إن الجهاد ذِروةُ سنام الإسلام، وإن ثوابه عظيم وخيره عميم، فإذا ضُمَّ إليه الصيام مع ما فيه من مشقة، فإن الثواب يصبح من الوفرة بحيث أن الله سبحانه يبعِّد صاحبه عن النار سبعين سنة، وإن من الجهاد الرباطَ في سبيل الله فالصوم فيه كالصوم في الجهاد. وقد وردت في فضل الصيام في الجهاد الأحاديث التالية:
[ ١٤١ ]
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول ﴿من صام يومًا في سبيل الله بَعَّد اللهُ وجهه عن النار سبعين خريفًا﴾ رواه البخاري (٢٨٤٠) ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد. وروى ابن ماجة (١٧١٨) والنَّسائي والترمذي وأحمد الحديث أيضًا من طريق أبي هريرة ﵁ ورواه ابن أبي شيبة (٤/٥٧٢) من طريق أنس رضي الله تعالى عنه. ورواه النَّسائي أيضًا (٢٢٥٢) من طريق عقبة بن عامر ﵁.
٢- عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿مَن صام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض﴾ رواه الطبراني في المعجم الصغير (٤٤٩) والمعجم الأوسط، بإسنادٍ حسَّنه الهيثمي والمنذري، ورواه الترمذي (١٦٧٤) من طريق أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه وقال [هذا حديث غريب] .
وأُلفت النظر هنا إلى أن الحديث إن قيل عنه إنه غريب فلا يعني أنه ضعيف كما قد يتوهَّم البعض، فالغريب اسم مشترك بين الصحيح والحسن والضعيف، فقد يقال صحيح غريب، وقد يقال حسن غريب، وقد يقال ضعيف غريب. والغريب هو الحديث الذي انفرد بروايته راوٍ واحد في سنده، وهذا الراوي إن كان عدلًا ضابطًا ثقة فالحديث صحيح، وإن كان الراوي صدوقًا لا بأس به فالحديث حسن مثلًا، أما إن كان الراوي مجروح العدالة ومتَّهمًا فالحديث ضعيف أو متروك، وهكذا.
[ ١٤٢ ]
٣- عن عُقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال ﴿مَن صام يومًا في سبيل الله ﷿ باعد الله منه جهنَّم مسيرةَ مائةِ عام﴾ رواه النَّسائي (٢٢٥٤) . ورواه عبد الرزاق (٩٦٨٤) والطبراني في المعجم الكبير وفي المعجم الأوسط من طريق عمرو بن عبسة ﵁. قال الهيثمي [رجاله موثَّقون] . وقال المنذري: بإسنادٍ لا بأس به. ورواه عبد الرزاق أيضًا (٩٦٨٣) من طريق أبي أُمامة ﵁ بلفظ ﴿من صام يومًا في سبيل الله بَعَّد الله وجهَه عن النار مسيرةَ مائةِ عام، ركضَ الفرسِ الجوادِ المُضْمَرِ﴾ والمضمر: هو الحصان الخفيفُ اللحم، وهو ما تمدحه العرب لخفته وسرعة جريه.
وقد جاءت النصوص عامة في الصوم، فتشمل صوم الفريضة كما تشمل صوم التطوع. أما صوم التطوع فظاهر، وأما صوم الفريضة، فإنه في حالة السفر كما في حالة الجهاد في سبيل الله لا يتعيَّن أداؤُه ويصح للصائم أن يفطر فجاءت هذه النصوص تحث على الصيام بنوعيه في حالة الجهاد في سبيل الله، وليس صحيحًا قصرُ النصوص هذه على صيام الفريضة.
أما قول الأحاديث (في سبيل الله) فإن هذه اللفظة حيثما وردت فيها، فإنها تعني الجهاد، أي قتال الكفار، ولا تُصرف عنه إلا بقرينة، وهنا في مسألتنا لا توجد قرينة، فتبقى على أصل معناها، وهو الجهاد.