[ ١٤٨ ]
وهو ما كان يفعله رسول الله ﷺ، فقد كان ﵊ لا يمرُّ عليه شهر دون أن يصوم أيامًا منه، ولم يُعرف عنه ﷺ أنه صام شهرًا كاملًا غير شهر رمضان، فعن عبد الله بن شقيق قال ﴿قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم شهرًا كلَّه؟ قالت: ما علمتُه صام شهرًا كلَّه إلا رمضان، ولا أفطره كلَّه حتى يصوم منه، حتى مضى لسبيله ﷺ﴾ رواه مسلم (٢٧١٨) والنَّسائي وأحمد. وعن أبي سلمة قال ﴿سألتُ عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ؟ فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر، ولم أره صائمًا من شهرٍ قط أكثرَ من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلًا﴾ رواه مسلم (٢٧٢٢) والبخاري وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال ﴿ما صام رسول الله ﷺ شهرًا كاملًا قط غيرَ رمضان، وكان يصوم إذا صام حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر ويفطر إذا أفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم﴾ رواه مسلم (٢٧٢٤) والدارمي. ورواه الترمذي (٧٦٥) من طريق عائشة ﵂.
صيامُ يوم بعد يوم:
إنَّ أفضل صيام التطوع صوم يوم وإفطار يوم، وهو ما كان يفعله نبي الله داود ﵇، فلا صوم أفضل منه إلا صوم الفريضة، فلا ينبغي لمسلم أن يزيد عليه بل يقف عنده ولا يتجاوزه بحال من الأحوال. وقد وردت نصوص كثيرة تذكره وتبين فضله وتنهى عن الزيادة عليه، أذكر جملة منها تفي بالغرض:
[ ١٤٩ ]
١- عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ ﴿أَحَبُّ الصيام إلى الله صيامُ داود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأَحَبُّ الصلاة إلى الله صلاةُ داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه﴾ رواه البخاري (٣٤٢٠) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد والدارمي وابن ماجة.
٢- وعنه ﵁ قال ﴿أُخْبِر رسولُ الله ﷺ أني أقول: والله لأصومنَّ النهار ولأقومنَّ الليل ما عشتُ، فقلت له: قد قلتُه بأبي أنت وأمي، قال: فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأَفطر وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر، قلت: إني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يومًا وأفطر يومين، قلت: إني أُطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يومًا وأفطر يومًا فذلك صيام داود ﵇، وهو أفضل الصيام فقلت: إني أُطيق أفضل من ذلك، فقال النبي ﷺ: لا أفضل من ذلك﴾ رواه البخاري (١٩٧٦) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد. وفي روايةٍ ثانيةٍ للبخاري (١٩٨٠) ومسلم والنَّسائي من طريقه بلفظ ﴿ لا صومَ فوق صوم داود ﵇ شطرُ الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا﴾ وفي رواية لأحمد (٦٨٦٧) من طريقه بلفظ ﴿ قال: صم صومَ نبي الله داود ولا تَزِدْ عليه، قلت: يا رسول الله: وما كان صيام داود؟ قال: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا﴾ .
[ ١٥٠ ]
٣- وعنه ﵁ قال ﴿أَنكحني أبي امرأةً ذات حَسَب، فكان يتعاهد كَنَّتَهُ فيسألها عن بعلها، فتقول: نِعْمَ الرجلُ من رجلٍ لم يطأ لنا فراشًا، ولم يفتِّش لنا كَنَفًا منذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه ذَكَرَ للنبي ﷺ، فقال: القَني به، فلقيته بعدُ، فقال: كيف تصوم؟ قلت: أصوم كلَّ يوم، قال: وكيف تختم؟ قال: كلَّ ليلة، قال: صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر، قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة، قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: أفطر يومين وصم يومًا، قال: قلت: أُطيق أكثر من ذلك، قال: صم أفضل الصوم صومَ داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليالٍ مرة، فليتني قبلتُ رخصةَ رسول الله ﷺ وذاك أني كبرتُ وضعفتُ ﴾ رواه البخاري (٥٠٥٢) والنَّسائي والطحاوي وابن حِبَّان. ورواه أحمد (٦٤٧٧) بلفظ ﴿ فلما دخلتْ عليَّ جعلتُ لا أَنْحاشُ لها، مما بي من القوة على العبادة من الصوم والصلاة ﴾ قوله: ولم يُفَتِّش لنا كَنَفًا، الكَنَف: الستر والجانب. وهذا القول منها هو كناية عن عدم جماع زوجها لها، يفسِّره ما جاء في رواية أحمد (جعلتُ لا أَنحاشُ لها) أما قوله (فليتني قبلتُ رخصةَ رسول الله ﷺ) فهو يعني أن عبد الله عندما كبر وضعف صار يجد صعوبة بالغة ومشقة في صيام يوم وإفطار يوم فتمنى لو أنه قَبِلَ ما عرضه عليه النبي ﷺ من عروض أخفَّ منه، يفسر ذلك ما وقع عند مسلم (٢٧٢٩) من طريقه بلفظ ﴿ قال: صم يومًا وأفطر يومًا وذلك صيام داود – ﵇ – وهو أعدل الصيام، قال: قلت: فإني أُطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله ﷺ: لا أفضل من ذلك، قال عبد الله بن عمرو – ﵄ – لأَنْ أكونُ قبلتُ الثلاثة الأيام التي قال رسول الله صلى الله
[ ١٥١ ]
عليه وسلم أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي﴾ .
ومع هذه النصوص البالغة الوضوح في وصف صيام داود بأنه أفضل الصيام، وأنه أحب الصيام إلى الله، وأنه لا أفضل منه، وأنه لا صومَ فوقه، ومع الأمر النبوي الكريم بعدم الزيادة عليه، يذهب أبو حامد الغزالي وغيره إلى القول إن صوم الدهر – أي صوم كل الأيام – أفضل من صيام داود، لأنه على حدِّ ادعائه أكثرُ عملًا فيكون أكثرَ أجرًا. وهذا القول ساقط، وإلا لقلنا إن الطواف في الحج حول الكعبة عشرة أشواطٍ أو عشرين شوطًا أفضل من الطواف سبعة أشواطٍ، ولقلنا إنَّ المبيت بمنى أكثر من ثلاثة أيام أفضل، ولقلنا إنَّ السعي بين الصفا والمروة عشرين شوطًا أفضل، وهكذا نفتح على أنفسنا بابًا من أبواب الشيطان، فنغرق في اللَّجاج والغُلو، ونبتعد كليةً عن الهَدْي النبوي الكريم، بل ونبتعد كليةً عما شرعه الله سبحانه من عبادات وأحكام. وفي المقابل قال ابن حزم [وإذا أخبَر ﵇ أنه لا أفضل من ذلك فقد صح أن من صام أكثر من ذلك فقد انحطَّ فضلُه، وإذا انحطَّ فضلُه فقد حبطت تلك الزيادة بلا شك، وصار عملًا لا أجر له فيه، بل هو ناقص من أجره، فصح أنه لا يحلُّ أصلًا] .