الفصل السادس
الصيامُ المحرَّم الذي لا يجوز
صومُ يوم الشَّك:
[ ١٨٣ ]
ونعني به اليومَ المشكوكَ فيه هل هو آخر أيام شعبان، أم أول أيام رمضان؟ فنقول ما يلي: إذا هلَّت الليلة التي تتلو نهار التاسع والعشرين من شهر شعبان على غيوم أو ضباب أو غبار، من شأنها أن تحجب رؤية الهلال فإن الواجب على المسلمين آنذاك أن يُتمُّوا شعبان ثلاثين يومًا، ولا يصوموا ذلك اليوم المشكوك فيه احتياطًا لرمضان، ولا يصوموا رمضان إلا بعد رؤية هلاله، أما من كان صائمًا قبله، وأراد الاستمرار في الصوم فصامه على أنه من شعبان، فلا بأس به. قال الترمذي [والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجَّل الرجلُ بصيامٍ قبل دخول شهر رمضان لمعنى رمضان ] وقد عالجت النصوص الآتية هذه المسألة علاجًا واضحًا جليًا:
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ – أو قال أبو القاسم ﷺ – ﴿صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأَكملوا عِدَّة شعبان ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي. وفي رواية لمسلم (٢٥١٦) بلفظ ﴿ فإن غُمَّ عليكم، فاقدروا ثلاثين﴾ وفي رواية أخرى للبخاري (١٩٠٦) بلفظ ﴿ فإن غُمَّ عليكم فأَكملوا العدة ثلاثين﴾ من طريق ابن عمر ﵄. قول الحديث غُبِّيَ عليكم، وفي قراءةٍ غَبِيَ عليكم: يعني خفي عليكم، وهو مأخوذ من الغباء، وهو شبه الغبار في السماء. قاله صاحب لسان العرب.
[ ١٨٤ ]
٢- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم ﴿لا تَقَدَّموا الشهر بصيام يومٍ ولا يومين إلا أن يكون شيءٌ يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا والشهر تسع وعشرون﴾ رواه أبو داود (٢٣٢٧) والبيهقي. ورواه النَّسائي (٢١٢٩) وأحمد بن حنبل بلفظ ﴿صوموا لرؤيته وأَفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فأَكملوا العدة ولا تستقبلوا الشهر استقبالًا﴾ ورواه أبو داود الطيالسي (٢٦٧١) بلفظ ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه غمامة أو ضَبابة فأَكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصومِ يومٍ من شعبان﴾ .
٣- عن محمد بن كعب القُرَظي ﵁ قال ﴿دخلتُ على أنس بن مالك عند العصر يومَ يَشُكُّون فيه رمضانَ، وأنا أريد أن أُسَلِّم عليه، فدعا بطعام فأكل فقلت: هذا الذي تصنع سُنَّةٌ؟ قال: نعم﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٩٠٣٩) . قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
٤- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لا تَقَدَّموا رمضانَ بصوم يوم ولا يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فلْيصمه﴾ رواه مسلم (٢٥١٨) والبخاري والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي.
[ ١٨٥ ]
٥- عن صِلة بن زفر قال ﴿كنا عند عمَّار بن ياسر ﵁، فأمر بشاةٍ مَصْلِيَّةٍ فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال إني صائم، فقال عمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﵌﴾ رواه الحاكم (١/٤٢٤) وصححه هو والذهبي. ورواه الترمذي وقال [حديث حسن صحيح] ورواه النَّسائي وأبو داود وابن ماجة والدارمي وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي. ورواه الدارَقُطني وقال [إسناده حسن صحيح] قال ابن عبد البر: هذا مُسْنَدٌ عندهم مرفوع لا يختلفون في ذلك. وهو يعني أنه يأخذ حكم الرفع إلى رسول الله ﷺ بسبب قوله (فقد عصى أبا القاسم ﵌) وليس هو فهمًا لعمَّار ولا اجتهادًا منه.
الحديث الأول واضح الدلالة. والحديثان الثاني والرابع يدلاَّن إضافةً إلى ما يدل عليه الحديث الأول على أن الرجل إن كان يصوم من شعبان أيامًا واستمر صومه حتى أتى على آخره فلا بأس، لأنه يكون بصيامه هذا إنما صام أيامًا من شعبان، ولا يكون بذلك الصيام قد خالف معنى ومطلوبَ الأحاديث، فالأحاديث قد نهت عن صيام آخر شعبان استقبالًا لرمضان، بمعنى أنها نهت عن إلحاق آخر يوم من شعبان بشهر رمضان واحتسابه من رمضان احتياطًا، أما صيام أيام شعبان على أنها منه وكجزء من صيامه فلا شيء فيه. وأما الحديث الخامس فقد ذكر أن صوم يوم الشك - وهو آخر شعبان عند وجود ما يحول دون رؤية الهلال - حرامٌ لا يجوز، وبهذا القول ينتفي القول بالكراهة فقط. وعليه فإن صيام آخر شعبان وإِدخالَه في رمضان احتياطًا هو حرام، وليس مكروهًا فقط. وجاء الحديث الثالث يقرر أن الإفطار في يوم الشك هو السُنَّة المشروعة في الإسلام، بمعنى الطريقة والنهج.
[ ١٨٦ ]
أما ما رُوي عن عبد الله بن أبي موسى – وقيل عن عبد الله بن أبي قيس على الأصح – قال ﴿ وسألتها – أي عائشة ﵂ – عن اليوم الذي يُختلَفُ فيه من رمضان؟ فقالت: لأَن أصوم يومًا من شعبان، أحبُّ إليَّ من أن أُفطر يومًا من رمضان قال: فخرجت فسألت ابن عمر وأبا هريرة، فكلُّ واحد منهما قال: أزواج النبي ﷺ أعلم بذاك منا﴾ رواه أحمد (٢٥٤٥٨) وسعيد بن منصور والبيهقي. فهو اجتهاد منها ﵂ في مقابلة النصوص فلا يُؤخذ، ولا يصمد أمام أحاديثنا الزاجرة عن صوم آخر شعبان وإلحاقه برمضان.
وقد ذهب أبو حنيفة ومالك إلى تحريم صوم يوم الشك على أنه من رمضان، وإلى جوازه عما سوى ذلك. وهو الصحيح، وهو ما تدل عليه النصوص. وذهب جمهور العلماء والشافعي إلى المنع من صومه. وقال ابن عبد البَر: وممن رُوِي عنهم كراهةُ صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمَّار بن ياسر وعبد الله ابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك ﵃.
وقد رأينا أن عمَّار بن ياسر قد ذكر في الحديث الخامس ما يدل على التحريم، وليس على الكراهة فحسب. وأقول هنا إن عبارة [كره فلان] إذا وردت على ألسنة بعض الفقهاء فإنهم يعنون بها التحريم، وليس الكراهة بمعناها الاصطلاحي الدارج، فلينتبه القراء لهذه الملاحظة، وكمثال على ذلك أن الترمذي بعد أن روى حديث عمَّار (فقد عصى أبا القاسم) قال [والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم من التابعين. وبه يقول سفيان الثوري ومالك ابن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق كرهوا أن يصوم الرجل اليوم الذي يشك فيه ] فقال كرهوا، وهو يعني كراهة تحريم.