لا يجوز لصائم أن يجامع زوجته إلا في الليل بعد أن يفطر، فإِنْ واقَعَ زوجته وهو صائم فقد أفطر، ووجب عليه عندئذٍ أن يُعْتق رقبة، أي يُحرِّر عبدًا من الرِّقِّ، فإن لم يجد رقبة يعتقها، كما هو حاصل في أيامنا هذه، فقد توجَّب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يكن في استطاعته صوم الشهرين لمرضٍ أو عجزٍ أطعم ستين مسكينًا، والأدلة على ذلك ما يلي:
١- عن أبي هريرة ﵁ ﴿أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: ويحَك، قال: وقعتُ علي أهلي في رمضان، قال اعتقْ رقبةً، قال: ما أَجدُها، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: فأَطعمْ ستين مسكينًا، قال: ما أَجد، فأُتي بعَرَقٍ فقال: خذه فتصدَّق به، فقال: يا رسول الله أَعَلى غيرِ أهلي؟ فوالذي نفسي بيده ما بين طُنُبَيِ المدينةِ أحوجُ مني، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، قال: خذه﴾ رواه البخاري (٦١٦٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي. قوله ما بين طُنُبي المدينة: أي ما بين طرفي المدينة. والعَرَق، وهو الزِّنْبيل، يساوي خمسةَ عشرَ صاعًا.
[ ٢١٥ ]
٢- وعنه ﵁ ﴿أن النبي ﷺ أمر رجلًا أفطر في رمضان أن يُعتق رقبة، أو يصوم شهرين، أو يُطعم ستين مسكينًا﴾ رواه مسلم (٢٥٩٩) وأبو داود وأحمد ومالك والبيهقي.
الحديث الثاني جاء عامًا (رجلًا أفطر في رمضان) وجاء الحديث الأول خاصًا بمن أفطر بالجماع، فيُحمل العام وهو الحديث الثاني على الخاص وهو الحديث الأول، فنقول إِنَّ من أفطر بالجماع في رمضان، فقد وجب عليه أن يصوم شهرين متتابعين، طبعًا إن كان في استطاعته ذلك وإلا سقط عنه الصوم وانتقل إلى إِطعام ستين مسكينًا.
أما كيفية صيام الشهرين، فإن الأحاديث اشترطت التتابع (شهرين متتابعين) وهو ما ذهب إليه الفقهاء والعلماء كافةً، إلا ما رُوي عن ابن أبي ليلى ورواية ضعيفة عن مالك، فقد قالا بجواز التفريق. واشترط جمهور الفقهاء أن لا يكون رمضان أحد الشهرين، وأن لا يكون فيهما أيامُ نهيٍ عن الصوم،كالعيدين وأيام التشريق. وذهب الأحناف والشافعية إلى أن التتابع ينقطع ولو أفطر لعذرٍ إلا الحيض والنفاس، فإنهما لا يقطعان التتابع. وذهبت المالكية إلى أن التتابع ينقطع إذا أفطر عامدًا قبل اكتمال الشهرين. فأقول ما يلي:
[ ٢١٦ ]
أما قول ابن أبي ليلى فهو قولٌ شاذ لا يُلتفت إليه ولا يحلُّ العمل به لأنه معارِض ومعانِد للأحاديث القائلة بالتتابع. أما قول الجمهور أن لا يكون رمضان أحد الشهرين فظاهر الصحة، بل هو أمر بديهي. وأما قولهم أن لا يكون فيهما أيامُ نهي، وقول الأحناف والشافعية إن التتابع ينقطع ولو أفطر لعذر إلا الحيض والنفاس، فليس دقيقًا وليس صحيحًا كله. أما أنه ليس صحيحًا كله، فإن قول الجمهور أَنْ لا يكون فيهما أيام نهي غير صحيح، وأما قول الأحناف والشافعية إن التتابع ينقطع ولو أفطر لعذر إلا الحيض والنفاس فإنه ليس دقيقًا، وذلك أن الشرع الحنيف لم يُحدِّد أشهرًا للصوم، وذلك يعني أن أي شهرين متتابعين من الأشهر الأحد عشر، باستثناء رمضان طبعًا، يصلحان للصوم ككفَّارة، فمن حظر الصوم في شهر ذي الحجة فليس له دليل، ومن حظر الصوم في شهر شوال فليس له دليل، ثم إن التتابع لا ينقطع حكمًا إن تخلله عذر مانع من الصوم، فالحيض عذر والنفاس عذر، والتوقف عن صوم يومي العيدين وأيام التشريق عذر والمرض الذي يعجز صاحبه عن الصوم عذر وليس عُذر من هذه الأعذار بأقل من غيره حتى نفرِّق بينها، فهذه الأعذار لا تلغي التتابع إن هي وُجدت في خلال الشهرين، وإنما يبقى التتابع قائمًا ومُجْزِئًا.
أما عذر السفر خاصَّةً، فهو عذر دون تلك الأعذار، ومثله عذر المرض الذي لا يُعجِز صاحبَه عن الصوم، فهذا العذر أراه يقطع التتابع لأن الله سبحانه أجاز الصوم في السفر ولم يجعل السفر مانعًا من الصوم، كما هو الحال في أعذار العيدين والحيض والنفاس والعجز. فلهذا أقول إنه لا يجوز قطع التتابع بالإِفطار لعذر السفر، بل يجب على الصائم أن يتابع صومه وهو مسافر في هذه الحالة.
[ ٢١٧ ]
بقيت مسألة من جامع زوجته في رمضان أكثر من مرَّة كيف تكون الكفَّارة؟ فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن من جامع زوجته مرتين، أو أكثر في يوم واحد لزمته كفَّارةٌ واحدةٌ بالجماع الأول، سواء أكان كفَّر عن الأول أم لا. وقال أحمد: إن كان الوطءُ الثاني بعد تكفيره عن الأول لزمته كفَّارة ثانية، لأنه وطء محرَّم فأشبه الأول. وهذا بخصوص الوطء مرتين أو أكثر في يومٍ واحد.
أما إن كان الوطء في يومين أو أيام من رمضان، فذهب أبو حنيفة والزُّهري والأوزاعي إلى أنَّ الرجل إن وطِيء في اليوم الثاني قبل أن يكفِّر عن اليوم الأول كفته كفَّارة واحدة، وإن هو كفِّر عن اليوم الأول فعن أبي حنيفة روايتان. وذهب مالك والشافعي والليث وعطاء ومكحول وابن المنذر وأحمد في أصح الروايتين عنه، وداود ابن علي إلى وجوب كفَّارة لكل يوم، سواء كفَّر عن اليوم الأول أو لم يكفِّر. فأقول ما يلي:
[ ٢١٨ ]
أما تكرار الجماع في اليوم الواحد فإن كفَّارة واحدة تكفي له، وهي واجبة بالجماع الأول، ولا تجب الكفَّارة عما بعد الجماع الأول، وذلك أن الكفَّارة تجب على من أفطر بالجماع وخرق حرمة الصيام بجماعه، وقد حصل ذلك بالجماع الأول فلا يحتاج معه إلى أداء كفَّارة أخرى عند جماعٍ ثان، لأنه يكون في الجماع الثاني قد جامع وهو مفطر، فقول أبي حنيفة ومالك والشافعي هو قول صحيح. وأما إن هو جامع في يوم فأفطر ولزمته كفَّارة، ثم جامع في يومٍ ثان فإنه يُفطر ثانيةً، فتلزمه من ثمَّ كفَّارةٌ جديدة، فإن تكرر منه الجماع في أيام فقد لزمته كفَّارة عن كل يوم جامع فيه ولا تُدمَج هذه الكفَّارات في كفَّارة واحدة، وذلك أن صوم كل يوم من رمضان عبادة مستقلة قائمة بنفسها، فما يُفسِد صومَ يومٍ لا يُفسِد صومَ يومٍ آخر، ولو كانت أيام رمضان كلها عبادة واحدة لأدَّى إِفسادُ صوم يومٍ واحد إلى إِفساد صوم الشهر كلِّه، وهذا لا يقوله أحد. وحيث أن صوم كل يوم عبادة مستقلة عن غيرها فإن إِفساد كلِّ عبادة من هذه العبادات ينسحب عليها وحدها ولا يشمل غيرها، فمن جامع في يوم فقد أفسد صيام ذلك اليوم فاحتاج إلى كفَّارة، وبقي صيام الأيام الأخرى غير فاسد، فإن عاد وأفسد صيام يوم آخر منها فقد احتاج إلى كفَّارة جديدة ولا بد، دون نظر إن كان قد كفَّر عن اليوم السابق أو لم يكفِّر، فقول مالك والشافعي وأحمد هو القول الصحيح في هذه المسألة.
وهذه الكفَّارة لا تجب إلا في خرق صوم رمضان فحسب، فلا تجب في خرق صوم النذر أو صوم القضاء أو صوم التطوُّع. وهو قول جمهور العلماء وهو الصحيح، خلافًا لقتادة الذي يوجب الكفَّارة في إفساد قضاء رمضان.
صيامُ عشرة أيام:
[ ٢١٩ ]
وهو صيام الحاج المتمتِّع إذا لم يجد الهَدْيَ، أي الذبيحةَ. ولبيان ذلك أقول ما يلي: إنَّ الحج ثلاثة أنواع: حجُّ الإِفراد، وهو أن ينوي الحاجُّ الحجَ فحسب، فلا يُدْخِل فيه العمرة، وحج القِران، وهو أن ينوي الحاجُّ الحجَ والعمرةَ معًا أي مقترنَيْن، وحج التمتُّع، وهو أن ينوي الحاج العمرة أولًا، وبعد أن يؤديها يُحلُّ إحرامَه وينتظر يوم عرفة أو يوم التَّرْوِية قبله فيُحرم ناويًا الحج وحده. فهذا الحاج المتمتِّع يجب عليه أن يذبح الهَدْيَ، فإن لم يجد الهَدْيَ فعلًا، أو وجده ولكنه لا يملك ثمنه، فقد وجب عليه أن يصوم عشرة أيام: ثلاثةً في أيام الحج وسبعةً إذا عاد إلى بلده وأهله، والدليل على ذلك ما يلي:
١- قال تعالى ﴿وأَتمُّوا الحَجَّ والعُمْرةَ للهِ فإِنْ أُحْصِرْتم فما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْي ولا تحلِقوا رُؤوسَكم حتى يبلغُ الهَدْيُ مَحِلَّه فمَنْ كان منكم مريضًا أو به أَذىً من رأْسِهِ ففِدْيةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ فإِذا أَمِنْتم فمن تمتَّعَ بالعُمْرةِ إلى الحجِّ فما اسْتيْسَرَ من الهَدْي فمن لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِ وسبعةٍ إذا رَجَعْتم تلك عَشَرَةٌ كاملةٌ ذلك لمن لم يكن أَهلُهُ حاضِري المسجدِ الحرامِ واتقوا اللهَ واعلموا أنَّ اللهَ شديدُ العقابِ﴾ الآية ١٩٦ من سورة البقرة. والهَدْي والنُّسُك هنا هو ذبح شاة.
٢- عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ﴿تمتَّع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج – فذكر الحديث بطوله إلى أن قال – إن النبي ﷺ قال: فمن لم يجد هَدْيًا فلْيصمْ ثلاثةَ أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله ﴾ رواه البخاري (١٦٩١) ومسلم. وقد مرَّ مزيدُ بحثٍ في هذه المسألة في موضوع [صوم أيام التشريق] من الفصل [الصيام المحرَّم الذي لا يجوز] .
صيامُ ثلاثة أيام:
[ ٢٢٠ ]