[ ١٦٧ ]
عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وصيام هذا اليوم أفضل من صيام أي يوم آخر من أيام السنة على الإطلاق، باستثناء صيام رمضان طبعًا، فهو يكفِّر سنةً قبله وسنةً بعده وهذا بلا شك فضل عظيم وخير عميم. وقد ذهب العلماء والفقهاء كلهم إلى القول باستحبابه،لم يخالف ذلك منهم أحد فيما أعلم، وهذا الاتفاق منهم على استحباب صيام يوم عرفة إنما هو متعلق بغير الحُجَّاج، أما مَن كان بعرفة حاجًا، فقد اختلفوا في صيامه على مذهبين: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي وسفيان الثوري إلى القول باستحباب الفطر لمن كان بعرفة، ورُوي مثلُه عن أبي بكر وعمر وعثمان وابن عمر ﵃. فيما ذهب أحمد والحسن البصري وقَتَادة، ومن الشافعية الخطابي والمتولي، إلى القول باستحباب الصوم إن قدر الحاج عليه، ولم يضعف عن الدعاء والذِّكْر المطلوب. ورُوي أن عائشة وأسامة بن زيد وعبد الله بن الزبير ﵃ كانوا يصومون يوم عرفة وهم حُجاج. قال الطبري [إنما أفطر رسول الله ﷺ بعرفة ليدل على الاختيار للحاج بمكة لكي لا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة] وهذه طائفة من النصوص المتعلقة بصوم عرفة:
١- عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال ﴿رجلٌ أتى النبي ﷺ، فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ من قوله – وذكر الحديث إلى أن قال – ثم قال رسول الله ﷺ: ثلاثٌ من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، صيامُ يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيامُ يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفِّر السنة التي قبله﴾ رواه مسلم (٢٧٤٦) وأبو داود والنَّسائي والترمذي. ورواه أحمد (٢٢٩٥٨) بلفظ ﴿ صوم يوم عرفة كفارة سنتين: سنة ماضية، وسنة مستقبلة، وصوم يوم عاشوراء كفَّارة سنة﴾ .
[ ١٦٨ ]
٢- عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿من صام يوم عرفة غُفر له ذنبُ سنتين متتابعتين﴾ رواه الطبراني في كتاب المعجم الكبير (٦/٥٩٢٣) وابن أبي شيبة وأبو يعلى. قال الهيثمي [رجال أبي يعلى رجال الصحيح] .
٣- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٨٤٣) وأبو داود وابن حِبَّان وابن ماجة وأحمد. ورواه ابن خُزيمة والحاكم وصححاه. وفيه مهدي العبدي قال ابن معين: لا أعرفه. وذكره ابن حِبَّان في الثقات. وصحَّح ابن خُزيمة حديثه. فمثل هذا الحديث يصح الاحتجاج به.
٤- عن أم الفضل ﵂ قالت ﴿شك ناسٌ من أصحاب رسول الله ﷺ في صيام يوم عرفة ونحن بها مع رسول الله ﷺ، فأرسلتُ إليه بقَعْبٍ فيه لبنٌ وهو بعرفة فشربه﴾ رواه مسلم (٢٦٣٥) وابن حِبَّان وأبو داود وأحمد. وفي لفظٍ ثان لمسلم (٢٦٣٢) والبخاري (١٩٨٨) ﴿ فأرسلتْ إليه بقدح لبنٍ وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه﴾ والقَعْب: هو إناء من خشب.
[ ١٦٩ ]
٥- عن ميمونة رضي الله تعالى عنها ﴿أن الناس شكُّوا في صيام النبي ﷺ يوم عرفة، فأرسلتُ إليه بحِلابٍ وهو واقف في الموقف، فشرب منه والناس ينظرون﴾ رواه البخاري (١٩٨٩) ومسلم وابن حِبَّان والبيهقي. وميمونة هي بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ وخالة ابن عباس وأخت أمِّه، أمِّ الفضل التي روت الحديث السابق. قوله: فأرسلتُ إليه بحِلاب: الحِلاب هو الإناء يُحْلَبُ فيه قال ابن حِبَّان تعقيبًا على حديثي أم الفضل وميمونة [في حجة الوداع كان نساءُ النبي ﷺ معه، وكذلك جماعة من قرابته، فيشبه أن تكون أم الفضل وميمونة كانتا بعرفات في موضع واحد، حيث حُمل القدح من اللبن من عندهما إلى النبي ﷺ فنُسِب القدح وبعثتُه إلى أم الفضل في خبر، وإلى ميمونة في آخر] .
٦- عن عبيد بن عمير قال ﴿كان عمر ينهى عن صوم يوم عرفة﴾ رواه النَّسائي في السنن الكبرى (٢٨٤٥) .
٧- عن نافع قال ﴿سُئل ابن عمر ﵄ عن صوم يوم عرفة؟ فقال: لم يصمه النبي ﷺ، ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان يوم عرفة﴾ رواه أحمد (٥٠٨٠) والنَّسائي في السنن الكبرى.
٨- عن أبي نَجِيح قال ﴿سُئل ابن عمر عن صوم عرفة؟ قال: حججتُ مع النبي ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، ومع عثمان فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمُرُ به ولا أنهى عنه﴾ رواه الترمذي (٧٤٨) وقال [هذا حديث حسن] ورواه ابن حِبَّان والدارمي والنَّسائي في السنن الكبرى وعبد الرزاق والطحاوي. وأبو نَجِيح اسمه يسار المكي مولى ثقيف.
[ ١٧٠ ]
٩- عن ابن عباس ﵁ ﴿دعا أخاه عبيدَ الله يوم عرفة إلى طعام، قال: إني صائم، قال: إنكم أئمةٌ يُقتَدى بكم، قد رأيت رسول الله ﷺ دعا بحِلابٍ في هذا اليوم، فشرب – وقال يحيى مرة – أهلُ بيتٍ يُقتَدى بكم﴾ رواه أحمد (٣٢٣٩) بسند جيد. ورواه الطبراني في كتاب المعجم الأوسط (٩١٨٢) ولفظه ﴿ دعا الفضل يوم عرفة وأن الناس يستنُّون بكم﴾ .
الحديثان الأول والثاني ذكرا فضل صيام عرفة وأنه يكفِّر صيام سنتين اثنتين، وهذا المعنى متفق عليه لا خلاف عليه، والمقصود به صيام عرفة لغير الحاج. أما ما اختلف الفقهاء فيه فهو صيام عرفةَ بعرفةَ للحاج، والصحيح الذي تدل عليه النصوص في البنود السبعة التالية، هو أن الفطر للحاج هو المستحب وليس الصوم، ومن الخطأ القول باستحباب صوم عرفةَ بعرفةَ للحاج، فرسول الله ﷺ نهى عن الصيام هذا (نهى رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة بعرفة) ولم يَرِدْ نسخٌ لهذا الحديث بل ولا معارضةٌ له ولا خلافٌ، فيثبت حكم النهي ولا يصح القول بخلافه. وجاءت النصوص في البنود الباقية كلها تُثَبِّت هذا الحكم، وأن النبي ﷺ قد أتبع القولَ العملَ، فقد أفطر في عرفة، فتعاضد القول والفعل منه ﵊، فلم تبق حجة للقائلين باستحباب الصيام.
[ ١٧١ ]
فإذا استحضرنا في الأذهان أن صوم عرفة يكفِّر سنتين ومع ذلك أفطر الرسول ﷺ وأفطر صحابته: أبو بكر وعمر وعثمان وابن عمر وابن عباس وآخرون، فإن ذلك يدعونا إلى القول إن الإفطار هو المتعيِّنُ للحاج، وهو المستحَبُّ، وما كان للرسول ﷺ أن يَحْرِم المسلمين من خير هذا الصيام لو كان الأمر على التخيير كما يقول الطبري، إذ مَن من المسلمين وخاصة الصحابةَ من يختار الفطر ويدع ثواب الصيام المكفِّر لسنتين لو كان الفطر فعلًا على الخيار، ولم يكن هو المستحب وهو الأفضل؟! ومنذ متى يدع الرسول ﵌ وصحابته المندوب، بل ربما كان المندوب الأكبر؟! إنه ما كان لرسول الله ﷺ وصحابته أن يفطروا في عرفة بعرفة إلا لأن الفطر هو المندوب وليس الصوم.
أما قولهم إن الصوم أفضل إلا لمن ضعف عن الدعاء والذكر فالفطرُ له أفضل، فهو قول لا دليل عليه، وهو تأويل وتعليل لم يرد في النصوص فلا يُلتفت إليه. وعليه فإني أقول: إن الصوم في عرفة لغير الحاج مندوب، وإن الفطر في عرفة للحاج هو المندوب.