الفصل العاشر
قيامُ رمضان وليلة القدر
فضلُ قيام رمضان وليلة القدر:
ورد في فضل قيام رمضان عامةً وليلة القدر خاصةً عددٌ من الأحاديث النبوية الشريفة، أذكر منها ما يلي:
[ ٢٨٢ ]
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال ﴿مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه﴾ رواه البخاري (٣٧) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. ولفظ مسلم (١٧٨٠) والنَّسائي ﴿كان رسول الله ﷺ يُرغِّب في قيام رمضان مِن غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك﴾ وجاءت العبارة عند البخاري (٢٠٠٩) هكذا ﴿ والناس على ذلك﴾ .
٢- عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه - عبد الرحمن بن عوف – رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إن الله ﵎ فرض صيام رمضان عليكم وسننتُ لكم قيامَه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا خرج من ذنوبه كيومِ ولدته أمه﴾ رواه النَّسائي (٢٢١٠) وابن ماجة وأحمد.
٣- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال ﴿مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه﴾ رواه البخاري (٢٠١٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والدارمي وابن حِبَّان.
٤- عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿دخل رمضان، فقال رسول الله ﷺ: إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، مَن حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كلَّه، ولا يُحْرَم خيرَها إلا محرومٌ﴾ رواه ابن ماجة (١٦٤٤) . ورواه أحمد والنَّسائي من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
[ ٢٨٣ ]
قوله في الحديثين الأول والثاني (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه) هو بيانٌ لفضل قيام رمضان، وهل هناك ما هو أفضل للمسلم من غفران الذنوب؟ إن ابن آدم خطَّاء وإن ذنوبه لتوبِقُهُ وتدخلُه النار، فكان هو في أمسِّ الحاجة لمكفِّرات الذنوب وغفرانها حتى ينجو من النار ويدخل الجنة فكان أن أنعم الله سبحانه عليه بقيام رمضان ليغفر له ذنوبه ويكفِّرها ويغسله من الأوضار، ويجعله من أهل الجنة
وقد جاء قول الحديثين (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له) بتقييد قيام رمضان بالإيمان والاحتساب ولم يجيء الأمرُ بالقيامُ مطلقًا، ليُعلِم القائمين أنه لا يكفي أن يقوموا الشهر المبارك رياءً وسمعةً، أو أنْ يقوموه وظيفةً كحالِ كثير من الأئمة اليوم الذين يؤُمُّون الناس ابتغاءَ الرواتبِ والمصالح، أو أنْ يقوموه قيامًا صُوريًا بأداء الصلوات نقرًا كنقر الديك ينتظرون اللحظة التي يفرغون فيها من صلواتهم. نعم لا ينتظر هؤلاء وأمثالهم غفرانَ ذنوبِهم، ولا يظنُّ هؤلاء وأمثالُهم أنَّ القول النبوي ينطبق عليهم، فقيام رمضان كصيامه يجب أن يكون (إيمانًا واحتسابًا) أي يدفعهم إيمانهم للقيام به برغبةٍ وصدقٍ وإخلاصٍ، ويدَّخرون ذلك ليوم الحساب، محتسبين راغبين في قبوله من العلي العظيم، فليتنبه القائمون لهذه النقطة فإنها حاسمة.
وقد خصَّ الله سبحانه رمضان ولياليَه بليلة القدر، وهي أشرف ليلة في العام، فكان اختصاص رمضان ولياليه بها فضلًا عظيمًا فوق فضل عظيم، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة اخترنا منها الحديثين الثالث والرابع كنموذجَين لفضل قيامها ولخيرها، كي يزيد المسلمون فيها من صلواتهم ودعائهم وصدقاتهم وصنوف الخير المختلفة، فهي خير من ألف شهر، وقد نزل فيها عددٌ من آيات الله البينات:
[ ٢٨٤ ]
١- قال تعالى ﴿حم O والكتابِ المُبينِ O إِنَّا أنَزلناه في ليلةٍ مُبارَكةٍ إنَّا كنا مُنْذِرِين O فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ عظيمٍ O أَمْرًا من عندِنا إِنَّا كنا مُرسِلين O رحمةً من ربِّك إنه هو السميعُ العليمُ O﴾ الآيات الستُّ الأولى من سورة الدخان.
٢- وقال سبحانه ﴿إِنَّا أَنْزلناه في ليلةِ القَدْرِ O وما أَدراكَ ما ليلةُ القَدْرِ O ليلةُ القَدْر خيرٌ من أَلْفِ شهرٍ O تَنَزَّلُ الملائكةُ والروحُ فيها بإِذنِ ربِّهم من كلِّ أمرٍ O سلامٌ هي حتى مطلعِ الفجرِ O﴾ الآياتُ الخمسُ الأولى من سورة القَدْر.
في الآية الرابعة من سورة الدخان قوله سبحانه ﴿فيها يُفْرَقُ كلُّ أمرٍ حكيمٍ﴾ أي أن كل أمرٍ مُحْكَمٍ عظيمٍ يُقضَى ويقرَّر في ليلة القدر من العام إلى العام الذي يليه، فهي ليلة تقدير الأمور عند ربنا ﷿، وهذا لا شك فيه فضلٌ أعلى ومنزلةٌ عليا لليلة القدر.
أما في سورة القدر ففضل ليلة القدر بارز واضح كل الوضوح في كل آية منها ففي الآية الأولى بيان أن القرآن قد أنزله الله فيها، وفي الآية الثانية التنبيه إلى فضلها، وفي الآية الثالثة أنها خير من ألف شهر، وحيث أنَّ الشهر ثلاثون يومًا فهي إِذن خيرٌ من ثلاثين ألف يومٍ ليس فيها ليلة القدر، وفي الآية الرابعة بيان تنزُّلِ الملائكةِ وجبريل فيها من كل أمرٍ أبرمه الله وقضاه، وفي الآية الأخيرة بيان أنها سلام، أي سلام من الشرور حتى الصباح. ولهذا جاء في الحديث الرابع (من حُرِمَها فقد حُرِمَ الخيرَ كله، ولا يُحْرَمُ خيرَهَا إلا محرومٌ) اللهم لا تحرمناها ما دمنا أحياءً، وآتنا بفضلك خيرَها يا رب العالمين، آمين.
وقد روى أحمد (٢٥٨٩٨) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة عن عائشة ﵂ قالت ﴿يا نبي الله إنْ وافقتُ ليلةَ القدر ما أقول؟ قال: تقولين: اللهم إنك عفوٌّ تحب العفو فاعف عني﴾ قال الترمذي [هذا حديث حسن صحيح] .
[ ٢٨٥ ]