من أحب أن يصوم أفضل الصيام بعد شهر رمضان، فعليه أن يصوم في شهر الله المحرم، فصوم يوم من هذا الشهر أفضل من صوم أي يوم من أيام العام، ولا يُفهم من هذا القول أنه يُلغي أو يُبطل أفضلية صيام ما ورد الشرع بذكره والتنويه به وبيان فضله، من مثل صيام الأيام الغُرِّ، أي صيام الأيام البِيض، أو صيام يومي الاثنين والخميس، أو صيام يوم عرفة التاسع من ذي الحجة كما سنذكره بعد قليل، فالتنويه بشيء ليس بالضرورة آتيًا على حساب غيره. ثم إن قولنا إن الصيام في المحرَّم أفضل الصيام، يعني تفضيل شهر المحرم في الصوم على غيره من الأشهر على العموم، ويبقى التنويه بأنواعٍ من الصيام على حاله من الفضل. وفي العاشر من هذا الشهر خاصةً يومُ عاشوراء وصيامُه يكفِّر السنة التي قبله. وهذه طائفة من النصوص تذكر فضل الصوم في هذا الشهر:
[ ١٦٣ ]
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﵌ ﴿أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرَّم ﴾ رواه مسلم (٢٧٥٥) وأبو داود والنَّسائي والدارمي والترمذي وابن ماجة وأحمد. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/١٦٩٥) من طريق جُنْدُب بن سفيان.
٢- وعنه ﵁ يرفعه ﴿قال: سُئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل، وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم﴾ رواه مسلم (٢٧٥٦) والنَّسائي وأحمد.
٣- عن النعمان بن سعد عن علي ﵁ قال ﴿سأله رجل فقال: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ فقال له: ما سمعت أحدًا يسأل عن هذا إلا رجلًا سمعتُه يسأل رسول الله ﷺ وأنا قاعد عنده فقال: يا رسول الله: أيَّ شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ قال: إن كنتَ صائمًا بعد شهر رمضان، فصم المحرَّم فإنه شهر الله فيه يومٌ تاب الله فيه على قوم ويتوب فيه على قومٍ آخرين﴾ رواه الترمذي (٧٣٨) وقال [هذا حديث حسن غريب] وأقرَّ المنذري تحسين الترمذي له. ورواه أحمد (١٣٣٥) بلفظ ﴿عن علي قال: أتى النبَّي ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله أخبرني بشهرٍ أصومُه بعد رمضان؟ فقال رسول الله ﷺ: إن كنتَ صائمًا شهرًا بعد رمضان فصم المحرَّم، فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب فيه على قوم، ويُتاب فيه على آخرين﴾ ورواه الدارمي باختلاف في الألفاظ.
[ ١٦٤ ]
٤- عن أبي قَتَادة ﵁ عن النبي ﷺ قال ﴿صوم عاشوراء يكفِّر السنة الماضية، وصومُ عرفةَ يكفِّر سنتين: الماضيةَ والمستقبَلةَ﴾ رواه النَّسائي (٢٨٠٩) في السنن الكبرى وابن أبي شَيْبة وأبو داود وأحمد والبيهقي وابن حِبَّان. وسيأتي مزيد بيانٍ وبحثٍ للصوم في عاشوراء في بند منفصلٍ لاحقًا بإذن الله.