ذهب أبو حنيفة إلى أن الصائم تطوُّعًا يلزمه إِتمام صومه وعدم قطعه إلا لعذر، فإن قَطَع صيامَه لعذر لزمه القضاء ولا إثم عليه، وإن قطعه لغير عذر لزمه أيضًا القضاء وعليه الإثم. وقد حكى الترمذي عن ناسٍ من أصحاب رسول الله ﷺ أنهم رأوا وجوب القضاء إذا أفطر، وهو قول مالك بن أنس. ورُويت عن مالك روايةٌ أخرى: أن لا قضاء عليه إذا كان الإفطار لعذر.
وذهب سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهُويه والجمهور إلى جواز الإفطار، لا سيما إذا كان قد دُعي إلى طعام، وإلى استحباب القضاء، وقد رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وجابر بن زيد ﵃ وعن الصحابة أجمعين.
وقد استدل القائلون بوجوب القضاء بما يلي:
[ ١٢٠ ]
أ - عن عائشة ﵂ قالت ﴿كنت أنا وحفصة صائمتين، فعُرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فجاء النبي ﷺ، فبدرتني إليه حفصة، وكانت ابنةَ أبيها، قالت: يا رسول الله إنا كنا صائمتين اليوم، فعُرض لنا طعامٌ اشتهيناه فأكلنا منه، فقال: اقضيا يومًا آخر﴾ رواه أحمد (٢٦٧٩٧) وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك والطحاوي. ورواه ابن حِبَّان (٣٥١٧) بلفظ ﴿ أصبحتُ أنا وحفصة صائمتين متطوِّعتين، فأُهدي لنا طعامٌ فأفطرنا، فقال رسول الله ﷺ: صوما مكانه يومًا آخر﴾ وفي رواية ثانية لأحمد (٢٥٦٠٧) بلفظ ﴿ فقال: أَبدلا يومًا مكانه﴾ .
ب - عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال ﴿صنعتُ لرسول الله ﷺ طعامًا، فأتاني هو وأصحابُه، فلما وُضع الطعام قال رجل من القوم: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ: دعاكم أخوكم وتكلَّف لكم، ثم قال له: أَفطرْ، وصُم مكانه يومًا إن شئت﴾ رواه البيهقي (٤/٢٧٩) والطبراني في المعجم الأوسط والدارَقُطني وأبو داود الطيالسي بسند حسَّنه ابن حجر.
ج - قال ﷾ ﴿يا أيها الذين آمنوا أَطيعوا اللهَ وأَطيعوا الرَّسولَ ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم﴾ الآية ٣٣ من سورة محمد.
أما القائلون باستحباب القضاء وعدم وجوبه فقد استدلوا بما يلي:
[ ١٢١ ]
أ - عن أم هانئ ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ شرب شرابًا، فناولها لتشرب، فقالت: إني صائمة، ولكن كرهتُ أن أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فقال، يعني إن كان قضاءً من رمضان فاقضي يومًا مكانه، وإن كان تطوُّعًا فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي﴾ رواه أحمد (٢٧٤٤٩) والدارمي والنَّسائي والترمذي والبيهقي والدارَقُطني. قال الترمذي [حديث أم هانئ في إسناده مقال] وفي رواية ثانية للترمذي (٧٢٨) بلفظ ﴿ فقال رسول الله ﷺ: الصائمُ المتطوِّع أمينُ نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر﴾ .
ب - حديث أبي سعيد الوارد في بند ب من أدلة القائلين بوجوب القضاء وفيه (أَفْطِر وصُمْ مكانه يومًا إن شئت) .
بالنظر في هذه النصوص نجد ما يلي: إن حديث عائشة الذي رواه الإمامُ أحمد وغيره وفيه (اقضيا يومًا آخر) ضعَّفه البخاري والنَّسائي وأحمد وضعَّفه الخلاَّل وقال: توارَد الحُفَّاظُ على الحكم بضعف حديث عائشة هذا. وقال الترمذي [ رُوي عن ابن جُرَيج قال: سألتُ الزُّهري فقلت: أَحدَّثك عروةُ عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة شيئًا، ولكن سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من ناسٍ عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث] فالحديث منقطعٌ فلا يصلح للاحتجاج فيترك.
وأما حديث أم هانئ الذي رواه أحمد وغيره وفيه (وإن كان تطوعًا فإن شئتِ فاقضي، وإن شئتِ فلا تقضي) فضعيفٌ هو الآخر ولا يصلح للاحتجاج، وذلك أنَّ فيه سِماكَ بن حرب، وهو ضعيف عنه المحدِّثين، إِضافةً إلى أن فيه مجهولًا هو الراوي عن أم هانئ، فمرة يقال هرون بن ابن أم هانئ، ومرة يقال هرون بن بنت أم هانئ، وهرون مجهول. قال يحيى بن القطان: لا يُعرَف. وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: مجهول. فيُطرح هذا الحديث.
[ ١٢٢ ]
وأما الآية الكريمة ﴿ ولا تُبْطِلوا أَعمالَكم﴾ فهي عامة لم تَرِد في موضوع الصوم، والعام يُعمل به ما لم يرد ما يخصِّصه فيُحْمَل العام على الخاص، وفي مسألتنا هذه جاء الإذن للصائم المتطوع أن يفطركما ورد في حديث أبي سعيد، بل وفي العديد من الأحاديث الصحيحة، وهي خاصة بالصوم فيُعمل بها وتُحمَل الآيةُ عليها. ولست في حاجة لإِيراد هذه الأحاديث كلها وحسبي أن أذكر حديثًا صحيحًا واحدًا، هو ما رُوي عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت ﴿دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم، فقال: هل عندكم شيءٌ؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم، ثم أتانا يومًا آخر فقلنا: يا رسول الله أُهديَ لنا حَيْسٌ، فقال أرينيه فلقد أصبحت صائمًا فأكل﴾ رواه مسلم (٢٧١٥) وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة. والحَيْس هو طعام من سمن ولبن جامد وتمر.
وإذن فإن جواز قطع صيام التطوع جاءت أحادث كثيرة به، وجاءت به دون إيراد أي عذر، فلا يحلُّ لأحدٍ وَقَف على هذه الأحاديث أن يحرِّم قطع صيام التطوع، أو أن يقيِّده بعذر. فقول أبي حنيفة [الصائم تطوُّعًا يلزمه إِتمام صومه وعدمُ قطعه إلا لعذر] هو قول خطأ تدحضه النصوص الصحيحة.
[ ١٢٣ ]
أما قضاء ما قُطع من صوم التطوع فهو غير واجب ولا يوجد نصٌّ صحيح أو حسن يأمر به على سبيل الإِلزام، فيبقى حكمه حكم صيام التطوُّع ابتداءً، دون أي فارق بينهما. فكما أن صيام التطوع مندوب، فإِنَّ قضاءَ هذا الصيام يأخذ حكمَه، وهو الندب، فقول رسول الله ﷺ في حديث أبي سعيد (أَفطر وصُم مكانه يومًا إن شئت) يدل على جواز الإفطار وعلى القضاء المعلَّق بالمشيئة، ولا يدل كلاهما على الفرض والإِلزام. وعليه فإن قول مالك في الرواية الأخرى [أنْ لا قضاء عليه إذا كان الإفطار لعذر] لا مسوِّغ له ولا دليل عليه. وبذلك يبقى قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد ومن قال بقولهم، مِن أن قطع صيامِ التطوع جائزٌ ومِن استحباب القضاء، هو القول الصحيح الذي تدل عليه النصوص.