دعا بالبركة﴾ .
٢- وعنه ﵁، عن النبي ﷺ قال ﴿إذا دُعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل: إني صائم﴾ رواه مسلم (٢٧٠٢) والنَّسائي والترمذي والدارمي وأبو داود وابن ماجة.
٣- عن أنس رضي الله تعالى عنه ﴿دخل النبي ﷺ على أم سُلَيم، فأتته بتمرٍ وسمنٍ، قال: أعيدوا سمنكم في سِقائه وتمرَكم في وِعائه فإني صائم، ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غيرَ المكتوبة فدعا لأم سُلَيْم وأهلِ بيتها ﴾ رواه البخاري (١٩٨٢) وأحمد وابن سعد في الطبقات الكبرى. ودلالة هذه الأحاديث واضحة.
[ ١٣٩ ]
وننظر في الحديث التالي: عن أبي جُحَيفة قال ﴿آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذِّلة، فقال لها: ما شأنكِ؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعامًا، فقال: كل، قال: فإني صائم قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكل قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان: قم الآن، فصلَّيا، فقال له سلمان: إنَّ لربك عليك حقًا ولنفسك عليك حقًا ولأهلك عليك حقًا فأَعطِ كلَّ ذي حق حقَّه فأتى النبيَّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ: صدق سلمان﴾ رواه البخاري (١٩٦٨) والترمذي وابن خُزيمة والطبراني. ورواه الدارَقُطني (٢/١٧٦) والبيهقي بلفظ ﴿ إن أخاك يقوم الليل ويصوم النهار وليس له حاجة في نساء الدنيا فجاء أبو الدرداء، فرحَّب به سلمان وقرَّب إليه طعامًا فقال له سلمان: اطْعَم، فقال: إني صائم، فقال: أقسمت عليك لتُفْطِرنَّه، قال: ما أنا بآكِلٍ حتى تأكل، فأكل معه ﴾ قوله متبذِّلة: أي لابسة لباس البَذْلةِ، وهي المهنة والشغل، والمعنى أنها تاركةٌ ثيابَ الزينةِ. فهذا الحديث يدلُّ على عدة أحكام: منها أن الصائم المتطوِّع يجوز له قطع صيامه، وقد مرَّ مزيد بحث في هذه المسألة في [قضاء صوم التطوع] في الفصل [قضاء الصوم] ومنها أن الاعتدال في العبادة مشروع، ومن العبادةِ الصيامُ وقيامُ الليل، ومنها أن أداء حق الزوجة مقدَّم على صيام التطوع وقيام الليل، ومنها أن الداعي يجوز له أن يحث الصائم المدعو على الإفطار.