[ ٣٥٣ ]
قال ابن المنذر إن أهل العلم قد نُقل عنهم الإجماع على أن زكاة الفطر فرض. وهذا القول غير دقيق، وإنما الدقيق هو قول إسحق: إيجابُ الفطر كالإجماع. ذلك أنه قد نُقل عن متأخري أصحاب مالك وداود وبعض الشافعية القولُ إنها سُنة، وأوَّلوا ما ورد في الأحاديث من القول (فَرَضَ) بـ (قدَّر) على أصل معناه في اللغة، وقال الجمهور إن زكاة الفطر فرض.
والصحيح إن زكاة الفطر فرض، لأنها أولًا زكاةٌ كسائر الزَّكَوات، ولأنها ثانيًا قد نُصَّ عليها بأنها فرض وإذا جاءت في النص كلمةُ (فَرَضَ) وجب أن تُصرف إلى معناها الشرعي وهو الواجب وليس إلى معناها اللغوي. فالحقائق الشرعية مقدَّمة على الحقائق اللغوية، وإن أيةَ لفظةٍ واردةٍ في النصوص ينبغي أن تُفسَّر بمعناها الشرعي أَولًا.
١- فعن ابن عمر ﵁ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة والدارمي، باختلافٍ في الألفاظ.
٢- وعنه ﵁ قال ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر – أو قال رمضان – على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير ﴾ . رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة.
٣- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث وطُعْمَةً للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات﴾ رواه أبو داود (١٦٠٩) وابن ماجة والدارَقُطني. ورواه الحاكم (١/٤٠٩) وصححه وأقره الذهبي قوله الرَّفَث هنا: يعني الفُحش في الكلام، قاله ابن الأثير.
[ ٣٥٤ ]
٤- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث مناديًا في فِجاج مكة: أَلاَ إِنَّ صدقة الفطر واجبةٌ على كل مسلم ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبد، صغيرٍ أو كبير، مُدَّان من قمح أو سواه صاعٌ من طعام﴾ رواه الترمذي (٦٦٩) وقال [هذا حديث غريب حسن] ورواه الدارَقُطني وسكت عنه.
فهذه أحاديث صحيحة وحسنة صالحة للاحتجاج ذكرت أن صدقة الفطر فرض - الأحاديث الثلاثة الأولى – وأنها واجبة – الحديث الرابع – بل إن الحديث الثالث يقول (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) فهذا القول من أوضح الدلالات على أن زكاة الفطر واجبةٌ.
وقد تمسك بعض الفقهاء بحديثٍ رواه قيسُ بن سعد يروْنه دالًا على أن زكاة الفطر لم تعد واجبة بعد أن كانت واجبةً فترةً من الزمن، وأنه يدل على نسخ الوجوب وهذا الحديث هو: عن قيس بن سعد ﵁، قال ﴿أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله﴾ رواه ابن ماجة (١٨٢٨) والنَّسائي وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي بسندٍ صحيح. فنقول لهؤلاء ما يلي:
[ ٣٥٥ ]
إن هذا الحديث ليس حجةً لكم بقدر ما هو حجةٌ لنا فالحديث يدل بالمنطوق على أن الرسول ﷺ قد أمر بها قبل أن تنزل الزكاة، وأن هذا الحديث قد قرنها بالزكاة ليشير بذلك إلى أنها زكاة فتأخذ حكمها، وهذا لا يخالفونه هم، وما دام أنها تأخذ حكم الزكاة وأنها تندرج تحت حكم وجوب الزكاة بلا خلاف بين المسلمين، فإن إبطال هذا الحكم يحتاج إلى نصٍّ، ونصُّهم هذا لا يدل على ما ذهبوا إليه من النسخ، فقول الحديث (فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا، ولم ينهنا ونحن نفعله) يدل على بقاء الحكم وأنه لم يجر عليه تغيير لا أمر ولا نهي، مع استمرار العمل به عند المسلمين. أما دعوى النسخَ فهي باطلةٌ، إِذ لو كان النسخُ مرادًا لقال الحديثُ: لقد نهانا أو لم يعزم علينا أو من شاء فعله منكم ومن شاء تركه، فلما لم يقل شيئًا واستمر الحال على حاله من العمل به، فإن ذلك من أوضح الدلالات على بقاء حكم الوجوب إِذ المعلوم بداهةً أن النبي ﷺ لا يجب عليه أن يكرر أقواله وتشريعاته بين الفينة والأخرى.
فالزكاة مفروضة وواجبة - إلا أنَّ الأحناف يقولون إنها واجبة غير مفروضة جريًا على قاعدتهم التي يفرِّقون فيها بين الفرض والواجب – وهذا الفرض مستمر منذ بدئه إلى يومنا هذا على قاعدة الاستصحاب الأصولية المعروفة، ولا حجةَ ذاتَ اعتبار لمن قالوا بالنسخ أو بالندب.