[ ٥٦ ]
ذهب الجمهور إلى أن من أصبح جنبًا فصومه صحيح ولا قضاء عليه من غير فرق بين أن تكون الجنابة من جماعٍ أو من احتلامٍ أو من فورة شهوة. وجزم النووي بأن الإجماع من العلماء قد استقر على ذلك. وقال ابن دقيق العيد إنه صار إجماعًا أو كالإجماع. ونقل ابن عبد البر عن الحسن بن صالح وإبراهيم النخعي إيجابَ القضاء في الفرض دون التطوُّع. ونقل الماوَرْدي أن الاختلاف إنما هو في حق الجُنُب من جماع، وأَما من احتلام فأجمعوا على أنه يُجْزِؤُه. وقال الترمذي [وقد قال قوم من التابعين: إذا أصبح جُنُبًا يقضي ذلك اليوم] هذه هي خلاصة الأقوال في هذه المسألة. وحتى نستطيعَ الوقوف على الصواب فيها لا بدَّ من استعراض الأحاديث التي تتناولها:
١- عن عائشة ﵂ قالت ﴿أشهد على رسول الله ﷺ أنه كان لَيصبحُ جنبًا من جماعٍ غير احتلامٍ ثم يصومه﴾ رواه البخاري (١٩٣١) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. وروى مسلم أيضًا (٢٥٩١) من طريقها ﵂ ﴿كان رسول الله ﷺ يُصبح جنبًا من جماع لا من حُلُم، ثم لا يفطر ولا يقضي﴾ وروى البخاري أيضًا (١٩٣٠) ومسلم من طريق عائشة ﵂ ﴿كان النبي ﷺ يدركه الفجر جنبًا في رمضان من غير حلم فيغتسل ويصوم﴾ كما رويا مثل هذا اللفظ من طريق أم سلمة ﵂.
٢- عن أبي يونس مولى عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصومُ؟ فقال رسول الله ﷺ: وأنا تدركني الصلاة وأنا جُنُبٌ فأصوم ﴾ رواه مسلم (٢٥٩٣) وأبو داود والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة.
[ ٥٧ ]
٣- عن عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهما ﴿أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جُنُبٌ من أهله، ثم يغتسل ويصوم ﴾ رواه الإمام البخاري (١٩٢٥-١٩٢٦) ومسلم والترمذي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي باختلاف في الألفاظ.
فهذه أربع روايات صحيحة، تذكر أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جُنُب من جِماع أهله غير احتلام، ورواية خامسة، تذكر أنه كان يدركه الفجر وهو جنب دون تحديدٍ فيصوم، وهي روايات واضحة الدلالة على ما ذهب إليه الجمهور، وما كاد يُجمِع عليه العلماء والفقهاء، وهي في المقابل ردٌّ على المخالفين.
[ ٥٨ ]
وأما ما رُوي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ﴿إذا نودي للصلاةِ، صلاةِ الصبح، وأحدُكم جُنُبٌ فلا يصمْ يومئذٍ﴾ رواه أحمد (٨١٣٠) فإن أبا هريرة ﵁ قد رجع عن هذه الفتوى، فعن عامر بن أبي أمية أخي أم سلمة ﵂ أن أم سلمة حدَّثته ﴿أن رسول الله ﷺ كان يصبح جنبًا ثم يصوم فردَّ أبو هريرة فتياه﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٥٠٠) وأحمد والطبراني والطحاوي وأبو داود الطيالسي بسند صحيح. وعن أبي بكر بن عبد الرحمن قال ﴿سمعت أبا هريرة ﵁ يقصُّ، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصوم فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث – لأبيه – فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة ﵄، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال: فكلتاهما قالت: كان النبي ﷺ يصبح جنبًا من غير حُلُم، ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمتُ عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددتَ عليه ما يقول قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله قال: فذكر له عبد الرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم قال: هما أعلم، ثم ردَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن عباس فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي ﷺ، قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك الحديث، قلت لعبد الملك: أقالتا في رمضان؟ قال: كذلك كان يصبح جنبًا من غير حُلُم، ثم يصوم﴾ رواه مسلم (٢٥٨٩) والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن حِبَّان. أبو بكر هنا هو أبو بكر بن عبد الرحمن راوي الحديث. وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول ﴿من احتلم من الليل أو واقع أهله ثم أدركه الفجر ولم يغتسل فلا يصم، قال: ثم سمعته نزع
[ ٥٩ ]
عن ذلك﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٩٤٠) كما روى ابن أبي شيبة (٢/٤٩٤) عن سعيد بن المسيِّب [أن أبا هريرة رجع عن فتياه: من أصبح جنبًا فلا صوم له] . وبثبوت رجوع أبي هريرة عن فتياه لا تبقى أيةُ حجةٍ، بل ولا أيةُ شبهةٍ، لمن خالف قول الجمهور.