ذهب طاووس والحسن البصري والزُّهري وقتادة وأبو ثور وابن حزم والنووي إلى استحباب صيام ولي الميت عن الميت. وحصره الليث بن سعد وإسحق وأبو عبيد في صوم النذر دون غيره. وذهب أبو حنيفة ومالك والجمهور إلى أنه لا يُصام عن ميت لا نذرًا ولا غيره، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وعائشة ﵃، ورواية عن الحسن والزُّهري.
قال النووي: اختلف العلماء فيمن مات وعليه صومٌ واجب من رمضان، أو قضاءٌ أو نذرٌ أو غيرُه هل يُقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران أشهرهما لا يُصام عنه، ولا يصح من ميت صومٌ أصلًا. والثاني يُستحَبُّ لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إِطعام عنه. وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث إلخ.
[ ١٢٤ ]
وقال الترمذي: [اختلف أهل العلم في هذا فقال بعضهم يُصام عن الميت وبه يقول أحمد وإسحق، قالا: إذا كان على الميت نذرُ صيامٍ يُصام عنه، وإذا كان عليه قضاء رمضان أُطْعِمَ عنه، وقال مالك وسفيان والشافعي: لا يصوم أحد عن أحد] . وحتى نقف على الرأي الصحيح، فإنَّا نذكر الأحاديث المتعلقة بهذه المسألة، ثم نقوم بعملية الاستنباط:
١- عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﵌ قال ﴿من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه﴾ رواه البخاري (١٩٥٢) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. ورواه البزَّار (١٠٢٣) بزيادة ﴿إن شاء﴾ .
٢- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صومُ شهر أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، فدينُ الله أحق أن يُقضَى ﴾ رواه البخاري (١٩٥٣) ومسلم وأبو داود وأحمد والبيهقي. وروى البخاري هذا الحديث بروايات متعددة، وجاء في إحداها ﴿قالت امرأة للنبي ﷺ: إن أمي ماتت وعليها صوم نذر ﴾ .
٣- عن بُرَيدة ﵁ قال ﴿بينا أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدَّقتُ على أمي بجارية وإنها ماتت، قال: فقال: وجب أجرُكَ وردَّها عليك الميراثُ، قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحجَّ قط أفأحجُّ عنها؟ قال حُجِّي عنها﴾ رواه مسلم (٢٦٩٧) وأبو داود والترمذي وأحمد.
٤- عن ابن عباس ﵄ ﴿أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إِنْ نجَّاها الله أن تصوم شهرًا، فنجَّاها الله فلم تصم حتى ماتت، فجاءت ابنتها أو أختها إلى رسول الله ﷺ، فأمرها أن تصوم عنها﴾ رواه أبو داود (٣٣٠٨) والنَّسائي وأحمد وأبو داود الطيالسي وابن خُزيمة باختلاف في الألفاظ.
[ ١٢٥ ]
٥- عن جابر بن عبد الله ﵁ ﴿أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي تُوُفِّيت وعليها نذر صيام فتُوُفِّيت قبل أن تقضيه؟ فقال رسول الله ﷺ: لِيَصُمْ عنها الولي﴾ رواه ابن ماجة (٢١٣٣) بسند فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف، قاله صاحب الزوائد. إِلا أنَّ غيره من المحدِّثين أدخلوا حديثه في دائرة الحسن.
٦- عن ابن عباس ﵄ قال ﴿جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: إن أختي ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين قال: أرأيتِ لو كان على أختكِ دينٌ أكنتِ تقضينه؟ قالت نعم، قال: فحقُّ الله أحقُّ﴾ رواه الترمذي (٧١٢) . وقال [حديث ابن عباس حديث حسن صحيح] ورواه النَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان والدارَقُطني وابن خُزيمة.
الحديث في البند الخامس ضعيف عند ناسٍ، وحسن عند آخرين، وعلى أية حال فإن سائر الأحاديث تغني عنه. الحديث الأول عن عائشة هو في قمة الأحاديث الصحيحة، وكذلك الحديث الثاني عن ابن عباس، فقد اتفق عليهما البخاري ومسلم وما اتفق عليه الشيخان فهو صحيح بلا شك. الأول يقول (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) والثاني يقول (نعم، فدين الله أحق أن يُقضَى) .
[ ١٢٦ ]
الحديث الأول عامٌّ في كل صيام، والحديث الثاني جاء عامًا في رواية، وجاء في النذر في رواية ثانية ولنقل إن هذا الحديث جاء في النذر. والحديث الثالث الصحيح جاء الأمر فيه بالصوم عن الميت (قال: صومي عنها) وقد جاء عامًَّا في الصيام، وليس صحيحًا تخصيصُه بالنذر، فقد تتبَّعتُ روايات هذا الحديث في كتب الحديث المعتبرة كلِّها، فلم أجد في أيٍّ منها أيةَ إشارةٍ إلى النذر، فيبقى الحديث عامًا في الصيام كالحديث الأول. والحديث الرابع كالحديث الثاني جاء في صوم النذر بلفظ صريح. وأما الحديث السادس فقد جاء خاصًا في الكفَّارات بدليل قوله (وعليها صوم شهرين متتابعين) فقوله (متتابعين) هو قرينة على أن الصوم صوم كفَّارة، ولكن هناك احتمالٌ ضعيفٌ جدًا أن يكون الصوم هذا في النذر.
[ ١٢٧ ]
الأول والثالث جاءا عامَّين في الصيام، والثاني والرابع جاءا خاصَّين في صيام النذر، والسادس جاء خاصًا في صوم الكفَّارات، ويحتمل أن يكون خاصًا بالنذر. الأول والثالث جاء لفظهما عامًا في قضاء الصوم، ومنه بل وأشهره وأبرزه صومُ رمضان، ولم يَرِدْ أيُّ نسخٍ لهما ولا أي تخصيص، فيبقى فيهما العام عامًا. والثاني والرابع جاء لفظهما خاصًا في النذر، أي في قضاء صوم النذر، ولا يوجد نصٌّ ينسخه أو يصرفه عن وجهه، فيبقى فيهما اللفظ خاصًا، ويصح إلحاق الحديث السادس به. فنقول إن الشخص إذا مات وعليه صومٌ مفروض كصوم رمضان، أو كصوم النذر أو كصوم الكفَّارات صام عنه وليه، وقد جاء الأمر بهذا في قمة الأحاديث الصحيحة،لم يخالفها أي حديث صحيح أو حسن، فيُعمل بها ويُؤخذ بها، ومن وقف عليها لم يَجُزْ له القول بخلافها تحت أية ذريعة من الذرائع فلا الأحاديث الضعيفة ولا أقوال الصحابة ولا اجتهادات الفقهاء تستطيع أن تنسخ هذا الحكم الشرعي الثابت بحال من الأحوال. وعليه فإن ما اعتمد عليه بعض الفقهاء من النصوص والآثار التالية من القول بخلاف ذلك هو اعتماد باطل، واجتهاد في مورد النص غير جائز. وإليكم ما استندوا إليه:
أ - عن ابن عباس ﵁ قال ﴿إذا مرض الرجل في رمضان ثم مات ولم يصم أُطْعِم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه﴾ رواه أبو داود (٢٤٠١) والدارَقُطني والبيهقي وعبد الرزاق. وعلَّقه البخاري. قال عبد الحق وابن حجر: لا يقع في الإِطعام شيء يصحُّ، يعني مرفوعًا.
ب - عن ابن عباس ﵄ قال ﴿لا يصوم أحد عن أحد ويُطعَم عنه﴾ رواه البيهقي (٤/٢٥٧) . ورواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٩٣٠) بلفظ ﴿لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًَّا من حنطة﴾ قال الزيلعي [غريبٌ مرفوعًا] .
[ ١٢٨ ]
ج - عن عُبادة بن نُسَيٍّ قال: قال النبي ﷺ ﴿من مرض في رمضان فلم يزل مريضًا حتى مات لم يُطعَم عنه، وإن صحَّ فلم يقضه حتى مات أُطعم عنه﴾ رواه عبد الرزاق (٧٦٣٥) . وفيه الحجاج بن أرطأة، وهو ضعيف، وفيه الأسلمي وهو كذاب، قاله ابن حزم.
د - عن مالك أنه بلغه ﴿أن عبد الله بن عمر كان يُسأل: هل يصوم أحد عن أحد، أو يصلي أحد عن أحد؟ فيقول: لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلي أحد عن أحد﴾ رواه الإمام مالك (١/٢٥٦) .
هـ – عن ابن عباس ﵄ ﴿إنْ مات الذي عليه صوم ولم يَصحَّ قبل موته ليس عليه شيء، فإن صحَّ أُطعِم عنه عن كل يوم نصف صاع حنطة﴾ رواه ابن حزم (٧/٧) وصححه. ورواه عبد الرزاق والدارَقُطني.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال ﴿إذا مات الرجل وعليه صيام رمضان آخر أُطعِم عنه عن كل يوم نصف صاعٍ من بُر﴾ رواه عبد الرزاق (٧٦٤٤) وابن حزم.
ز - عن ميمون بن مهران عن ابن عباس ﵁ ﴿سُئل عن رجل مات وعليه رمضان وصوم شهر؟ فقال: يُطْعَم عنه لرمضان ويُصام عن النذر﴾ رواه ابن حزم وصححه (٧/٧) .
ح – عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من مات وعليه صيام شهر، فليُطعَم عنه مكانَ كل يوم مسكينٌ﴾ رواه ابن ماجة (١٧٥٧) والترمذي وقال [لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه والصحيح عن ابن عمر موقوف]
[ ١٢٩ ]
أما الحديث ج فهو ضعيف جدا فيترك. وأما الحديث ح فلم يصحَّ رفعُه، والصحيح أنه من قول ابن عمر. فلم يبق من هذه السلسلة أي حديث نبوي، وإنما بقيت آثار، أي أقوال صحابة. والمعلوم بداهة أن أقوال الصحابة ليست أدلة فضلًا عن أن تَنْسَخَ أو تعارِض الأحاديث النبوية. وعليه أقول ما يلي: إن هذه الآثار لا تصلح لمعارضة ما ذكرناه من أحاديث نبوية شريفة، فتترك لهذا السبب. ثم إن هذه الآثار لم يَرْوِها الشيخان لا مجتمعَين ولا منفردَين، فهي دون أحاديثنا في درجة الإِسناد بكثير. قال البيهقي [والأحاديث المرفوعة أصحُّ إسنادًا وأشهر رجالًا، وقد أودعها صاحبا الصحيح كتابيهما، ولو وقف الشافعي ﵀ على جميع طرقها وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله تعالى] وأضاف البيهقي، وهو الذي روى أثر ابن عباس [وقد رأيت بعض أصحابنا يضعِّف حديث ابن عباس ] فمثل هذا الأثر لا يصمد أمام أحاديثنا الصحيحة الناطقة بالصوم عن الميت. ثم إن ابن عباس نفسه روى الأحاديث الصحيحة القائلة بالقضاء (٢، ٤، ٦) فكيف يُنسب إليه القول المخالف في الآثار (١، ٢، ٥، ٧)؟ وهل يصدِّق مُنصِفٌ بأن ابن عباس يفتي بما يعارض أقوال الرسول ﷺ التي رواها؟ وأما أثر مالك البند د فهو منقطع أو معضل فهو يقول (بلغه أن عبد الله بن عمر كان يُسأل ) ولم يذكر الشخص، أو الأشخاص الذين نقلوا إليه قول ابن عمر، فالحديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به.
[ ١٣٠ ]
بقي ما ورد في هذه الآثار من القول بالإِطعام، فعمر بن الخطاب وابنه وابن عباس ﵃ قد نُقل عنهم القول بالإِطعام، فظن بعض الفقهاء أن هذا القول يلغي وينفي القول بالقضاء وليس ذلك بصحيحٍ على الإطلاق، فالقول بالإطعام وارد كالقول بالقضاء، فهما على التخيير، فكما أن من مات وعليه صيام جاز لولِيِّه أن يصوم عنه، فكذلك يجوز لولِيِّه أن يطعم عنه بدل الصيام، فالصيام والإِطعام جائزان لا يعارض أحدهما الآخر، وهو ما نقول به، فنحن نقول إن الولي يصوم عن الميت بل ويُستحب منه ذلك، أو يطعِم عن الميت بدل القضاء. فهو مخير بين القضاء والإِطعام، فليس فيما رُوي عن عمر وابنه وابن عباس من القول بالإِطعام ما يخالف ما جاء في الأحاديث النبوية الثابتة من الأمر بالقضاء.
لكل ما سبق نقول إن الشخص إذا مات وعليه صيام رمضان أو غيره من نذر أو كفَّارة جاز لوليه أن يصوم عنه، كما جاز لوليه أن يُطعِم عنه. وعليه فإن رأي أبي حنيفة ومالك والجمهور [أنه لا يصام عن ميت نذرًا ولا غيره] هو رأي غير صحيح ومنقوضٌ بالأحاديث النبوية الصحيحة الناطقة بالجواز.
ولست في حاجة إلى وقفة طويلةٍ عند قول الذين نظروا في الأحاديث الآمرة بالقضاء، فأوَّلوها بقولهم: إن المراد من ذلك أن وليه يُطعِم عنه. فهذا تأويل بالغ الضعف، بل هو تأويل باطل لا يصح القول به.
وأما دعوى المالكية بأن أحاديث الصوم عن الميت فيها اضطراب، فقولٌ غير صحيح إذ ليس في هذه الأحاديث اضطراب، وكلُّ ما فيها اختلافاتٌ قد أمكن الجمع بينها، فالاضطراب شيء والاختلافات شيء آخر مغاير.
[ ١٣١ ]
بقي قول الليث وأحمد وإسحق وأبي عبيد بحصر القضاء في صوم النذر. فأقول ما يلي: إن جواز القضاء في صوم النذر ورد في الأحاديث الصحيحة فهو قول صحيح ولكنَّ حصرَ القضاء به هو الخطأ والخطأ عندهم آتٍ من حمل الأحاديث القائلة بالقضاء بشكل عام على الأحاديث القائلة بالنذر، فخرجوا بقولهم هذا.
والصحيح أن الأحاديث القائلة بالقضاء على العموم لا تخصِّصها ولا تقيِّدها الأحاديثُ القائلة بالقضاء في النذر، إذ لم تأت الأحاديث الآمرة بالقضاء في النذر مخصِّصة للأحاديث القائلة بعموم القضاء، وإنما جاءت تذكر حالة من حالات القضاء أي هي جاءت تذكر فردًا من أفراد العموم ولم تأت مخصِّصةً. فالصوم عن الميت جائز وهذا قول عام، ومن هذا العام الصوم في النذر، ومن هذا العام الصوم في الكفَّارات، وهناك فارق بين ذِكر فردٍ من أفراد العموم وبين تخصيص هذا العموم. قال ابن حجر [وقال الليث وأحمد وإسحق وأبو عبيد: لا يُصام عنه إلا النذر، حَمْلًا للعموم في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس وليس بينهما تعارضٌ حتى يُجمَع بينهما فحديث ابن عباس صورة مستقلة، سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدةٍ عامةٍ وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم، حيث قال في آخره (فدَينُ الله أحقُّ أن يُقضَى)] ومن ذلك يتبين أن القول بحصر القضاء عن الميت في النذر هو خطأ، وأن الصواب هو تعميمُه وإطلاقُه في كل صوم.