[ ١٤٣ ]
يصح صيام التطوع في أي يوم من أيام الأسبوع، وقد ورد الصوم في يومي الاثنين والخميس كما مرَّ سابقًا، كما ورد في سائر الأيام الأخرى باستثناء إِفراد يومي الجمعة والسبت بالصوم بمعنى أن من أراد صوم يوم الجمعة أو صوم يوم السبت فلْيُضِف إليهما يومًا قبلهما أو يومًا بعدهما، فيصوم الجمعة والسبت، أو الخميس والجمعة، أو السبت والأحد، إلا أن يأتي يومُ عرفةَ مثلًا أو يومُ عاشوراءَ في أحد هذين اليومين فلا بأس عندئذٍ بإِفرادهما بالصوم، لأن الصوم فيهما جاء لمعنى آخر. وهذه طائفة من الأحاديث تذكر ذلك:
١- عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر مما يصوم من الأيام ويقول: إِنهما عيدا المشركين، فأنا أُحبُّ أن أُخالفهم﴾ رواه أحمد (٢٦٧٥٠) والبيهقي ورواه الطبراني في المعجم الأوسط. ورواه ابن خُزيمة وابن حِبَّان والحاكم وصححوه، كما صححه ابن حجر والذهبي.
٢- عن عبيد الله بن مسلم القرشي عن أبيه قال ﴿سألتُ أو سُئِل النبي ﷺ عن صيام الدهر؟ فقال: إن لأهلك عليك حقًا، صم رمضان والذي يليه وكلَّ أربعاء وخميس فإذا أنت قد صُمت الدهر﴾ رواه أبو داود (٢٤٣٢) والنَّسائي في السنن الكبرى والبخاري في كتاب التاريخ الكبير. ورواه الترمذي وقال [غريب]
٣- عن خيثمة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس﴾ رواه الترمذي (٧٤٣) وقال [هذا حديث حسن] .
[ ١٤٤ ]
الحديث الثالث فيه ضعف، ولكن الترمذي وقد حسَّنه فإنه يجوز أخذه، لا سيما في موضوع كهذا، ولأنه لم يعارضه حديث صحيح. أما ما رواه عبد الله بن بُسر قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، فإن لم يجد أحدُكم إلا عودَ عنب أو لِحاءَ شجرة فلْيَمُصَّه﴾ رواه ابن ماجة (١٧٢٦) والنَّسائي وأحمد. ورواه ابن حِبَّان والحاكم وصححاه كما صححه ابن السكن، وحسَّنه الترمذي. ولكن الطحاوي قال [هذا حديث شاذ] وضعَّفه أحمد ومالك. ورواه أبو داود (٢٤٢١) من طريق أخت عبد الله، وقال في آخره [هذا حديثٌ منسوخ] فهذا الحديث لا شك في أن فيه ضعفًا، ولا أقول إنه حديث ضعيف. وننظرُ، فإن كان هذا الحديث يخالف الحديث الصحيح الأول، ولا يمكن التوفيق بينهما فإنه يُرَدُّ ولا بد، وأما إن كان لا يخالف الحديث الصحيح الأول ويمكن التوفيق بينهما فإنه يجوز أخذه والاستدلال به.
وبالنظر في هذه المسألة أمكننا القول إن الجمع بينهما ممكنٌ بل وسهلٌ، فيُعمَل بالحديثين. فأقول إن النهي عن صيام السبت في هذا الحديث متوجِّه إلى إِفراده بالصوم أما صيامه مع ما قبله أو مع ما بعده فلا يدخل في النهي هذا، ويؤيد هذا طلبُه ﵊ ممَّن صام يوم الجمعة أن يصوم السبت بعده أو الخميس قبله كما سيأتي مباشرة، والجمع بين الأحاديث مهما أمكن أولى من القول بالنسخ أو بالرد.
بقي صيام يوم الجمعة، وقد ورد فيه ما يلي:
٤- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا يَصُمْ أحدُكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله، أو يصوم بعده﴾ رواه مسلم (٢٦٨٣) والبخاري وأبو داود وأحمد وابن حِبَّان. كما رواه مسلم (٢٦٨٤) والنَّسائي بلفظ ﴿لا تختَصُّوا ليلَة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تَخُصُّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيام، إلا أن يكون في صومٍ يصومه أحدُكم﴾ .
[ ١٤٥ ]
٥- عن محمد بن عباد قال ﴿سألت جابرًا ﵁: أَنَهى النبيُّ ﷺ عن صوم يوم الجمعة؟ قال: نعم – زاد غير أبي عاصم – يعني: أن ينفرد بصومه﴾ رواه البخاري (١٩٨٤) ومسلم والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٦- عن جويرية بنت الحارث ﵂ ﴿أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: أصمتِ أمسِ؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا، قال: فأَفطري﴾ رواه البخاري (١٩٨٦) والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والطحاوي.
٧- عن بشير بن الخصاصية ﵁ ﴿أنه سأل النبي ﷺ: أَصومُ يومَ الجمعة، ولا أُكلِّم ذلك اليوم أحدًا؟ فقال النبي ﷺ: لا تصم يوم الجمعة إلا في أيامٍ هو أحدُها، أو في شهر ﴾ رواه أحمد (٢٢٣٠٠) وإسناده صحيح.
٨- عن ابن مسعود ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من غُرَّةِ كلِّ شهر، وقَلَّما يُفطر يوم الجمعة﴾ رواه النَّسائي (٢٣٦٨) والترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي. قال الترمذي [حسن غريب] وصححه ابن حزم.
٩- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿ما أنا نَهَيتُ عن صيام يوم الجمعة، محمدٌ ﷺ وربِّ الكعبةِ نهى عنه﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٦٠٩) وأحمد وابن خُزيمة وعبد الرزاق، وسنده صحيح.
١٠- عن عامر بن لُدَين الأشعري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿إن يوم الجمعة عيدُكم فلا تصوموه، إلا أن تصوموا قبله أو بعده﴾ رواه البزَّار (١٠٦٩) بسندٍ حسَّنه الهيثمي. وروى أحمد والحاكم هذا اللفظ من طريق أبي هريرة ﵁.
[ ١٤٦ ]
قلنا إن النهي قد وقع على إِفراد يوم الجمعة بالصوم، وقلنا إن من أراد صوم هذا اليوم فلْيصم معه يومًا قبله، أو يومًا بعده، والحديث الرابع والحديث الخامس والحديث السابع والحديث العاشر هي أدلة على هذا الحكم، وهي واضحة الدلالة. ونقول أيضًا إن الحديث السادس يدل على الحكم هذا، فجُوَيرِية ﵂ كانت صائمة يوم الجمعة، فأراد الرسول ﵊ أن يَعْلم إِن كانت قد أفردت الجمعة بالصوم أو أنها صامت الخميس قبله بقوله (أَصُمتِ أمسِ؟) فلما علم أنها لم تكن صامت الخميس، سألها إن كانت تنوي صيام السبت بعد الجمعة بقوله (تريدين أن تصومي غدًا؟) فلما علم أنها لا تريد صوم السبت، وأنها بالتالي تكون قد أفردت الجمعة بالصوم أمرها أن تفطر، بمعنى أنه نهاها عن إِفراد الجمعة بالصوم. أما حديث ابن مسعود الثامن فيُحمل على أنَّ الرسول ﷺ كان يصوم الجمعة مع ما قبله أو مع ما بعده، وحيث أن الرسول ﷺ كان كثير الصيام، فإن صيام الجمعة كان يدخل في صيامه ولا يدل الحديث على أنه ﵊ كان يُفْرِد الجمعة بالصيام. وأما الحديث التاسع، فلا شك في أن النهي الوارد فيه ينسحب على إِفراد الجمعة بالصوم، ونكون بهذا الفهم قد أَعْمَلنا جميع الأحاديث، وأزلنا ما يبدو عليها من تعارض في الظاهر.
وعليه فإني أقول إن صيام التطوع يصح في أي يوم من أيام الأسبوع دون شروط، باستثناء يومي الجمعة والسبت، فإن صيامهما مشروط بعدم إِفرادهما بالصوم وينتفي الإِفراد بصوم يومٍ قبلهما أو يومٍ بعدهما معهما.
[ ١٤٧ ]
ثم مالنا نذهب بعيدًا في البحث والاستدلال وعندنا الحديث الذي رواه علقمة ﴿قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: هل كان رسول الله ﷺ يختصُّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله دِيْمَةً، وأيُّكم يُطيق ما كان رسول الله ﷺ يُطيق؟﴾ رواه البخاري (١٩٨٧) ومسلم وأبو داود وأحمد. قوله: كان عمله ديمة: أي كان صومه دائمًا متواصلًا.
وممن ذهب إلى منع إِفراد الجمعة بالصيام أحمد بن حنبل، وقسمٌ من الشافعية، وابن حزم، ورُوي ذلك عن علي وأبي هريرة وسلمان وأبي ذر ﵃. وقال ابن حزم: لا نعلم لهم مخالفًا من الصحابة.
وذهب أبو حنيفة ومالك وأصحابهما، والقسم الثاني من الشافعية، إلى عدم كراهة إِفراده بالصوم. وقد استدل الأحناف بحديث ابن مسعود الثامن. ونقل المُزَني عن الشافعي قوله إنه لا يُكره إلا لمن أضعفه صومه عن العبادة. وقال الداودي: لعل النهي ما بلغ مالكًا.
وذهب الجمهور إلى النهي، وإلى أن النهي للتنزيه، أي للكراهة. والصحيح هو قول الجمهور في هذه المسألة كما بيَّنَّا.