ورد في صوم الحامل والمرضع الحديثان التاليان:
١- عن أنس بن مالك – رجل من بني عبد الله بن كعب إخوةِ بني قُشَير – قال ﴿ قال رسول الله ﷺ: اجلس أحدِّثْكَ عن الصلاة، وعن الصيام: إن الله تعالى وضع شطر الصلاة، أو نصف الصلاة، والصومَ عن المسافر وعن المرضع أو الحبلى، واللهِ لقد قالهما جميعًا أو أحدَهما ﴾ رواه أبو داود (٢٤٠٨) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد. وهذا لفظ النَّسائي (٢٢٧٤) ﴿إن الله وضع عن المسافر نصف الصلاة والصوم، وعن الحبلى والمرضع﴾ ورواه الترمذي وحسَّنه.
٢- عن أنس بن مالك ﵁ قال ﴿رخَّص رسول الله ﷺ للحُبلى التي تخاف على نفسها أن تفطر، وللمرضع التي تخاف على ولدها﴾ رواه ابن ماجة (١٦٦٨) وابن عَدِي.
[ ٦٣ ]
قال الترمذي [قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل. وقال بعضهم: يفطران ويطعمان، ولا قضاء عليها، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام عليهما. وبه يقول إسحق] . وقد ذهب الحسن البصري وعطاء والضحاك وإبراهيم النخعي والأوزاعي وعكرمة وأصحاب الرأي وربيعة إلى أن الحامل إذا خافت على نفسها، والمرضع إذا خافت على ولدها، أن تفطرا ولا إطعام عليهما، فهما بمنزلة المريض يفطر ويقضي، وبه قال أبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر. وهو قول مالك في الحبلى إذا أفطرت، وأما المرضع فإنها إن أفطرت فقد وجب عليها القضاء والإطعام. وقال الشافعي وأحمد: تفطران وتقضيان إن خافتا على نفسيهما فقط، أو على نفسيهما وولديهما، وأما إن خافتا على ولديهما فقط فعليهما القضاء والفدية، عن كل يومٍ مُدٌّ. فأقول، ومِن الله التوفيق، ما يلي:
أما أن الحامل والمرضع تفطران فهذا ما لا خلاف فيه بين الفقهاء وهو الصواب وإن الحديث الأول دليل عليه (إن الله تعالى وضع الصوم عن المسافر، وعن المرضع أو الحبلى) (إن الله وضع عن المسافر الصوم، وعن الحبلى والمرضع) فكما أن المسافر يصح له الإفطار لأن السفر رخصة وعذر، فكذلك الحبلى والمرضع يصح لهما الإفطار، لأن الحَبَل والرضاعة رخصةٌ وعذرٌ. وقد جاء النص الأول عامًا في الحُبْلى والمرضع، وأَما النص الثاني، فقد جاء خاصًا بالحَبَل الذي يُخشى معه على النفس، وبالإِرضاع الذي يُخشى معه على الولد، فوجب الأخذُ بهذا التخصيص. فأقول ما يلي:
[ ٦٤ ]
إن الحبلى إذا خشيت بسبب الحَبَل على نفسها فإن لها أن تفطر، وإن المرضع إذا خشيت بسبب الإِرضاع على ولدها فإن لها أن تفطر، وأما إن عدمت الخشيةُ من الحبلى والمرضع فلا يصح لهما الإفطار، فالعام يُحمل دائمًا على الخاص. وأما القضاء فإنه لا بد منه، وليس صحيحًا قول إسحق [إن شاءتا قضتا] كما أنه ليس صحيحًا ما رُوي عن ابن عباس ﵁ من القول إِنَّ الحامل والمرضع ليس عليهما قضاء، كما جاء في الرواية عند الدارَقُطني (٢/٢٠٦) في سننه من طريق سعيد بن جُبير ﴿أن ابن عباس قال لأم ولدٍ له حُبلى أو مُرضع: أنتِ من الذين لا يطيقون الصيام، عليكِ الجزاء، وليس عليكِ القضاء﴾ ورواه أبو داود والبزَّار بمعناه. وكذلك ليس صحيحًا ما رُوي عن قتادة، وعن ابن عمر ﵄ من القول نفسه المنسوب لابن عباس ﵄، كما جاء في مصنَّف عبد الرزاق عن قتادة (٧٥٥٦) وعن ابن عمر (٧٥٥٨) من أنهما قالا عن الحامل والمرضع: تفطران وتطعمان عن كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليهما. وكما روى الدارَقُطني (٢ /٢٠٧) مثله عن ابن عمر ﵁. وذلك لما يلي:
إنَّ الرواية الأولى عن ابن عباس عند الدارَقُطني القائلةَ بالجزاء، وعدم القضاء تعارضها الرواية عنه عند عبد الرزاق (٧٥٦٤) القائلة بالقضاء وعدم الإِطعام. ولذا فإن الرواية عن ابن عباس مشكوك فيها، فتترك. هذا إِضافةً إلى أنها قول صحابي وأقوال الصحابة ليست أدلة، كما ذكرنا ذلك عدة مرات. وقل مثل ذلك بخصوص القول المنسوب لابن عمر ﵁.
[ ٦٥ ]
أما الدليل الشرعي فهو الحديث الأول بروايتيه فقد أعطى هذا الحديث حكمًا واحدًا لكلٍّ من المسافر والحبلى والمرضع هو أن الله سبحانه قد وضع عنهم الصوم، ولم يفرق بينهم بخصوصه، ولذا فإن القائلين بالتفريق قد أخطأوا فيما ذهبوا إليه. وحيث أن المسافر يقضي صومه فإن كلًا من الحبلى والمرضع تقضي صومها كذلك ولا يُلتفت إلى رأي من قال إن الحبلى والمرضع لا تقضيان الصوم.
أما القول إن الحامل والمرضع تفطران وتطعمان فإنه لا دليل عليه من الشرع، لا من كتاب الله سبحانه، ولا من سنة رسول الله ﷺ، وهو لا يعدو كونه من اجتهادات الصحابة والفقهاء، ونحن لا نلتزم في عباداتنا إلا بما شرعه الله ورسوله ﷺ. وممن قال بعدم الإِطعام الأحناف، وقد أصابوا فيما ذهبوا إليه.