[ ١٩٨ ]
ذهب مالك والأوزاعي، وأحمد وإسحق بن راهُويه في رواية عنهما، إلى تحريم الصوم في أيام التشريق إلا للحاج المتمتِّع الذي لا يجد الهَدْيَ، ورُوي ذلك عن عائشة وابن عمر وعروة بن الزبير وعبيد بن عمير. وذهب أبو حنيفة وأحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في المشهور عنه، وداود بن علي وابن حزم وابن المنذر والليث بن سعد والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح إلى التحريم مطلقًا، ورُوي ذلك عن علي ابن أبي طالب وعبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما. إلا أن أصحاب الشافعي قالوا بجواز الصيام في أيام التشريق إن كان لسببٍ: من نذرٍ أو كفَّارةٍ أو قضاءٍ فقط، أما ما لا سبب له فلا يجوز بلا خلاف. فيما ذهب الزبير بن العوام وأبو طلحة وعبد الله بن عمر والأسود بن يزيد وابن سيرين فيما رُوي عنهم، إلى الجواز مطلقًا. وحتى نقف على الحكم الصائب في هذه المسألة بإذن الله، دعونا نستعرض النصوص التالية:
١- عن نُبَيْشَةَ الهُذَلي قال قال رسول الله ﷺ ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب﴾ رواه مسلم (٢٦٧٧) والبيهقي والطحاوي. ورواه أحمد (٢٠٩٩٧) ولفظه ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب وذِكْرِ الله ﷿﴾ وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة التي تَعْقب يوم الأضحى
٢- عن كعب بن مالك ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ بعثه وأوسَ بنَ الحَدَثان أيام التشريق، فنادى: إنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام مِنى أيام أكل وشرب﴾ رواه مسلم (٢٦٧٩) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد.
٣- عن أم مسعود بن الحكم رضي الله تعالى عنها قالت ﴿كأني أنظر إلى علي بن أبي طالب على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء يقول: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ يقول: إن أيام التشريق أيام أكل وشرب ليس بأيام صيام﴾ رواه النَّسائي (٢٩٠١) في السنن الكبرى وأحمد وابن خُزيمة والحاكم وأبو يعلى.
[ ١٩٩ ]
٤- عن عاصم بن سليمان عن المطلب قال ﴿دعا أعرابيًا إلى طعامه، وذلك بعد يوم النحر، فقال الأعرابي: إني صائم، فقال: إني سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يعني، ينهى عن صيام هذه الأيام﴾ رواه ابن خُزيمة (٢١٤٨) والنَّسائي وعبد الرزاق. وللنَّسائي أيضًا (٢٩١٤) في السنن الكبرى بلفظ ﴿أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومنَّها أحد﴾ .
٥- عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال ﴿أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أيام مِنى: إنها أيام أكل وشرب فلا صومَ فيها، يعني أيام التشريق﴾ رواه أحمد (١٤٥٦) . وروى البزَّار هذا الحديث (١٠٦٧) دون قوله (فلا صوم فيها) قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
٦- عن أُم عمرو بن سليم الزرقي ﵂ أنها قالت ﴿بينما نحن بمنى إذا علي ابن أبي طالب على جمل، وهو يقول: إن رسول الله ﷺ يقول: إن هذه أيامُ طُعْمٍ وشُربٍ فلا يصومنَّ أحدٌ، فاتَّبعَ الناسُ﴾ رواه أحمد (٨٢٤) والشافعي
٧- عن حبيبة بنت شريق ﵂ ﴿أنها كانت مع ابنتها، ابنةِ العجماء في أيام الحج بمنى، قال: فجاءهم بديل بن ورقاء على راحلة رسول الله ﵌ برَحْلِهِ فنادى: إن رسول الله ﵌ يقول: من كان صائمًا فليفطر، فإنها أيام أكل وشرب﴾ رواه الحاكم (٢/٢٥٠) والطبراني في المعجم الأوسط.
٨- عن أبي مُرَّة مولى أم هانيء ﴿أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على أبيه عمرو بن العاص، فقرَّب إليهما طعامًا، فقال: كل، فقال: إني صائم، فقال عمرو: كل، فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإفطارها، وينهانا عن صيامها، قال مالك: وهي أيام التشريق﴾ رواه أبو داود (٢٤١٨) وابن خُزيمة والدارمي وأحمد والحاكم والبيهقي وابن المنذر. وصححه الحاكم وابن خُزيمة.
[ ٢٠٠ ]
٩- عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿يومُ عرفةَ ويومُ النحر وأيامُ التشريق عيدُنا أهلَ الإسلام، وهي أيام أكل وشرب﴾ رواه أبو داود (٢٤١٩) والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
١٠- عن أبي الشعثاء قال ﴿أتينا ابن عمر في اليوم الأوسط من أيام التشريق، قال: فأُتي بطعام، فدنا القوم وتنحَّى ابنٌ له، قال: فقال له: ادن فاطْعَمْ، قال: فقال: إني صائم، قال: فقال: أما علمتَ أن رسول الله ﷺ قال: إنها أيام طُعْمٍ وذِكْرٍ؟﴾ رواه أحمد (٤٩٧٠) . قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] .
باستعراض هذه الأحاديث، نجد أنَّ الأول والثاني والسابع قد ذكرت أن أيام التشريق هي أيام أكل وشرب، وجاء الرابع في رواية النَّسائي بزيادة (الصلاة) وجاء العاشر بزيادة (الذِّكْر) وإذن فإن هذه الأحاديث قد وصفت أيام التشريق بأنها أيام أكلٍ وشربٍ وصلاةٍ وذِكْرٍ.
[ ٢٠١ ]
وقد استنبط عدد من العلماء من كون الأحاديث تذكر أن أيام التشريق هي أيام أكل وشرب أن الصيام فيها حرام لا يجوز. والحق أن هذا الاستنباط غير صحيح، لأن مجرد وصف أيام التشريق بأنها أيام أكل وشرب لا يكفي دليلًا على التحريم. ولكن الأحاديث لم تقتصر على هذا الوصف وإنما أضافت إليه نفي الصوم فيها والنهي عنه، ففي الحديث الثالث جاء (ليس بأيام صيام) وفي الحديث الرابع في رواية النَّسائي وفي الحديث السادس جاء (فلا يصومنَّها أحد) وفي الحديث الخامس جاء القول (فلا صوم فيها) ثم جاء النهي منطوقًا في الحديثين الرابع والثامن (ينهى عن صيام هذه الأيام)، (وينهانا عن صيامها) فصار للقول بالتحريم حجة إذ أن قول الحديث الرابع (فلا يصومنَّها أحد) وقول الحديث السادس (فلا يصومنَّ أحد) قد جاءا بصيغة التوكيد، وهذه الصيغة تدل على العزم والتصميم والإلزام، فصح الاستنباط من هذه النصوص بأن النهي عن الصوم في أيام التشريق هو نهي جازم يفيد التحريم. فإذا وجدنا في الحديث السابع (من كان صائمًا فلْيفطر) أدركنا وتأكد لنا فعلًا أن النهي عن الصيام هو نهي جازم يفيد التحريم، ذلك أن أمر الصائم بالإفطار ما كان يصح ويجوز لو كان الصوم جائزًا مقبولًا، ولا يصح فعلًا إلا أن يكون الصيام غير جائز، ووجب قطعه بالإفطار. ومثله الحديث الثامن، فعمرو بن العاص أمر ابنه الصائم في تلك الأيام بالأكل وقطْعِ صيامِه، فلما امتنع ابنه عن قطع الصيام لم يتردد عمرو في توجيه الأمر مرة ثانية لابنه بالإفطار، مستدلًا بأن الرسول الكريم ﷺ كان يأمر الصائمين آنذاك بالإفطار وينهاهم عن الصوم، ومثله في الدلالة الحديث العاشر. فهذه الأحاديث الثلاثة – السابع والثامن والعاشر – تصلح قرائن بل وأدلة على أن النهي عن صيام أيام التشريق إنما هو نهي جازم دالٌّ على التحريم.
[ ٢٠٢ ]
بقيت مسألة الحاج المتمتع الذي لا يجد الهَدْيَ أي لا يجد شاةً يذبحها، أو يجدها ولكنه لا يملك ثمنها، هل يجوز له أن يصوم الأيام الثلاثة في الحج في أيام التشريق؟ قبل الإجابة على هذا السؤال، لا بد من استعراض النصوص المتعلقة بهذه المسألة:
١- قال تعالى ﴿ فمن تمتَّعَ بالعُمْرةِ إلى الحجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الهَدْي فمنْ لم يجدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسَبْعةٍ إذا رَجَعْتُمْ تلك عَشَرَةٌ كاملةٌ ﴾ من الآية ١٩٦ من سورة البقرة. والهَدْي هنا: الشاة تُذبَح.
٢- عن عائشة وابن عمر رضي الله تعالى عنهما قالا ﴿لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهَدْي﴾ رواه البخاري (١٩٩٧-١٩٩٨) والدارَقُطني والبيهقي وابن أبي شيبة والطبري.
٣- عن علي ﵁ في قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج، قال: قبل التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة﴾ رواه البيهقي (٥/٢٥) والطبري وابن أبي شيبة وعبد الرزاق.
٤- عن ابن عمر ﵄ في قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج، قال: يومٌ قبل التروية، ويومُ التَّرْوِية، ويومُ عرفة، وإذا فاته صامها أيام منى﴾ رواه ابن جرير الطبري (٢/٢٤٧) ومحمد بن المنذر والدارَقُطني والبيهقي وابن أبي شيبة.
٥- وعنه ﵁ قال ﴿الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هَدْيًا ولم يصم، صام أيام منى﴾ رواه البخاري (١٩٩٩) ومالك والشافعي والبيهقي.
٦- عن ابن عباس ﵁ ﴿قوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) إلى (وسبعةٍ إذا رجعتم) وهذا على المتمتِّع بالعمرة إذا لم يجد هديًا، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإن كان يوم عرفة الثالث فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله﴾ رواه ابن جرير الطبري (٢/٢٤٨) .
[ ٢٠٣ ]
قوله في الآية الكريمة ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج﴾ فسَّرها علي وابن عمر وابن عباس في الآثار ٣، ٤، ٦ بأن الصيام يُؤدَّى قبل عرفة، أو يُؤدَّى آخِرُه يومَ عرفة، وهذا يعني عدم تأديتها في أيام التشريق، وذلك لورود النهي عن صيام أيام التشريق. ولكن وحيث أن صيام هذه الأيام الثلاثة واجب شرعًا، وحيث أن أيام التشريق هي آخر أيام الحج، فإنَّ من لم يصم هذه الأيام الثلاثة في وقتها أجاز له الشرع أن يصومها في أيام النهي، أي في أيام التشريق.
وإذن فإن الصيام في أيام التشريق لمن فاته صيام الأيام الثلاثة هو رخصة، وهو ما جاء في الحديث الثاني (لم يُرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهَدْي) وحتى هذه الرخصة قد قُيِّدت بمن لم يتمكن من الصيام وليس على إطلاقها لأن الأصل كما قلنا هو أن تُصام الأيام الثلاثة قبل أيام التشريق وهذا المعنى مذكور في الأثر الرابع (وإذا فاته صامها أيام منى) ومذكور في الأثر الخامس (فإن لم يجد هديًا ولم يصم، صام أيام منى) والآثار وهي أقوالُ الصحابة، وإن كانت غير أدلة، إلا أنها أحكام شرعية يصح تقليدها واتِّباعها، وهنا جاءت أقوال الصحابة تشرح وتفسِّر الآية الكريمة فيصح قبول هذا الشرح والتفسير لا سيما وأنهم أقدر المسلمين على فهم الآيات وبيان مدلولاتها.
[ ٢٠٤ ]
وعليه فإنَّا نقول إن الفريق الأول قد أصابوا فيما ذهبوا إليه من تحريم الصوم في أيام التشريق إلا للحاج المتمتِّع الذي لا يجد الهَدْيَ. وأضيف إلى قولهم [وقد فاته الصيام] وهي إضافة لا بد منها. أما أصحاب الشافعي فإنهم مصيبون فيما ذهبوا إليه لو كانوا قد حصروا السبب في فوات صيام الأيام الثلاثة قبل أيام التشريق، ومخطئون فيما ذهبوا إليه من تعدُّد الأسباب كالنذر والكفَّارة والقضاء، لأن النصوص لا تدلُّ إلا على سبب واحد، وهو فوات الصيام قبل أيام منى فحسب، وليس النذر ولا الكفَّارة ولا القضاء مما رخَّص فيه الشرع هنا، والأصل في المسلم التقيد بالنصوص ولا سيما في العبادات.