لقد وردت في الاعتكاف الأحاديث التالية:
١- عن عائشة ﵂، زوجِ النبي ﷺ ﴿أن النبي ﷺ كان يعتكف العَشْرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفَّاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجهُ من بعده﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٢- عن أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنه ﴿أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العَشْرَ الأواخر من رمضان، فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العامُ المقبلُ اعتكف عشرين﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٣٣٣٠) وأبو داود وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
[ ٣٢٦ ]
٣- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿إن رسول الله ﷺ اعتكف العشر الأَوَّل من رمضان، ثم اعتكف العَشْر الأوسط في قُبَّةٍ تُركيَّة على سُدَّتها حصير قال: فأخذ الحصيرَ بيده فنحَّاها في ناحية القبة ثم أطلع رأسَه فكلَّم الناس فَدَنوْا منه فقال: إني اعتكفت العَشْر الأوَّل التمس هذه الليلة، ثم اعتكفت العَشْر الأوسط ثم أُتيتُ، فقيل لي: إنها في العَشْر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فلْيعتكفْ، فاعتكف الناس معه ﴾ رواه مسلم (٢٧٧١) والبخاري وأحمد ومالك وأبو داود والنَّسائي. قوله في قبة تُركيَّة: أي في قبة صغيرة من لَبُّود.
٤- عن عَمْرَةَ بنتِ عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ ذكر أن يعتكف العشر الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها، وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها، ففعلت، فلما رأت ذلك زينب بنت جحش أمرت ببناء فبُني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلَّى انصرف إلى بنائه فأبصر الأبنية، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ: أَلبرَّ أردنَ بهذا؟ ما أنا بمعتكِفٍ، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) ومالك وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
بالنظر في هذه الأحاديث الأربعةِ نجد أن رسول الله ﷺ قد داوم على الاعتكاف في العَشْرِ الأواخر من رمضان حتى وفاته، وكان إذا لم يتسَنَّ له الاعتكافُ بسبب السفر قام بالاعتكاف بدله في العام الذي يليه، ليؤكِّد كلُّ ذلك على أن الاعتكاف قُربةٌ إلى الله سبحانه.
[ ٣٢٧ ]
والقُربة إما أن تكون فرضًا واجبًا، وإما أن تكون سُنةً مندوبةً، فجاء النصان الثالث والرابع كقرينة على أن هذه القُربة مندوبة وليست فرضًا. الحديث الثالث يقول (فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف فاعتكف الناس معه) أي أن الحديث قد علَّق الاعتكاف على محبة الناس له وهذا دليل واضح على عدم الوجوب فلم يبق إلا الندب وكذلك الحديث الرابع الذي يقول (ما أنا بمعتكف فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوال) وما كان لرسول الله ﷺ أن يرجع عن قُربةٍ ويتركها لو كانت فرضًا واجبًا.
وهذه المسألةُ، وأنَّ حكمَ الاعتكاف الندبُ،لم يخالف فيها إلا بعضُ أصحاب مالك، فقد قالوا إن الاعتكاف جائز وليس مندوبًا، وقد أنكر ذلك عليهم ابن العربي وهو مالكي، قائلًا إنه سُنَّة مؤكَّدة. وقال ابن بطَّال إِنَّ في مواظبةِ النبي ﷺ ما يدل على تأكُّدِهِ. وقال ابن حجر [قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون] .
[ ٣٢٨ ]
أما الشبهة التي استند إليها بعض أصحاب مالك فهي قول مالك [فكَّرتُ في الاعتكاف وتركِ الصحابة له مع شدة اتِّباعهم للأثر، فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته] ذكر ذلك ابن حجر في فتح الباري، وقد بحثت عنه في الموطأ في مظانِّه فلم أجده، وهذه شبهة بالغة الضعف، ثم إن من يقرأ الموطأ يجد الإمام مالكًا ينص على أن الاعتكاف سُنَّةٌ في أكثر من عبارة ففي الجزء الأول في الصفحة (٢٦٧) جاء ما يلي [قال مالك: لم أسمع أحدًا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطًا وإنما الاعتكاف عملٌ من الأعمال مثلُ الصلاة والصيام والحج، وما أشبه ذلك من الأعمال ما كان من ذلك فريضة أو نافلة، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السُّنَّة، وليس له أن يُحْدِث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون لا من شرط يشترطه ولا يبتدعه، وقد اعتكف رسول الله ﷺ، وعرف المسلمون سُنَّةَ الاعتكاف] فالاعتكاف سُنَّة، وهذه السُّنَّة تتأكد في العشر الأواخر من رمضان.