لقد اختلف صحابة رسول الله ﵌ في تحديد مقدار الفدية ورُويت عنهم روايات متباينة تذكر أن الفِدية مُدٌّ واحد، وأنها مُدَّان اثنان، أي نصف صاع، وأنها أربعة أمداد، أي صاع، أذكر لكم عددًا منها:
١- عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿مَن أدركه الكِبَرُ فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه لكل يومٍ مُدٌّ من قمح﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٨) .
٢- عن مجاهد عن أبي هريرة ﵁ أنه قال ﴿يصوم الذي حضر، ويقضي الآخر، ويطعم لكل يوم مِسكينًا﴾ رواه البيهقي (٤/٢٥٣) . وقال [ورواه ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة وقال: مدًا من حنطة لكل مسكين] .
٣- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿إذا عجز الشيخ الكبير عن الصيام أطعم عن كل يوم مُدًّا مُدًّا﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٤) بإسناد صحيح.
[ ٢٣٥ ]
٤- روى البيهقي وعبد الرزاق عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه (٤/٢٥٤) أنَّ قدر الإطعام مُدٌّ من حنطة.
٥- وروى عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب ﵁ (٧٦٢٩) أن الإطعام مُدٌّ من حنطة لكل مسكين.
فهؤلاء الصحابة: أبو هريرة، وابن عباس في رواية عنه، وعمر بن الخطاب وابنه عبد الله يذكرون أن الفدية مُدٌّ واحدٌ، أي ربع صاع.
٦- وعن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه ﴿قرأ (وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين) يقول: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام فيفطر، ويطعم عن كل يوم مسكينًا، نصفَ صاع من حنطة﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٧) .
فهذه الرواية الثانية عن ابن عباس ﵁ تذكر نصف صاع، أي مُدَّين من حنطة.
٧- وعن السائب بن قيس رضي الله تعالى عنه، قال ﴿إن شهر رمضان يفتدي به الإنسان يُطعم فيه كل يوم مسكينًا فأَطعموا عني مسكينًا لكل يوم صاعًا ﴾ نسبه الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٩٥٣) إلى الطبراني في المعجم الكبير، وقال [رجاله ثقات] وقد بذلت وسعي في البحث عنه في معجم الطبراني فلم أجده.
فهذه الرواية تذكر صاعًا، أي أربعة أمداد. وهؤلاء كلهم صحابة وقد اختلفوا في تحديد مقدار الفدية، واختلف باختلافاتهم التابعون والفقهاء. فالأحناف قالوا: نصف صاع بُرٍّ أو ما يعادله وقاسوها على صدقة الفطر. والجمهور قالوا: يكفي المُدُّ الواحد، أي ربع الصاع.
[ ٢٣٦ ]
وهذه الأقوال كلها اجتهادات وليست نصوصًا شرعية، فالشرع لم يحدِّد مقدار الفدية، أي لم يحدد مقدار ما يُطعَمُ المسكينُ، وإنما هي اجتهادات في تحقيق مناطِ النصوص الشرعية أي مناط حكم إطعامِ مسكينٍ واحد، فجاءت آراؤهم مختلفة متباينة ولو أن هؤلاء الصحابة والتابعين والفقهاء أدركوا عصرنا هذا لربما تغيَّرت تقديراتهُم، فالعُرفُ وأحوالُ الناس والعصرُ الذي يُعاش فيه لها مدخل وأثر في تحديد مقدار ما يُقدَّم للمسكين الواحد من القوت. ولهذا فإننا غير ملزمين بتقديرات الصحابة ولا بتقديرات الفقهاء الذين سبقونا، ونقف عند قوله ﷾ ﴿فديةٌ طعامُ مسكين﴾ وندع تحديد الفدية وما يُقدَّم للمسكين إلى الناس يبذلون ما يرونه كافيًا لإطعام المسكين، لا سيما وأَن تقديم المدِّ الواحدِ والمدين والأربعة أمداد من القمح أو من التمر لم يعد ينفع المسكين وإنما أصبح المقبول والمتَّبع في عصرنا الراهن تقديمُ وجباتٍ من الطعام المطبوخ أو دفع مبلغ من المال يفي بالحاجة.
وللعلم فقط أقول ما يلي: قال أبو عبيد في كتاب الأموال (١٦٠٢) ما يلي [وأما أهل الحجاز فلا اختلاف بينهم فيه أَعلمه أن الصاعَ عندهم خمسةُ أرطال وثلثٌ يعرفه عالِمُهم وجاهِلُهم، ويباع في أسواقهم ويحملُ علمَه قرنٌ عن قرنٍ (١٦٠٣) وقد كان يعقوب – هو أبو يوسف القاضي – زمانًا يقول كقول أصحابه فيه، ثم رجع عنه إلى قول أهل المدينة] وقال (١٦٢٣) أيضًا [فقد فسَّرنا ما في الصاع من السنن وهو كما أعلمتُك خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ، والمُدُّ رُبُعُه، وهو رطل وثلث، وذلك برطلنا هذا الذي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا ] .
وبتقدير ما سبق بالأوزان الحديثة نقول ما يلي: إن المد يساوي ٥٤٣ غرامًا، فيكون الصاع ١٧٥،٢غرامًا، أي كيلو غرامين ومائةً وخمسة وسبعين غرامًا.