[ ٤١ ]
اختلف الفقهاء قديمًا وقلًّ اختلافُهم حديثًا بخصوص المطالع، فذهب عكرمة والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر وإسحق بن راهُويه إلى عدم وجوب صيام أهل بلد برؤية أهل بلد آخر للهلال. وقد حكاه الترمذي عن أهل العلم، ولم يحكِ سواه، وحكاه الماوَرْدي وجهًا في مذهب الشافعي. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والليث بن سعد إلى أن الهلال إذا رُؤي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصومُ، وحكاه ابن المنذر عن أكثر الفقهاء، وبه قال بعض الشافعية. واختلف الشافعية فيما ذهبوا إليه: فإنهم قالوا: إذا تقارب البَلَدان فحكمُهما حكمُ البلدِ الواحد، وإن تباعدا فوجهان: أصحُّهما عند الشيخ أبي حامد والشيخ أبي إسحق والغزالي والأكثرين: أنه لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر والثاني الوجوب وإليه ذهب القاضي أبو الطيب والروياني - قال محمد بن المنذر: إنه ظاهر المذهب، واختاره جميع أصحابنا، وحكاه البغوي عن الشافعي نفسه –. وهؤلاء اختلفوا في التقارب، والتباعد على آراء: فمنهم من فرض التباعد أن تختلف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا تختلف المطالع كبغداد والكوفة والري وقزوين، ومنهم من قال: اعتباره باتحاد الأقاليم واختلافها. وقال آخرون أقوالًا أخرى لا حاجة لإيرادها.
[ ٤٢ ]
أما الفريق القائلون إن الهلال إذا رُؤي ببلد لزم أهل جميع البلاد الصوم، فقد استدلوا على قولهم هذا بالأحاديث الكثيرة الآمرة بالصوم لرؤية الهلال والإفطار لرؤيته وحجة هؤلاء أن رؤية الهلال هي سبب إيجاد الصوم، وأن رؤية الهلال هي سبب إيجاد الفطر، وأنه إذا وجد السبب وُجد المسبَّب، وهو الصوم والفطر، فقول الرسول ﷺ (لرؤيته) هو اسم جنس مضاف، فهو إذن من ألفاظ العموم، وقوله ﵊ (حتى تروا) (إذا رأيتم) فيه ضميرٌ لجماعة يعود على اسم، وهذا الاسم جمعٌ، فهو يعود على جميع، والجمع من ألفاظ العموم، فضمير (تروا) وضمير (رأيتم) من ألفاظ العموم، فتكون رؤية الهلال عامة أي يكون السبب عامًا فأية رؤية من أي مسلم تعمُّ جميع المسلمين، فيجب عليهم الصوم عندئذٍ. وهذا القول من هؤلاء، على تعقيدٍ في استنباطه مألوفٍ، هو القول الصحيح.
وأما الآخَرون القائلون باختلاف المطالع، وبعدم صيام أهل بلد برؤية أهل بلد آخر للهلال فإنهم استدلوا على ذلك بما رُوي عن كُريب ﴿أن أمَّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمتُ الشام فقضيت حاجتها، واستُهِلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشام فرأيت الهلالَ ليلة الجمعة، ثم قدمتُ المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله ابن عباس ﵄ ثم ذَكَر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة فقال: أنت رأيتَه؟ فقلت: نعم ورآه الناس، وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنَّا رأيناه ليلةَ السبت فلا نزال نصوم حتى نكمِّل ثلاثين أو نراه فقلت: أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ﴾ رواه مسلم (٢٥٢٨) وأبو داود والترمذي وأحمد.
[ ٤٣ ]
فهؤلاء قالوا: إنَّ التزام ابن عباس ﵄ بعدم الاكتفاء برؤية أهل الشام هو التزامٌ آتٍ من الأمر النبوي الكريم، وبمعنى آخر فإنهم فهموا من قول ابن عباس ردًا على القول (أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟)، (لا، هكذا أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ) أن ذلك يعني أن الرسول ﷺ هو الذي أمر المسلمين بأن لا يأخذوا برؤية من كانوا في غير بلدهم ولم يفهموا القول هذا على أنه فهمٌ من ابن عباس للأمر النبوي الكريم، فالتبس عليهم الأمر النبوي بفهم ابن عباس وحيث أن فهم ابن عباس نراه خطأً فإِنَّا نرى أنَّ الآخذين بهذا الفهم قد أخطأوا هم أيضًا.
إن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قد سمع قول رسول الله ﷺ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) ففهم منه أن كل جماعة من المسلمين ينبغي أن ترى الهلال فتصوم وتراه فتفطر وأن رؤية غيرها من الجماعات لا تغني عن رؤيتها هي فقال ما قال، كما ورد في حديث كُريب، أي أنه لم يعمِّم هذا النص على جميع المسلمين، وإنما جعله يتناول كل جماعة من المسلمين على حدة، وهذا فهم خاطئ. وعليه فإن من قالوا باختلاف المطالع إنما أخذوا حجتهم من فهم ابن عباس للحديث، وليس من الحديث النبوي نفسه. ولست أريد أن أناقش هذا الخطأ بأكثر مما أوردْتُه من حجة القائلين بوحدة المطالع.
وقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة عام ١٩٦٦م ما يلي [لا عِبْرة باختلاف المطالع ولو تباعدت الأقاليم بشرط أن تكون مشتركة في ليلة واحدة، وهذا ينطبق على البلاد العربية كلها] كما أصدر مجلس الفتوى الأعلى في الديار الفلسطينية قرارًا يؤكد فيه على تبني رأي وحدة المطالع. وهنا أقف وقفة، فأقول ما يلي:
[ ٤٤ ]
أولًا: لقد بدأتُ هذا البحث بقولي [اختلف الفقهاء قديمًا، وقلَّ اختلافُهم حديثًا بخصوص اختلاف المطالع] وهذا القول فيه إشارة واضحة إلى أن جمهرة العلماء في عصرنا الراهن قد تركوا القول باختلاف المطالع، وأنهم قد التزموا، أو كادوا بما أصدرته مجامع البحوث في القاهرة وغيرها من بلدان المسلمين فلم نعدْ نسمع عالمًا يقول باختلاف المطالع إلا نادرًا. ومع هذا الاتحاد في الرأي عند العلماء، فإننا لا زلنا نرى حال دول المسلمين، وكأن العلماء لم يتفقوا على رأي، ولم تُصْدِر مجامعُ البحوث ومجالسُ الفتاوى قراراتهم بوحدة المطالع. فصار العلماء – وهم في الأصل أصحاب الشأن في هذه المسألة – معزولين عن القرارات الصادرة عن الحكام، ولا يخفى على أي مسلم واعٍ أن السبب في ذلك هو فصل الدين عن الدولة لدى جميع دول المسلمين، فصارت الدول تتخذ قراراتها بعيدًا عن الاحتكام لأحكام الشرع وفتاوى العلماء، وإذا رأينا هذه الدول تُصدر أحكامًا تبدو شرعية أو متوافقة مع الشرع، أو رأيناها تأخذ بفتاوى صادرةٍ عن العلماء، فإن المدقق فيها يجد أن هذه الدول هي التي بادرت إلى تشريع هذه الأحكام لمصالحها ولغاياتها الخاصة، ثم هي أمرت العلماء المتعاملين معها باستحضار النصوص التي تجيز هذه التشريعات، وليس العكس. فالحكام يأمرون ويشرِّعون، والعلماء يوافقون ويفتون بما يرضي هؤلاء الحكام، وإذا تعارض الموقفان فالنافذ هو رأي الحكام.
[ ٤٥ ]
ثانيًا: إن المشكلة في العالم الإسلامي اليوم هي أن كل دولة من دول المسلمين تعتبر نفسها كلًا وليس جزءًا من الأُمة الإسلامية، وإن نصت بعض الدساتير فيها على غير ذلك، فصارت كل دولة تتخذ قراراتها السياسية وحتى الدينية دون مراعاةٍ لسائر المسلمين، لأنها تعتبر نفسها كيانًا مستقلًا عن سائر المسلمين لا حق للمسلمين خارج كيانها بالتدخل فيه، ومن ذلك إعلان الصيام وإعلان الإفطار، فترى كلَّ دولة تعلن الصيام وتعلن الإفطار، وكأنه لا يوجد مسلمون في غيرها، وهذا هو السبب في بقاء الاختلاف بين الدول في العالم الإسلامي بخصوص بدء الصوم وبدء الإفطار ولو أن هذه الدول تعتبر نفسها أجزاءً من كلٍّ لربما توحَّدت المواقف في كثير من المسائل والقضايا.
ثالثًا: فإذا أضيف إلى ما سبق أن دولًا في شمالي إفريقيا تأخذ بالحساب الفلكي وأن هذا الحساب قد يتطابق مع الرؤية وقد لا يتطابق، أدركنا السبب في بقاء اختلاف المسلمين في ديارهم حول بدء الصيام وبدء الإفطار، وهذه الدول في شمالي إفريقيا مستمرة في الأخذ بالحساب الفلكي لا تلتفت إلى آراء العلماء الذين يعارضون العمل بهذا الحساب.
رابعًا: وبناء عليه أقول: إن المسلم في أي مكان من بلاد المسلمين – وهي مشتركة كلها في الليلة الواحدة – يجب أن يصوم إن هو سمع إعلان أية دولة من دول المسلمين عن بدء الصوم، ويجب أن يفطر إن هو سمع إعلان أية دولة من دول المسلمين عن بدء الإفطار، باستثناء الدول التي تأخذ بالحساب الفلكي، فلا يصح له أن يَلْتَزِم بما تعلنه هذه الدول من حيث الصوم والإفطار.
[ ٤٦ ]
خامسًا: إن المسلمين عبر تاريخهم الطويل لم تكن تُعرَف فيهم مجالسُ إفتاء، ولا مجامعُ بحوثٍ إسلاميةٍ إلا في وقت متأخر، يوم أن ضعف فهمهم للإسلام، وقلَّ أو تلاشى وجود المجتهدين عقب إغلاق باب الاجتهاد، فصار من يطلقون على أنفسهم أنهم علماء، يتجمَّعون في مجلس أو مجمع، أو تقوم الدول بجمعهم، ويصدرون فتاوى جماعية دون أن يعرف المسلمون أن صاحب هذه الفتوى هو فلان، أو علاَّن من هؤلاء العلماء، فيَحمل المسلمُ هذه الفتوى، ويعمل بها تقليدًا أو اتباعًا، دون أن يعرف من صدرت عنه وهذا مخالف لطريقة الإسلام في التقليد والاتباع، فالمسلم يصح له أن يقلِّد فلانًا من الفقهاء، أو يتَّبع علاَّنًا من العلماء، أما أن يتبع مجلسَ إفتاءٍ، أو يقلِّد مَجْمَعَ بحوثٍ فهذا لا يصح شرعًا ولا قيمة لما تصدره هذه المجالس والمجامع من فتاوى شرعية.
ومثل هؤلاء، أن يقوم عدد من المؤلفين في عصرنا الراهن بتأليف كتاب في الأحكام الشرعية يصدر باسمهم مجتمعين، فهذا الكتاب لا يصح تقليد ما جاء فيه ولا اتِّباعه مطلقًا، وهو لا يعدو كونه مجرد معلوماتٍ يتعلمها القاريء لا أكثر، وهذا من المصائب الكبرى التي طغت وفشت في العالم الإسلامي كله، فصار القراء وتلاميذ الجامعات والمعاهد والمدارس يحملون أحكامًا في الشرع غير مَعزوَّةٍ لأصحابها، ويَدْعُون الناس إليها ويعملون بموجبها، وهذا لا يحلُّ شرعًا. فليتنبه المسلمون إلى هذه البدعة التي فشت في الناس، وخفيت حتى على كثير من العلماء والمتعلمين.
مسألة:
[ ٤٧ ]