ذهب عبد الله بن عمر وجابر بن زيد من الصحابة، ومالك والليث وابن أبي ذئب إلى أنه لا بُدَّ من تبييت نيةِ الصيام وإيقاعِها في الليل في أي جزء منه، لا فرق في الصيام بين الواجب منه والمندوب، أي لا فرق بين صيام رمضان وصيام النذر وصيام الكفارات الواجب، وبين صيام التطوُّع المندوب. وذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى وجوب تبييت النية في الليل لصيام الفرض دون صيام التطوُّع، قائلين إنه لا يجب تبييت النية في صيام التطوُّع.
[ ٢٣ ]
وهل تجب النية في رمضان لكل يوم كما يقول الجمهور، أم أن الصائم تُجزِئهُ نيةٌ واحدةٌ لجميع الشهر، كما يقول مالك وأحمد وإسحق؟ وهل يصح الصيام في رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية كما يقول زُفر من الأحناف وعطاء ومجاهد والزُّهري؟ وإذا جازت النية في النهار في صيام التطوُّع، كما يقول ابن عباس وابن مسعود وحذيفة وأبو هريرة وأبو الدرداء وأبو طلحة وأبو أيوب رضي الله تعالى عنهم، وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، فهل تجب النية قبل الزوال – أي قبل الظهيرة – ولا تجزئ بعدها كما يُروى ذلك عن علي بن أبي طالب ﵁ وعن أبي حنيفة وعن الشافعي في قولٍ له؟ أم تصحُّ النية قبل الظهر وبعده، كما يقول ابن عباس وعائشة وحذيفة ﵃، وأحمد والشافعي في القول الآخر؟
وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسائل دعونا نستعرض هذه النصوص:
١- عن حفصة ﵂ زوجِ النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال ﴿من لم يُجْمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له﴾ رواه ابن خُزيمة (١٩٣٣) وأضاف [وأخبرني ابن عبد الحكم أن ابن وهب أخبرهم بمثله سواء، وزاد قال: وقال لي مالك والليث بمثله] ورواه أيضًا أحمد وابن حِبَّان والحاكم وابن حزم وصححوه هكذا، أي مرفوعًا. في حين أن النَّسائي والترمذي صحَّحا وقفه على حفصة. وذكر أبو داود بعد أن رواه مرفوعًا أن مَعْمَرَ والزُّبيدي وابن عُيينة ويونس الأَيلي وقفوه على حفصة أيضًا. ورواه ابن ماجة والدارمي مرفوعًا فقط. فهذا الحديث مختلَف فيه، منهم من صحَّح رفعه، ومنهم من صحَّح وقفه على حفصة.
[ ٢٤ ]
٢- عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت ﴿دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: هل عندكم شيءٌ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا: يا رسول الله أُهدي لنا حَيْسٌ، فقال: أرينيه، فلقد أصبحتُ صائمًا، فأكل﴾ رواه مسلم (٢٧١٥) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. والحَيْس: هو طعامٌ من سمن وأَقِط، أي جميد، وتمر، وقد يُجعل الدقيق بدل الأقِطِ. ووقع عند النَّسائي (٢٣٣٠) أيضًا، والبيهقي والدارَقُطني بسند صحَّحه البيهقي، بلفظ ﴿عن عائشة أم المؤمنين قالت: جاء رسول الله ﷺ يومًا فقال: هل عندكم من طعام؟ قلت: لا، قال: إذن أصوم، قالت: ودخل عليَّ مرة أخرى، فقلت: يا رسول الله قد أُهدي لنا حَيْسٌ، فقال: إذن أُفطِر وقد فرضتُ الصوم﴾ .
٣- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال ﴿الصائم بالخيار ما بينه وبين نصف النهار﴾ رواه البيهقي (٤/٢٧٧) . وروى مثله من طريق أبي أُمامة ﵁.
٤- عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ﴿أنه كان يصبح حتى يُظهر، ثم يقول: والله لقد أصبحتُ وما أريد الصوم، وما أكلتُ من طعامٍ ولا شرابٍ منذ اليوم، ولأصومنَّ يومي هذا﴾ رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢ /٥٦) .
٥- عن أبي الأحوص عن عبد الله – بن مسعود – ﵁ قال ﴿متى أصبحتَ يومًا فأنتَ على أحد النظرين ما لم تَطْعَمْ أو تشربْ إن شئت فصم وإن شئت فأَفطر﴾ رواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢/٥٦) وروى البيهقي مثله (٤/٢٧٧) .
٦- عن أبي عبد الرحمن ﴿أن حذيفة بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس فصام﴾ رواه الطحاوي في كتاب شرح معاني الآثار (٢/٥٦) وابن أبي شيبة والبيهقي. وروى عبد الرزاق (٧٧٨٠) عن سعد بن عبيدة قال ﴿قال حذيفة: من بدا له الصيام بعد ما تزول الشمس فليصم﴾ .
[ ٢٥ ]
الحديث الثالث من طريق أنس رضي الله تعالى عنه فيه عون بن عمارة العنبري وكذلك رواية أبي أُمامة رضي الله تعالى عنه تفرَّد بها عون هذا وهو ضعيف كما ذكر البيهقي نفسه، فيرد الحديث بروايتيه. والحديث الأول رُوي عن أُم المؤمنين حفصة، مرفوعًا وموقوفًا، وقد صحَّح المرفوع ناسٌ وصحَّح الموقوف ناس آخرون فأقول: إن الزيادة من الثقات مقبولة، والزيادة هنا رفعُ الحديث إلى الرسول ﵊ وقد صحَّت عند عدد من المحدِّثين. وهذا الحديث واضح الدلالة على وجوب تبييت النية قبل الفجر، أي في الليل، وقد جاء اللفظ عامًا في الصيام، فيُعمَل به على عمومه إلا أن تَرِدَ أحاديثُ تخصِّصه فيُحمَل عليها وقد جاء الحديثان المرويان عن عائشة ﵂ في البند ٢ يذكران أن الرسول ﷺ قد نوى الصيام في النهار عندما لم يجد طعامًا عندها، وأنه عندما وجد طعامًا مرة أخرى، وكان صائمًا، أفطر وأكل من الطعام، ليدل كلُّ ذلك على جواز النية في النهار لصوم التطوُّع، لأن واقع الحديثين أنه في التطوُّع، فكان هذان الحديثان صالحيَن لصرف حديث حفصة إلى صيام الفريضة.
وعليه فإِنَّا نقول إِنه لا بد لصيام الفرض من نيَّة مبيَّتة في الليل، ونقول إنه يجوز عقدُ النية في النهار لصيام التطوع. وبهذا يُرَدُّ القول الأول المروي عن عبد الله بن عمر وجابر ومالك والليث وابن أبي ذئب بأن المندوب يحتاج أيضًا إلى تبييت النية من الليل إذ أن حديث عائشة ردٌّ على هؤلاء، ويثبت في المقابل قولُ أبي حنيفة والشافعي وأحمد بوجوب تبييت النية في الليل لصيام الفرض فقط دون صيام التطوُّع.
[ ٢٦ ]
بقيت الآثار ذوات الأرقام (٤، ٥، ٦) فأقول ما يلي: إِن هذه أقوالُ صحابة، وأقوال الصحابة وأفعالهم ليست أدلةً وليست حُجةً، وإنما هي أحكام شرعية يصح تبنِّيها وتقليدُها، لا سيما إذا لم يكن قد رُوي ما يعارضها عن صحابة آخرين، وهنا لا أعلم أثرًا واحدًا رُوي يخالفها. الأثر الأول يقول إنَّ ابن عباس قد قرَّر الصيام في النهار دون أن يكون قد نواه من قبلُ ولكنه لم يكن قد تناول طعامًا في يومه ذاك. والأثر الثاني عن ابن مسعود يقول بقول ابن عباس، وإن اختلفت العبارتان، فهو يبين جواز عقد نية الصيام في النهار إن كان لم يأكل أو لم يشرب بعد. والأثر الثالث يذكر أن حُذَيفة صام بعد زوال الشمس من نهاره أي أنه عقد نية الصيام بعد الظهيرة وأعلن ذلك للناس. فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة يجيزون عقد نية الصيام في النهار، وقيَّده اثنان منهم بأن لا يكون الشخص آنذاك قد أكل أو شرب، وذكر حذيفة جواز عقد النية بعد الظهيرة، وهذه الآثار ردٌّ على من أوجب عقد النية قبل الظهيرة ولم يُجزها بعد الظهيرة. أما فعل حذيفة وقوله فواضحان، وأما أثرا ابن عباس وابن مسعود فقد وردا مطلقَيْن من أي تقييد زمني، ولم يكن فيهما من تقييدٍ سوى عدم الأكل قبل النية والمطلق يُعمل به على إطلاقه ما لم يُقيَّد، وهنا لا يوجد تقييد. ثم إن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قد خلا بروايتيه أيضًا من أي تقييدٍ زمني، فقوله في الرواية الأولى (دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم) وقوله في الرواية الثانية (جاء رسول الله ﷺ يومًا) دون أن يَرِدَ في هاتين الروايتين إن كان ذلك قد وقع في أول النهار أو في وسطه أو في آخره، والمطلق يبقى على إطلاقه هنا.
[ ٢٧ ]
وعليه فإني أقول إن عقد نية صيام التطوُّع يصح في النهار، في أي جزء منه، ولو كان ذلك قبل الغروب بساعة لأنه لا يصح تقييده إلا بدليل صحيح صالح ولا دليل هنا. وبذلك يظهر خطأ الذين أوجبوا عقد النية قبل الظهيرة فقط ويظهر صواب رأي القائلين بجواز عقد النية قبل الظهيرة وبعدها، وهم عبد الله بن عباس وعائشة وحذيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه.
أما مسألة: هل تجب النية في رمضان لكل يومٍ أم أن الصائم تُجْزِئه نيةٌ واحدة لجميع الشهر؟ فالصحيح هو أن النية تجب في رمضان لكل يوم وليس صحيحًا أن نيةً واحدةً تُجزئُ لجميع الشهر، وذلك لأن صوم كل يوم هو عبادة مستقلة عما قبلها، وعما بعدها، يفصل بين الصوم والآخر إفطارٌ في الليل، وما دام صوم كل يوم عبادة مستقلة فإنه لا بد له من نية حتى يصحَّ، وهذا الفهم هو من باب تحقيق المناط.
بقي قول زُفَر وعطاء ومجاهد والزُّهري: إن الصيام يصح في رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نيَّة. وقد قرأت رأي زُفَر في كتاب شرح فتح القدير لابن الهمام الحنفي هكذا [يتأدَّى صومُ رمضان بدون النية في حق الصحيح المقيم، لأن الإمساك مستحق عليه، فعلى أي وجه يؤديه يقع منه] وغفر الله لزُفَر ولمن قال بقوله، وكأنهم لا يعلمون أن العبادات كلها تحتاج إلى نية؟ ألم يسمعوا قوله ﵊ كما رواه عمر رضي الله تعالى عنه ﴿إنما الأعمال بالنيَّة ﴾ رواه البخاري (٦٦٨٩) ومسلم؟ . وفي رواية أخرى له (١) بلفظ ﴿إنما الأعمال بالنيَّات ﴾؟ فكيف يقول: على أي وجه يُؤدِّيه يقع منه؟ بمعنى أنه لو أمسك عن الطعام ذلك اليوم بنيَّة تنحيف جسمه مثلًا فإن صيامه يكون عبادة صحيحة؟ إن هذا الرأي ليبلغ من الضعف درجة لا يحتاج معها إلى وقفة أطول.