الفصل الحادي عشر
الاعتكافُ
تعريفُ الاعتكاف:
[ ٣٢٤ ]
الاعتكاف هو مِن عَكَفَ على الشيء إذا لزمه وحبس النفس عليه. وقد جاء ذِكْرُ الاعتكاف بهذا المعنى في عدد من آيات الله، قال تعالى ﴿وجاوزنا ببني إِسرائيلَ البحرَ فأَتَوْا على قومٍ يَعْكُفُون على أَصنامٍ لهم قالوا يا موسى اجْعَلْ لنا إِلهًا كما لَهُم آلهةٌ قال إِنَّكم قومٌ تجهلون﴾ الآية ١٣٨ من سورة الأعراف. وقال سبحانه ﴿قال فاْذَهَبْ فإِنَّ لك في الحياةِ أن تقولَ لا مِسَاسَ وإنَّ لك موْعِدًا لن تُخْلَفَهُ واْنظُرْ إلى إِلهِكَ الذي ظَلْتَ عليه عاكفًا لنُحَرِّقَنَّهُ ثم لَنَنْسِفَنَّهُ في اليمِّ نَسْفًا﴾ الآية ٩٧ من سورة طه. وقال ﷿ ﴿ولقد آتينا إِبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قبلُ وكنَّا به عالِمين؟ إذ قال لأبيهِ وقومِهِ ما هذهِ التماثيلُ التي أَنتم لها عاكِفونَ﴾ الآيتان ٥١ و٥٢ من سورة الأنبياء. وقال ﷻ ﴿هُمُ الذين كفروا وَصَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ والهَدْيَ مَعْكوفًا أنْ يَبلغَ مَحِلَّهُ ﴾ . من الآية ٢٥ من سورة الفتح. وهناك آياتٌ أُخرى ذكرت الاعتكاف، وكلها بمعنى واحد، وهو لزومُ الشيءِ وحبسُ النفسِ عليه. هذا هو معنى الاعتكاف في اللغة.
[ ٣٢٥ ]
وأما في الشرع، فيُعرَّف الاعتكاف بأنه اللَّبثُ في المسجد مُدَّةً على صفةٍ مخصوصةٍ مع نيَّة التَّقرُّب إلى الله سبحانه. وهو والجِوارُ أو المجاورة بمعنى واحد، فقد روى البخاري (٤٩٢٢) ومسلم وأحمد من طريق جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال ﴿جاورتُ بِحِراءَ، فلما قضيت جِواري هبطتُ ﴾ وروى البخاري (٢٠٢٠) من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في العشر الأواخر من رمضان، ويقول: تحرَّوْا ليلةَ القدر في العشر الأواخر من رمضان﴾ وروى مسلم (٢٧٧٠) من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ قوله ﴿كان رسول الله ﷺ يجاور في رمضان العشرَ التي في وسط الشَّهر ﴾ .
ولذلك فإنه ليس صحيحًا التفريق بين الاعتكاف والمجاورة أو الجوار كما روى عبد الرزاق (٨٠٠٣) عن عطاء – بن أبي رباح – قوله [إن الاعتكاف يكون في بطن المسجد أما الجوار فبباب المسجد أو في بطنه] فهو تفريقٌ ظاهرُ الخطأ وظاهرُ الضعف وحتى في معاجم اللغة جاء الجوار أو المجاورة بمعنى الاعتكاف ففي لسان العرب ومختار الصحاح والقاموس المحيط جاء فيها القول: المجاورة: الاعتكاف في المسجد.