ويأتي هذا الصوم في منزلةٍ تلي منزلة صوم عرفة، ذلك أنَّ صيام يوم عرفة يكفِّر سنتين، أما صيام عاشوراء فيكفِّر سنة واحدة، وإن تكفير سنةٍ كاملةٍ لا شك في أنه خير كبير وفضل عظيم أيضًا، فليحرص المسلم على صيامه ليمحو آثامه وذنوبه التي اقترفها في عام كامل وما أكثرها، خاصة في زماننا هذا الذي هُجر فيه الدين فصار غريبًا، وفشت فيه جميع المعاصي والمنكرات والقبائح والرذائل، حتى بات المتدين لا يكاد يجد بقعة من الأرض يطمئن فيها إلى الحفاظ على دينه، والسلامة من الشرور والآثام، وقد جاء ذكر صوم عاشوراء فيما يلي:
[ ١٧٢ ]
١- عن أبي قَتَادة رضي الله تعالى عنه عن الرسول ﷺ قال ﴿صوم عاشوراء يكفِّر السنة الماضية، وصوم عرفة يكفِّر سنتين: الماضية والمستقبَلة﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٨٠٩) وأحمد والبيهقي وأبو داود وابن حِبَّان. ورواه ابن ماجة (١٧٣٨) وعبد الرزاق بلفظ ﴿صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله﴾ ورواه الترمذي (٧٤٩) وقال [ وبحديث أبي قتادة يقول أحمد وإسحق] وقد سبق حديثٌ لأبي قتادة رواه مسلم وغيره تجدونه في البند الأول من صيام يوم عرفة، وجاء فيه ﴿ وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله﴾ .
٢- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿ما رأيت النبي ﷺ يتحرى صيام يومٍ فضَّله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء، وهذا الشهر، يعني شهر رمضان﴾ رواه البخاري (٢٠٠٦) ومسلم والنَّسائي وأحمد.
[ ١٧٣ ]
وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم على الصحيح، وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء وليس اليوم التاسع كما يقول قلَّة منهم، وذلك أن كلمة عاشوراء بمعنى اليوم العاشر هي مقتضى الاشتقاق والتسمية، وأنَّ اليوم التاسع يسمى تاسوعاء. ثم إن الأحاديث تدل على هذا، فعن عبد الله بن عباس ﵁ قال ﴿أمر رسول الله ﷺ بصوم عاشوراء يوم العاشر﴾ رواه الترمذي (٧٥٢) وقال [حديث ابن عباس حديث حسن صحيح] وعن عائشة ﵂ ﴿أن النبي ﷺ أمر بصيام عاشوراء يوم العاشر﴾ رواه البزَّار (١٠٥١) . قال الهيثمي [رجاله رجال الصحيح] وهما حديثان يدلان على أن عاشوراء هو اليوم العاشر منطوقًا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع – وفي رواية أبي بكر قال: يعني يوم عاشوراء -﴾ رواه مسلم (٢٦٦٧) وأحمد بن حنبل والبيهقي. وفي رواية ثانية لمسلم (٢٦٦٦) وأبي داود من طريقه ﵁ بلفظ ﴿ قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظِّمُه اليهود والنصارى، فقال رسول الله ﷺ: فإذا كان العام المقبل – إن شاء الله – صمنا اليوم التاسع قال: فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتى توفي رسول الله ﷺ﴾ وهذا الحديث يدل أيضًا على أن عاشوراء هو اليوم العاشر وليس التاسع كما توهم عدد من الفقهاء، وذلك أن الرسول ﷺ كان يصوم عاشوراء كما هو ثابت في النصوص ويقول هذا الحديث إن الرسول ﷺ نوى أن يصوم اليوم التاسع إلا أنه توفي قبل أن يصومه فلم يصمه مما يدل دلالة بالغة القوة والوضوح على أن العاشر هو ما كان رسول الله ﷺ يصومه، وأن اليوم التاسع لم يصمه الرسول ﵊ مطلقًا، وقد جاء اللفظ عند ابن ماجة (١٧٣٦) مبيِّنًا علة صيام اليوم
[ ١٧٤ ]
التاسع في العام المقبل، هكذا ﴿لئن بقيتُ إلى قابل لأصومنَّ اليوم التاسع، قال أبو علي: رواه أحمد بن يونس عن ابن أبي ذئب، زاد فيه: مخافةَ أن يفوته عاشوراء﴾ فهو ﵊ نوى أن يصوم التاسع احتياطًا فحسب. أما ما رواه الحكَم بن الأعرج عن ابن عباس ﵁ قال ﴿إذا رأيت هلال المحرم فاعدُدْ، وأَصبحْ يوم التاسع صائمًا، قلت: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ قال: نعم﴾ رواه مسلم (٢٦٦٤) والنَّسائي وأبو داود والترمذي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة. فإن نحن أخذناه على ظاهره دون تأويل، فإنا نقول إنه يعارض الأحاديث الكثيرة – ومنها ما رواه ابن عباس نفسه – القائلة بالعاشر، وعند التعارض لا بد من رد أحدها، فنضطر لردِّ هذا الحديث لمخالفته الأحاديث الكثيرة القائلة بالعاشر. ولكن التأويل في مثل هذه الحال أولى إن كان يؤدي إلى عدم رد أحدها، فبالتأويل نقول ما يلي:
[ ١٧٥ ]
إن ابن عباس ﵁ كان قد نقل أن الرسول ﷺ نوى أن يصوم اليوم التاسع، وأنه توفي قبل تحقيق هذه النية، فصار عند ابن عباس مفهومٌ هو أن صيام عاشوراء يبدأ في اليوم التاسع، وأنه صار هو المشروع الذي شرعه رسول الله ﷺ، فصار ابن عباس منذئذٍ يفتي بهذا، وفي حديثنا هذا إفتاءُ ابن عباس بهذا الحكم فقال (إذا رأيت هلال المحرَّم فاعْدُدْ، وأَصبِحْ يومَ التاسع صائمًا) ولا شيء في هذه الفتيا فنحن جميعًا نقول بها، ولكن السائل أحب أن يتثبَّتَ من هذه الفتيا هل هي اجتهاد من ابن عباس أم هي تشريع نبوي؟ فسأل: هكذا كان رسول الله ﷺ يصومه؟ وهو يعني: قد شرع صيامه؟ فجاء الجواب من ابن عباس بنعم. فالإشكال آتٍ من قول السائل (يصومه) ولو أنه قال (أمر بصيامه) أو (شرع صيامه) لزال الإشكال. وبهذا التأويل نكون قد أعملنا النصوص كلَّها، وأزلنا ما يبدو بينها من تعارضٍ وخلاف.
[ ١٧٦ ]
وكما جاء تشريع صيام اليوم التاسع احتياطًا – أي مخافة أن يفوته عاشوراء – كما ورد في رواية ابن ماجة، فقد جاء التشريع بعلة أخرى ربما كانت هي الأصلَ، وهي الأَوْلى، هي أن اليهود كانوا يصومون عاشوراء كما سيأتي بيان ذلك بعد قليل، وحيث أن الرسول ﷺ كان يحثُّ المسلمين دائمًا على مخالفة اليهود والنصارى، فإنه أراد أن يُصام قبل عاشوراء يومٌ، أو يُصام بعده يومٌ فتتم المخالفة، فقد روى أحمد (٢١٥٤) والبيهقي عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿صوموا يوم عاشوراء وخالفوا فيه اليهود، صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا﴾ فالتشريع بصيام تاسوعاء إنما جاء لمخالفة اليهود ولم يأت لذاته، ولم يأت على أنه عاشوراء، وإلا فإن المخالفة لا تحصل. وهذا الحديث يقوِّي فهمَنا بأن اليوم العاشر هو المتعين، وأن اليوم التاسع يُضَمُّ في الصوم إليه. والخروج بالجمع بين الأحاديث التي تبدو متعارضة، تهنأ به النفوس، وتنشرح له الصدور، والحمد لله رب العالمين.
أما السبب في مشروعية صيام يوم عاشوراء، فقد ورد فيه عدد من الأحاديث نختار منها ما يفي بالغرض:
١- عن ابن عباس ﵁ قال ﴿قدم النبي ﷺ المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومُ نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: أنا أحقُّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه﴾ رواه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم وأبو داود وابن ماجة والنَّسائي وأحمد والدارمي.
[ ١٧٧ ]
٢- عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال ﴿كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتَّخذونه عيدًا ويُلِبسون نساءَ هم فيه حُلِيَّهم وشارَتَهم، فقال رسول الله ﷺ: فصوموه أنتم﴾ رواه مسلم (٢٦٦١) . ورواه البخاري (٢٠٠٥) بلفظ ﴿كان يوم عاشوراء تعدُّه اليهود عيدًا قال النبي ﷺ: فصوموه أنتم﴾ قوله شارتهم: أي هيأتهم الحسنة. فالرسول ﵊ قد شرع لنا صيام عاشوراء لأن الله سبحانه نجَّى في هذا اليوم نبيَّه موسى ﵇ من فرعون، فصامه موسى شكرًا، فأمرنا رسولنا ﷺ بصيامه.