[ ١٥٢ ]
إن مما شُرِع للناس من صيام التطوع صيامَ ثلاثةِ أيامٍ من كل شهر، وقد جاءت النصوص بذِكْرِها والحثِّ عليها وأنَّ مَن صامها فكأنما صام الدهر كله، وذلك أن الحسنة بعشر أمثالها فصيام ثلاثة أيام من الشهر يعدل صيام ثلاثين يومًا، أي الشهر كله، فمن داوم عليها كل شهر فكأنه صام الأشهرَ كلَّها والسنة كلها، وهي صيام الدهر. وإن من فضل صيام هذه الأيام الثلاثة، إضافةً إلى الحسنات والثواب في الآخرة أنها تغسل الصدور والقلوب من أدرانها وأمراضها، من مثل الوساوس والضغائن والأحقاد والعداوات وما إلى ذلك، فليحرص المسلم على صيامها ليجني خيرها في الدنيا قبل خيرها في الآخرة. وهذه طائفة من النصوص تذكر كل ذلك:
١- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال ﴿أوصاني خليلي بثلاثٍ لا أَدَعُهُنَّ حتى أموت: صومُ ثلاثة أيام من كل شهر وصلاةُ الضحى ونومٌ على وتر﴾ رواه البخاري (١١٧٨) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وأحمد والدارمي.
٢- وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿شهرُ الصبر وثلاثةُ أيام من كل شهر صومُ الدهر﴾ رواه النَّسائي (٢٤٠٨) وأحمد وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي. قوله شهر الصبر: هو شهر رمضان.
٣- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه، قال لي رسول الله ﷺ ﴿ وإنَّ بِحَسْبِك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام فإنَّ لك بكل حسنة عشرَ أمثالها، فإِذنْ ذلك صيامُ الدهر كلِّه ﴾ رواه البخاري (١٩٧٥) ورواه الطحاوي وابن حِبَّان باختلاف في الألفاظ.
[ ١٥٣ ]
٤- وعنه ﵁ قال ﴿أُخْبِر رسولُ الله ﷺ أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها وذلك مثل صيام الدهر ﴾ رواه البخاري (١٩٧٦) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وقد مرَّ في البند الثاني من البحث السابق [صيام يوم بعد يوم] .
٥- عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿صيامٌ حسنٌ ثلاثةُ أيامٍ من الشهر﴾ رواه النَّسائي (٢٤١١) وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة وابن أبي شَيْبة.
٦- عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من صام ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صومُ الدهر فأنزل الله ﷿ تصديقَ ذلك في كتابه: من جاء بالحسنة فله عشرُ أمثالها، فاليوم بعشرة أيام﴾ رواه ابن ماجة (١٧٠٨) . ورواه الترمذي وحسَّنه هو والسيوطي. ورواه أحمد وابن حِبَّان وأبو داود الطيالسي باختلاف في الألفاظ.
٧- عن معاوية بن قُرَّة عن أبيه – قُرة بن إِياس – عن النبي ﷺ ﴿قال في صيام ثلاثة أيام من الشهر: صوم الدهر وإِفطاره﴾ رواه أحمد (١٦٣٥٧) والبزَّار والطبراني في كتاب المعجم الكبير. قال الهيثمي [رجال أحمد رجال الصحيح] ومعنى قوله (صوم الدهر وإِفطاره) أن المسلم رغم أنه يفطر الأيام كلها إلا ثلاثةً من كل شهر فقط، فإنه يُكتب له صيامُ أيامِ الدهر كلِّها.
[ ١٥٤ ]
٨- عن يزيد بن عبد الله بن الشِّخَّير عن الأعرابي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ﴿صوم شهر الصبر وثلاثة أيام من كل شهر يُذهبن وَحَرَ الصدر﴾ . رواه أحمد (٢٣٤٥٨) وابن حِبَّان والبيهقي والطبراني في المعجم الكبير. ورواه البزَّار (١٠٥٧) بلفظه من طريق ابن عباس ﵁. ورواه النَّسائي (٢٣٨٥) عن رجل من أصحاب النبي ﷺ بلفظ ﴿ ألا أُخبركم بما يُذْهِبُ وَحَرَ الصدر؟ صوم ثلاثة أيام من كل شهر﴾ وجهالة الصحابي لا تضر لأنهم جميعًا عدول قوله: وَحَرَ الصدر: يعني غِشَّه ووساوسَه وحقدَه وما إلى ذلك.
تدل هذه الأحاديث على استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وهو ما اتفق عليه الفقهاء كلهم، ولكنهم اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة، فذهب أبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأصحابه وأحمد وإسحق بن راهُويه وابن حبيب من المالكية إلى أنها أيامُ ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ من الشهر، وبه قال عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبو ذر، وكثيرٌ من التابعين. وذهب مالك إلى كراهة تعيينها، وأن السُّنَّة هي صوم ثلاثة أيام غير معيَّنة. وذهب الحسن البصري إلى استحباب الثلاثة من أول الشهر. وذهب إبراهيم النخعي إلى استحبابها من آخر الشهر. وذهب ابن شعبان من المالكية إلى استحباب أول يوم من الشهر، واليوم الحادي عشر، واليوم العشرين. وذهب قوم إلى استحبابها في يومي الاثنين والخميس. قال ذلك العراقي.
والحق الذي ينبغي الذهاب إليه هو أن أفضل ما تصام هذه الأيام الثلاثة إنما يكون في إحدى حالتين: فإِما أن تُصام في الأيام البيضِ الغُرِّ، وهي الأيام ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ من الشهر، وإِما أن تصام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس. وقد وردت النصوص بهاتين الحالتين، فيستحب تَحرِّي صيامِ هذه الأيام الثلاثة فيهما، دون تفضيلٍ لإِحداهما على الأخرى.
[ ١٥٥ ]
ولقد أخطأ من حصر الاستحباب في واحدة منهما، كما أخطأ خطأً أكبرَ من كره تعيينها ومن قال بغير هاتين الحالتين. ولم أجد فيما قرأت فقيهًا قال باستحباب الحالتين على صعيد واحد. وأذكر الآن النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في الأيام البيضِ الغُرِّ، ثم أذكر بعدها النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس:
أولًا: النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في الأيام البِيضِ الغُرِّ:
- عن جرير بن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال ﴿صيامُ ثلاثة أيام من كل شهر صيامُ الدهر، وأيام البِيض صبيحة ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ﴾ رواه النَّسائي (٢٤٢٠) بإسناد صحيح. ورواه الطبراني في المعجم الصغير والبيهقي في الشُّعَب وأبو يعلى.
- عن ملحان القيسي ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم البِيضَ: ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ، قال: وقال: هنَّ كهيئة الدهر﴾ رواه أبو داود (٢٤٤٩) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان والبيهقي.
- عن أبي ذر ﵁ قال ﴿أَمَرَنا رسولُ الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثةَ أيام البِيض: ثلاثَ عشْرةَ وأربعَ عشْرةَ وخمسَ عشْرةَ﴾ رواه النَّسائي (٢٤٢٣) والترمذي وحسَّنه. ورواه أحمد وابن حِبَّان والبيهقي وأبو داود الطيالسي.
[ ١٥٦ ]
- عن موسى بن طلحة عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ بأرنبٍ قد شواها فوضعها بين يديه، فأمسك رسول الله ﷺ فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا، وأمسك الأعرابي، فقال له النبي ﷺ: ما يمنعك أن تأكل؟ قال: إني صائم ثلاثة أيام من الشهر، قال: إن كنت صائمًا فصم الغُرَّ﴾ رواه النَّسائي (٢٤٢١) وابن حِبَّان وأحمد بسند صحيح. ووقع عند النَّسائي (٢٤٢٨) من طريق موسى بن طلحة بلفظ ﴿ فقال النبي ﷺ: مالك؟ قال: إني صائم، فقال له النبي ﷺ: فهلا ثلاثَ البِيض ثلاثَ عشْرةَ، وأربعَ عشْرةَ، وخمسَ عشْرةَ﴾ وهو تفسير لقوله في الرواية السابقة (فصم الغُرَّ) بل قد أورد النَّسائي عدة روايات مماثلة للرواية هذه.
ثانيًا: النصوص الحاثة على صيام الأيام الثلاثة في يومي الاثنين والخميس:
١- عن عبد الله بن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، يوم الاثنين من أول الشهر، والخميس الذي يليه، ثم الخميس الذي يليه﴾ رواه النَّسائي (٢٤١٤) بسند جيد. ورواه أحمد (٥٦٤٣) بلفظ ﴿كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: الخميس من أول الشهر، والاثنين الذي يليه، والاثنين الذي يليه﴾ .
٢- عن أم سلمة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس والاثنين والاثنين﴾ رواه النَّسائي (٢٤١٩) وأحمد.
٣- وعنها ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس من هذه الجمعة، والاثنين من المقبلة﴾ رواه النَّسائي (٢٣٦٥) . قوله الجمعة: يعني الأسبوع هنا فالجمعة تطلق أحيانًا ويراد بها الأسبوع
[ ١٥٧ ]
٤- عن هُنَيْدَةَ الخُزاعي عن أُمِّه قالت ﴿دخلتُ على أم سلمة فسألتُها عن الصيام؟ فقالت: كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر أولها الاثنين والخميس﴾ رواه أبو داود (٢٤٥٢) والبيهقي. ورواه الإمام أحمد (٢٧٠١٣) بلفظ ﴿كان رسول الله ﷺ يأمرني أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أولها الاثنين والجمعة والخميس﴾ .
٥- عن حفصة ﵂، زوجِ النبي ﷺ ﴿أن النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر: يوم الاثنين ويوم الخميس ويوم الاثنين من الجمعة الأخرى﴾ رواه أحمد (٢٦٩٩) وأبو داود والبيهقي.
فمن اختار أن يصوم الأيام الثلاثة في وسط الشهر: ثلاثَ عشْرة وأربعَ عشْرة وخمسَ عشْرة، فقد أحسن، ومن اختار أن يصومها في يومي الاثنين والخميس فقد أحسن أيضًا. وهذه النصوص والتي قبلها ردٌّ على مالك القائل بكراهة تعيينها، ولا أرى له من شبهة دليل إلا ما رواه مسلم (٢٧٤٤) وابن ماجة والترمذي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة والبيهقي عن معاذة العدوية أنها سألت عائشةَ ﵂، زوجَ النبي ﷺ ﴿أكان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم﴾ .
[ ١٥٨ ]
فهذا الحديث والقول الأخير من عائشة يُحمَل على وصف صيام الرسول ﷺ فيما اعتاده واشتُهر عنه، والذي اعتاده واشتُهر عنه أنه كان يصوم أكثر من ثلاثة أيام في الشهر، فكان قول عائشة هذا يصف هذا الصوم المعتاد والمشتهر عنه ﵊ ولم يكن القول هذا وصفًا مقصورًا على صيام ثلاثة أيام فحسب فمن كثر صيامه كأَنْ يصوم عشرة أيام في الشهر فإنه لا يتسنَّى له الاقتصار على الأيام البيض، ولا على الاثنين والخميس، وعندئذٍ يصوم أي يوم شاء وبأية كيفية، ولا يقوى هذا الحديث على معارضة أحاديثنا السابقة، بل هو لا يعارضها وإنما جاء عامًا في صيام التطوع، وجاءت أحاديثنا خاصة في صيام ثلاثة أيام.