إن الله سبحانه قد وضع الصلاةَ عن الحائض وعن النُّفَساء، ورفع تكليفهما بها فلا صلاة عليهما في فترتي الحيض والنفاس، كما أنه لا قضاء عليهما للصلاة، عَقِبَ انقضاء الفترتين، وليس كذلك الصيام، فالصيام لم يُرفع تكليفُهما به، وإنما أخَّر الله سبحانه أداءَ هما إياه إلى ما بعد انقضاء الفترتين، فكون الحائض والنُّفَساء تقضيان الصوم عقب الفترتين فهو دليل على أن الصيام لم يسقط عنهما كما سقطت الصلاة، ولم يُرفع عنهما هذا التكليف وإنما جرى تأخير أدائه فحسب. ولذا فإن الذين يقولون إن الله سبحانه قد وضع الصلاة والصيام عن الحائض والنُّفَساء، هكذا دون أن يفرقوا بينهما، يكونون قد جانبوا الدِّقةَ، وكان الواجب عليهم أن يقولوا إن الله سبحانه قد أوجب الصوم على الحائض وعلى النُّفَساء، وجعل أداء هذا الواجب عقب انتهاء فترتي الحيض والنفاس.
[ ٥٤ ]
أما لماذا لم يساو ربُّ العالمين بين الصلاة والصيام بخصوص الحائض والنُّفَساء؟ فالجواب عليه هو أن الصلاة عبادة وكذلك الصيام، والعبادات لا تعلَّل ولا تُلتمس لها عللٌ إلا إن وردت في النصوص فتُؤخذ عندئذٍ، وفي مسألتنا هذه لا توجد علَّةٌ لهذا التفريق، فنقول بالتفريق دون تعليل، ودون أن نأتي بعلَّة من عند أنفسنا، كمن يقول إن الصلاة عمل دائم في الليل والنهار وعلى مدى الحياة، فلو سقط التكليف بها بضعة أيام فإن ذلك لا يؤثر فيها، بخلاف الصوم الذي لا يأتي في العام إلا في رمضان، فإن نُفِست امرأة في أول الشهر فإنها لا تصوم سنتها كلَّها، وربما تكرر ذلك معها في أعوام قادمة فتُحْرَم من الصوم أعوامًا عدة، ولذا أُمرت بقضاء الصيام ولم تؤمر بقضاء الصلاة لأجل ذلك، فهذا القول وهذا التعليل خطأ لا يجوز لفقيه ولا لغيره أن يقوله.
والتفريق بين الصلاة والصيام، بخصوص الحائض والنُّفَساء، مُجمَعٌ عليه بين المسلمين،لم يخالفه إلا فرقة الخوارج الحَرُوريَّة، الذين يقولون بالتساوي في الحكم بين الصلاة والصيام، فيأمرون الحائض والنُّفَساء بقضاء الصلاة،كقضاء الصيام. وقد وردت في هذه المسألة الأحاديثُ التالية:
١- عن مُعاذة قالت ﴿سألتُ عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم، ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أَحَروريةٌ أنتِ؟ قلت: لست بحَروريَّة ولكني أسأل؟ قالت: كان يصيبنا ذلك فنُؤْمَر بقضاء الصوم ولا نُؤْمَرُ بقضاء الصلاة﴾ رواه مسلم (٧٦٣) والبخاري وأبو داود والنَّسائي والترمذي. والحَروريَّةُ اسم يطلق على فرقة من الخوارج كانت قد ظهرت في قرية حَروراء قرب الكوفة بالعراق فنُسِبوا إليها.
٢- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ ﴿أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ فذلك من نقصان دينها﴾ رواه البخاري (١٩٥١) وابن خُزيمة.
[ ٥٥ ]
٣- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كنا نحيض عند النبي ﷺ، فيأمرنا بقضاء الصوم﴾ رواه ابن ماجة (١٦٧٠) ورواه النَّسائي (٢٣١٨) بلفظ ﴿ كنا نحيض على عهد رسول الله ﷺ ثم نطهُر، فيأمرنا بقضاء الصوم، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة﴾ .
والحائض والنُّفَساء تقعدان عن الصوم ما دام الدم يسيل في الفترتين فإذا انقطع الدم قبل حلول الفجر ثم طلع الفجر دون أن تغتسلا، فمذهب العلماء صحةُ صومها، إلا ما حُكي عن الحسن بن صالح والأوزاعي وأحدِ الرأيين في مذهب مالك فإنهم قالوا بفساد صومهما إلا أن تغتسلا قبل حلول الفجر.
والصحيح هو القول الأول، وذلك أن الحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، أو انتهت فترتا الحيض والنفاس لديهما، بطل اعتبارُهما حائضًا ونُفَساء، فوجب عليهما أداء الصوم عندئذٍ وليس صحيحًا أن الاغتسال هو الذي يُؤْذِن بانتهاء الحيض والنفاس وأنه لا بد من وجوده لصحة الصيام، وإنما الصحيح هو أن الله سبحانه قد أمرهما بالغسل عند انتهاء الحيض والنفاس، فالغسل ليس هو العلامة على نهاية الفترتين، ولا هو المُؤْذِنُ بانتهاء الفترتين، فقد تغتسل الحائض أو النفساء عقب انقطاع الدم فورًا، وقد تغتسلان بعد مرور الساعات على انقطاع الدم فانقطاع الدم المُؤْذِن بنهاية الفترتين شيء، والغسل شيء أخر، وعليه فإن المرأة إذا انقطع حيضها، أو نفاسها فقد وجب عليها أن تصوم، دون أن يكون للصوم ارتباط بالغسل.