الوِصال هو مواصلة الصوم يومًا وليلة أو أكثر دون إفطار. وقد ذهب أحمد وإسحق، ومن الشافعية محمد بن المنذر وابن خُزيمة وابن حجر، وجماعة من المالكية إلى جواز الوِصال إلى السَّحر، أي صيام نهارٍ وليلٍ بعده إلى آخره. وحكى محمد بن المنذر كراهة الوصال عن مالك وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحق، وهو قول ابن قدامة. وقال ابن حجر: ذهب الأكثرون إلى تحريم الوِصال وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم والكراهة، هكذا اقتصر عليه النووي. وقد نصَّ الشافعي في الأم على أن الوصال محظور. وحرَّمه ابن حزم. وفي المقابل أجازه عبد الله بن الزبير وابنه عامر وأخت أبي سعيد وأبو الجوزاء وإبراهيم التيمي. وحتى نستطيع استنباط الحكم الصائب في هذه المسألة لا بدَّ لنا من استعراض النصوص التالية:
١- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت ﴿نهى رسول الله ﷺ عن الوِصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقينِ﴾ رواه البخاري (١٩٦٤) ومسلم والنَّسائي.
[ ٢٠٥ ]
٢- عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه ﴿أن النبي ﷺ نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم، إني أُطْعَم وأُسقَى﴾ رواه مسلم (٢٥٦٣) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إياكم والوصال، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أَبيتُ يطعمني ربي ويسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون﴾ رواه مسلم (٢٥٦٧) . ورواه ابن خُزيمة (٢٠٧١) وأحمد ومالك وابن أبي شيبة بلفظ ﴿إياكم والوصال قالها ثلاثًا﴾ ورواه الدارمي (١٧٠٤) وابن حِبَّان بلفظ ﴿إياكم والوصال، مرتين ﴾ .
٤- عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال ﴿لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: لست كأحدٍ منكم، إني أُطعَم وأُسقَى، أو إِني أَبيتُ أُطْعَم وأُسْقَى﴾ رواه البخاري (١٩٦١) وأحمد وابن حِبَّان وابن أبي شيبة والدارمي. ورواه الترمذي وقال [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا الوِصال في الصيام ورُوي عن عبد الله بن الزبير أنه كان يواصل الأيام ولا يفطر] .
٥- عن ليلى امرأة بشير – بن الخصاصيَّة – قالت ﴿أردتُ أن أصوم يومين مواصلةً، فمنعني بشير، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: يفعل ذلك النصارى ﴾ رواه أحمد (٢٢٣٠١) والطبراني في المعجم الكبير وسعيد بن منصور وعبدُ بن حميد بإسناد صحَّحه ابن حجر.
٦- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السَّحَر، ففعل بعض أصحابه فنهاه، فقال: يا رسول الله إنك تفعل ذلك؟ قال: لستم مثلي، إني أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني﴾ رواه ابن خُزيمة (٢٠٧٢) بسند صحيح.
[ ٢٠٦ ]
٧- عن أبي ذر ﵁ ﴿أن النبي ﷺ واصل بين يومين وليلة فأتاه جبريل فقال: إن الله ﷿ قد قَبِل وِصالك ولا يحلُّ لأحدٍ بعدك، وذلك بأن الله ﵎ يقول (وأتموا الصيام إلى الليل) ولا صيام بعد الليل، وأمرني بالوتر بعد الفجر﴾ رواه الطبراني في المعجم الأوسط (٣١٦٢) . وفيه عبد الملك، قال الهيثمي [ولم أعرف عبد الملك] وقال ابن حجر: ليس إسناده بصحيح، فلا حجة فيه.
٨- عن سَمُرَةَ بنِ جُنْدُب رضي الله تعالى عنه قال ﴿نهانا رسول الله ﷺ أن نواصل وليس بالعزيمة﴾ رواه البزَّار (١٠٢٤) والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [إسناده ضعيف] .
٩- عن علي رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان رسول الله ﷺ يواصل إلى السَّحَر﴾ رواه أحمد (٧٠٠) وابن أبي شيبة والطبراني في المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] وأخرجه عبد الرزاق (٧٧٥٢) من طريق محمد بن علي بلفظ ﴿أن النبي ﷺ كان يواصل من سَحَرٍ إلى سَحَرٍ﴾ .
١٠- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ ﴿أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمهما، إِبقاءً على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله إنك تواصل إلى السحر؟ فقال: إني أُواصل إلى السحر، وربي يطعمني ويسقيني﴾ رواه أبو داود (٢٣٧٤) وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة. وصحح ابن حجر إسناده وقال [هو من أحسن ما ورد في ذلك] .
[ ٢٠٧ ]
١١- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله سلم يقول ﴿لا تواصلوا، فأيُّكم أراد أن يواصل فلْيواصل حتى السَّحَر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطْعِمٌ يُطعمني، وساقٍ يَسقيني﴾ رواه البخاري (١٩٦٣) وأبو داود وأحمد وابن حزم. قال ابن حزم [ورويناه أيضًا مُسْندًا صحيحًا من طريق أم المؤمنين عائشة وأنس وأبي هريرة وابن عمر كلهم عن رسول الله ﷺ] وقال البخاري [ونهى النبي ﷺ عنه رحمةً لهم وإبقاءً عليهم وما يُكْرَه من التعمُّق] .
١٢- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك يا رسول الله تواصل؟ قال رسول الله ﷺ: وأيُّكم مثلي؟ إني أَبِيتُ يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخَّر الهلال لزدتكم، كالمنكِّلِ لهم حين أبوا أن ينتهوا﴾ رواه مسلم (٢٥٦٦) والبخاري والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن حزم والدارمي. وفي رواية ثانية لمسلم (٢٥٧٠) وأحمد وابن خزيمة بلفظ ﴿ قال: فأخذ يواصل رسول الله ﷺ وذاك في آخر الشهر، فأخذ رجالٌ من أصحابه يواصلون، فقال النبي ﷺ: ما بال رجالٍ يواصلون؟ إنكم لستم مثلي أما والله لو تمادَّ لي الشهرُ لواصلت وصالًا يدع المتعمِّقون تعمُّقَهم﴾ .
[ ٢٠٨ ]
الحديثان في البندين ٧، ٨ ضعيفان فيتركان ولا يُحتجُّ بهما. لقد جاء النهي عن الوصال بألفاظٍ ثلاثة (نهى عن الوصال) في الأحاديث ١، ٢، ٥، ١٠، ١٢ و(إياكم والوصال) في الحديث ٣ و(لا تواصلوا) في الحديثين ٤، ١١. فهذا النهي بألفاظه الثلاثة ردٌّ على من قالوا بجواز الوصال وإباحته، فلم تبق إلا الكراهة أو التحريم، فلننظر في الأحاديث مرة أخرى باحثين عن الدليل أو القرينة التي تحدِّد أيًا من الحُكْمين هو المشروع.
جاء في الحديث الرابع، رواية ابن خُزيمة (إياكم والوصال، قالها ثلاثًا) أي جاء قول الرسول ﷺ (إياكم والوصال، إياكم والوصال، إياكم والوصال) وما أرى رسول الله ﷺ يشدِّد في النهي عن الوصال هذا التشديد إلا لأنه حرام لا يجوز، فالتكرار يصلح قرينة على أن النهي نهيٌ جازم. ثم جاء الحديث الثاني عشر يذكر أن النبي ﷺ قد عاقب الذين واصلوا وأبَوْا أن ينتهوا عن الوصال أي رفضوا النهي عن الوصال، ووصف العقوبة بأنها تنكيلٌ حين أَبَوْا أن ينتهوا، ولا يكون كل ذلك إلا دالًا على أن النهي هو نهي جازم يفيد التحريم، ولو كان النهي غير جازم لما عاقبهم الرسول ﷺ، ولما نكَّل بهم. فهذا الحديث يدلُّ لفظه على أن النهي الوارد في الأحاديث هو نهي جازم.
ثم جاءت الرواية الثانية عند مسلم تؤكِّد الجزم والإلزام بقول الرسول ﷺ (أما والله لو تمادَّ لي الشهرُ لواصلتُ وصالًا يدع المتعمِّقون تعمُّقَهم) فقد وصف الذين يواصلون بأنهم متعمِّقون، وتوعدهم بوصالٍ طويلٍ كعقوبة، حتى يلتزموا بالنهي ويَدَعوا الوصال. فالتوعُّد بالعقوبة قرينةٌ، ووصفُهم بالتعمُّقِ قرينةٌ ثانيةٌ على أن النهي عن الوصال في الأحاديث هو نهي تحريم، وليس نهي كراهة فقط.
[ ٢٠٩ ]
أما التوعد بالعقوبة فظاهر، وأما وصفهم بالتعمُّق فلأن التعمُّق في الشرع حرام ومحظور، فعن عبد الله – بن مسعود – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿هلَك المتنطِّعون، قالها ثلاثًا﴾ رواه مسلم (٦٧٨٤) وأبو داود وأحمد. والمتنطِّعون من التنطُّع وهو التعمُّق قاله صاحب مختار الصحاح وصاحب أساس البلاغة وصاحب لسان العرب وغيرهم. فالتنطُّع لغةً هو التعمُّق. فقوله في الحديث: هلك المتنطِّعون، أي هلك المتعمِّقون، ولا يقال ذلك إلا إذا كان التعمُّق حرامًا.
وأخيرًا جاء الحديث الخامس يصف الوصال بأنه فعل النصارى، وهو من أبلغ صيغ القول على إرادة التحريم وذلك أن تقليد الكفار في شؤون الدين حرام لا يجوز.
ثم إن الصوم عبادة والعبادة حتى تصح ويجوز فعلها لا بد من أن تَرِدَ في الشرع فإن لم تَرِدْ في الشرع لم يصح فعلها، لأنها لا تكون عبادة أصلًا. وكذلك الوصال في الصوم، فإنه حتى يكون عبادةً شرعًا ومن ثمَّ يصح فعلُه، لا بد من أن يَرِدَ في الشرع، فإن ورد في الشرع واصلنا، وإلا توقفنا عنه، فإن لم نفعل نكن قد عبدنا الله سبحانه بغير ما شرع، وهو حرام لا يجوز، فأين الدليل على جواز الوصال؟
فإن قال قائل: إن رسول الله ﷺ كان يواصل، أجبناه بقوله عليه وآله الصلاةُ والسلام (إني لست كهيئتكم)، (إنكم لستم في ذلك مثلي) (لست كأحدٍ منكم)، (لستم مثلي)، (وأيُّكم مثلي؟) وهذه من أبلغ الصيغ على أن الوصال من خصوصياته ﷺ، لا ينبغي لأحد أن يفعله، أو أن يدَّعي أنه مشروع لغيره ﷺ. فما اختصَّ به الرسول ﷺ لم يُشرع للمسلمين وإنما شُرع له فحسب، فكان مقصورًا عليه وحده، وهذا معلوم لكلِّ عالم وفقيه.
[ ٢١٠ ]
فإن قال قائل: إن الحديث الأول يبيِّن أن النهي عن الوصال إنما هو رحمة بالناس، وأن الحديث العاشر يقول (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرِّمْهما إبقاءً على أصحابه) وهذا تعليل للنهي عن الوصال، والعلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإن وجدت العلة وُجد الحكم وإن انتفت العلة انتفى الحكم، فالشخص إن كان قادرًا على الوصال فقد انتفت في حقِّه علةُ الرحمة به والإبقاء عليه؟ أجبناه بما يلي:
إن تعليل النهي عن الوصال بالرحمة، والإبقاء على الناس هو من قول عائشة في الحديث الأول، ومن قول صحابيٍّ في الحديث العاشر، وليس هو من لفظ رسول الله ﵌، فعائشة ذكرت أن النهي من الرسول ﵌ إنما هو رحمة بالناس، والصحابي ذكر أن النهي منه إنما هو للإبقاء على الناس، ثم إنَّ هذا التعليل كان يمكن قبوله لو لم ترد نصوصٌ صريحةٌ تحظر الوصال على إطلاقه فيُترك هذا التعليل ولا يُلتفت إليه.
ثم إن رسولنا الكريم ﷺ نهى عن الوصال لأمرين: أولًا لأنه من خصوصياته ﵊ كما بيَّنَّا، وثانيًا لأنه تعمُّق في الدين، ولم يذكر الرحمة ولم يذكر الإبقاء على الناس، فنقف عند ما بيَّنه الرسول ﷺ، وندع ما ظنَّته عائشة وما ظنه الصحابي.
وأقول مثل ذلك بخصوص قول الصحابي في الحديث العاشر (نهى عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما) فهو وإن كان قوله (نهى عن الحجامة والمواصلة) يعتبر مرفوعًا ومن ثمَّ يجب قبوله، فإن قوله (ولم يحرمهما) هو اجتهادٌ وفهمٌ لهذا الصحابي فيما نقله، ونحن لسنا بملزمين باجتهاد الصحابي ولا بفهمه، لا سيما وقد جاءت النصوص تعارض هذا الاجتهاد والفهم.
[ ٢١١ ]
وقد يقول قائل: إن الحديث الحادي عشر قد شَرع للمسلمين الوصال حتى السحر، فكان الوِصال للمسلمين مشروعًا، فنقول له: إنه تخصيصٌ للعام، والشرع يملك تخصيص العام طبعًا، فالشرع الذي حرَّم عموم الوصال، أخرج الوصال إلى السحر من هذا العموم، بمعنى أنه قد أجاز الوصال إلى السَّحر وحده ولم يُجِزْ غيره، ولم يخصِّص غيره، ولم ينسخ الحكم العام، بل بقي الحكم العام قائمًا، وهذا ظاهر في الحديث الحادي عشر نفسه، فأوَّلُه يقول (لا تواصلوا) هكذا على إطلاقه، ثم قال (فأيُّكم أراد أن يواصل فلْيواصل حتى السَّحَر) ولا ينسخ القولُ الثاني القولَ الأول طبعًا، فالقول الأول باق، والقول الثاني باقٍ هو الآخر، وكلاهما مشروع، ولا يلغي ولا ينسخُ أحدُهما الآخر.
وعليه فإنا نقول إن الوصال أكثر من يوم وليلة حتى السحر، أي موعد تناول السَّحور، حرام لا يجوز، ويزداد حُرمةً كلما زاد الوصال وطال، فالوصال يومين حرام والوصال ثلاثة أيام أشدُّ حرمة، وهكذا، لأن الزيادة في الحرام زيادة في التعدِّي على شرع الله وأمرِ الله، وتمادٍ في المعصية.
ومن ذلك يظهر أن ما ذهب إليه الأكثرون من تحريم الوصال هو الصحيح، ويظهر بظهوره أن القول بالكراهة خطأ فضلًا عن القول بالجواز.
صومُ الحائض والنُّفَساء:
لا يحل لامرأةٍ حائضٍ ولا لنُفَساء أن تصوما في حالتي الحيض والنفاس، وقد مرَّ هذا البحث بتمامه في الفصل [صيام رمضان – أحكامٌ عامة] .
صومُ المرأة تطوُّعًا بدون إذن زوجها:
لا يحل لزوجة أن تصوم تطوعًا إلا بإذنٍ من زوجها، وقد مرَّ هذا البحث بتمامه تحت عنوان [صوم المرأة بإذن زوجها] في الفصل [صيام التطوع – أولًا: أحكامٌ عامة] .