تجب زكاة الفطر على كل مسلم دون استثناء، فتجب على الغني وعلى الفقير وتجب على الكبير وعلى الصغير، وتجب على الذكر وعلى الأنثى، وتجب على الحر وعلى العبد، وتجب على من صام، وعلى من لم يصم، فهي واجبة على كل مسلم ومسلمة، ولم يرد في النصوص أي استثناء ولا أي تقييد لهذا الحكم العام المطلق. وهذه جملة من النصوص تبين هذا الحكم:
١- عن ابن عمر ﵄ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) وغيره. وقد مرَّ هذا الحديث في بحث [حكم زكاة الفطر] .
[ ٣٦٣ ]
٢- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال ﴿كنا نُخْرِج زكاة الفطر ورسول الله ﷺ فينا عن كل صغيرٍ وكبيٍر حرٍّ ومملوكٍ ﴾ رواه مسلم (٢٢٨٥) والبخاري والدارمي.
٣- عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبد، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير، غنيٍّ أو فقير، صاعٌ من تمر، أو نصفُ صاعٍ من قمح، قال مَعْمَر: وبلغني عن الزُّهري أنه كان يرفعه﴾ رواه الطحاوي (٢/٤٥) وعبد الرزاق والبيهقي. ورواه أحمد (٧٧١٠) بلفظ ﴿عن أبي هريرة في زكاة الفطر: عن كل حرٍّ وعبد، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير، فقيرٍ أو غني، صاع من تمر، أو نصف صاع من قمح. قال مَعْمَر: وبلغني أن الزُّهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ﴾ وسنده صحيح.
٤- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث مناديًا في فِجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبد، صغيرٍ أو كبير، مُدَّان من قمح، أو سواه صاعٌ من طعام﴾ رواه الترمذي (٦٦٩) وقال [هذا حديث غريب حسن] ورواه الدارَقُطني وسكت عنه.
[ ٣٦٤ ]
ودلالة هذه الأحاديث واضحة. فقط قولي [وتجب على من صام وعلى من لم يصم] يحتاج إلى وقفة قصيرة، فأقول: إن هذا القول مستنبَط من عموم الأحاديث إذ عندما تذكر الأحاديثُ الأنثى على العموم، والأُنثى قد تكون أفطرت في أيام نفاسها، ومع ذلك تجب عليها الزكاة، وعندما تذكر الأحاديث الكبير على العموم، والكبير قد يفطر رمضان كله أو بعضه ويطعم بدل ذلك، ومع ذلك تجب عليه الزكاة وعندما تذكر الأحاديث الصغير على العموم، وهذه اللفظة تشمل الطفل الرضيع كما تشمل من هو قبل البلوغ، وهما لا يصومان أو يصوم الطفل قبل البلوغ قليلًا أو كثيرًا ومع ذلك تجب عليه الزكاة، فإنَّ كلَّ ذلك يدلُّ دلالةً مؤكَّدةً على أنَّ من صام ومن لم يصم تجب عليه الزكاةُ، وإذن فإن الزكاة واجبة على كل مسلم دون استثناء.
أما ما رُوي عن أبي حنيفة والثوري وإسحق والنخعي وعطاء من قولهم: إن زكاة الفطر تجب على الكافر إن كان عبدًا، وعلى الكافرةِ إِن كانت زوجةً لمسلم، فإن هذا القول خطأ والنصوص تردَّه وهؤلاء إنما اعتمدوا على بعض النصوص، وهذه هي:
١- عن عراك بن مالك قال: سمعت أبا هريرة يحدِّث عن رسول الله ﷺ قال ﴿ليس في العبد صدقةٌ إلا صدقة الفطر﴾ رواه مسلم (٢٢٧٦) وأحمد وابن خُزيمة.
٢- عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿صدقة الفطر عن كل صغيرٍ وكبير، ذكرٍ وأنثى، يهوديٍّ أو نصرانيٍّ، حرٍّ أو مملوكٍ، نصفَ صاع من بُرٍّ، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٥٠) .
٣- الأحاديث المارَّة قبل قليل (على العبد والحر) رقم ١، و(عن كل صغير وكبير حرٍّ ومملوكٍ) رقم ٢، و(عن كل حرٍّ وعبدٍ) رقم ٣، و(حرٍّ أو عبدٍ) رقم ٤.
[ ٣٦٥ ]
وغفر الله لهؤلاء، فقد استدلوا بالأحاديث التي جاءت بصيغة العموم، ولم يلتفتوا إلى تخصيص هذه الصيغة، والمعلوم بداهةً أن الخاص يُعمَل به، وأن العام يُحمل على الخاص، ففي الحديث الأول جاء التخصيص بقوله (من المسلمين) وفي الحديث الرابع جاء التخصيص بقوله (على كل مسلم ذكر أو أنثى، حرٍّ أو عبد) وهذا تخصيص ظاهر ظهور الشمس. فالعبد إن كان مسلمًا وجبت عليه الزكاة، والأنثى كالزوجة مثلًا إن كانت مسلمة، وجبت عليها الزكاة، فيخرج العبد الكافر والأنثى الكافرة. ثم إن الزكاة عبادة، والعبادة لا تصحُّ من كافرٍ لأن شرطها الإسلام، وهذا ظاهر ومعلوم. وما قلناه هنا نقوله بخصوص الحديث الأول الذي رواه مسلم، فإنه يُحمَل على أن العبد هنا هو العبد المسلم حملًا للعام على الخاص.
أما الحديث الثاني، فهو حجة قوية وواضحة لهم لو كان صحيحًا أو حسنًا، ولكنه حديث لا يصح أخذه ولا العمل به، فالدارَقُطني راوي الحديث يقول [سلام الطويل متروك الحديث ولم يسنده غيره] وقال النَّسائي: متروك الحديث. وقال يحيى ابن معين: لا يكتب حديثه. وضعفه علي بن المَدِيني جدًا. واعتبره ابن الجوزي من الموضوعات. فأين اجتهادهم هذا مما قلناه؟ وهل يصمد هذا الاجتهاد أمام الحديث الذي رواه ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفسٍ من المسلمين، حرٍّ أو عبدٍ، رجلٍ أو امرأةٍ، صغيٍر أو كبيٍر، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير﴾ رواه مسلم (٢٢٨٢) وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي والدارقطني. والحجة هنا دامغة.
[ ٣٦٦ ]
أما ما رُوي عن محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، من قوله إنَّ الصدقة لا تجب على الصغير، ومن قول الحسن البصري وعامر الشعبي وسعيد بن المسيِّب إن الزكاة واجبة على من صام فقط، مستدلين بالحديث المار قبل قليل في بحث [وقت إخراجها] رقم ٧ ﴿ زكاة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرَّفَث ﴾ . رواه أبو داود (١٦٠٩) وغيره. فإن الأحاديث كلها تردُّ هذين القولين، فالصغير جاء ذكره صريحًا في العديد من الأحاديث فلا يحل القول بخلافه، وأما أن زكاة الفطر طُهرة للصائم فإنها خرجت على التغليب، وإلا فإن الأحاديث التي ذكرت من لا يصومون مردودة، وهؤلاء لا يقولون ذلك.
أما هذا الوجوب فعلى من يقع القيام به؟ قال مالك والشافعي وأحمد والليث ابن سعد وإسحق بن راهُويه إن الوجوب يقع على الزوج لزوجته في حين أن أبا حنيفة والثوري، وابن المنذر من الشافعية، قالوا إن الوجوب يقع على الزوجة.
والصحيح هو أن زكاة الفطر هي إخراج مال أو قل هي إنفاق مال، وإنفاق المال يقع على الزوج لزوجته، كما يقع على الرجل لابنه الصغير، ويقع عليه لأبيه الكبير العاجز، ويقع عليه عن كل من تلزمه نفقتهم من أهله وعياله ومنها زكاة الفطر فهي واقعة على المعيل لمن يعيل بغض النظر عن أصنافهم، وهذا البحث ليس هنا محلُّه، فلا نستقصي البحث فيه وحسبنا أن نذكر عددًا من الأحاديث التي تشير إلى ما نقول:
١- الأحاديث التي تذكر العبد والصغير، وهما لا يستطيعان إخراج الزكاة، إما لعدم ملك العبد مالًا، وإما لجهل الصغير وعدم تكليفه بالأحكام الشرعية.
[ ٣٦٧ ]
٢- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر - أو قال رمضان - على الذكر والأنثى، والحر والمملوك، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بُرٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر، فأَعوز أهلُ المدينة من التمر فأعطى شعيرًا، فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إنْ كان يعطي عن بَنيَّ، وكان ابن عمر ﵄ يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين﴾ رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة. وروى النَّسائي (٤٦١٥) الجزء الأول منه فقط. فهنا كان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إنه كان يعطي عن أبناء نافع راوي هذا الحديث، وقد سبق أن كان نافع مملوكًا لابن عمر، وهذا الفعل من ابن عمر لمما يُستأنسُ به.
٣- عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نُخرج، إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ، زكاةَ الفطر عن كل صغير وكبير، حرٍّ أو مملوكٍ، صاعًا من طعام ﴾ رواه مسلم (٢٢٨٤) وأبو داود وابن ماجة والترمذي وابن خُزيمة. فقوله (عن كل صغير وكبير حر أو مملوك) واضح الدلالة، إذ لم يقل: كان الصغير والكبير والحر والمملوك يُخرجون.
٤- حديث أبي هريرة ﵁، وقد سبق، ولفظه ﴿زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، غني أو فقير، صاعٌ من تمر، أو نصف صاع من قمح ﴾ رواه الطحاوي (٢/٤٥) وغيره. فقوله عن كل حرٍّ وعبد الخ وعدم قوله على كل حرٍّ وعبد واضح الدلالة أيضًا ولا يضير هذا الفهم إن جاءت نصوص تقول (على) فإنها آنذاك تدل على أن الوجوب هو على هؤلاء ونحن لا ننكر ذلك، وإنما نقول إن أداء هذا الواجب يقع على المعيل عنهم.
[ ٣٦٨ ]
٥- عن عروة ﴿أن أسماء بنت أبي بكر ﵄ أخبرته أنها كانت تُخرج على عهد رسول الله ﷺ عن أهلها الحرِّ منهم، والمملوك مُدَّين من حنطة، أو صاعًا من تمر بالمد، أو بالصاع الذي يتبايعون به﴾ رواه الطحاوي (٢/٤٣) . والدلالةُ واضحة وقوية.
ويبقى السؤال: هل يُشترط في المُخْرِج للزكاة أن يكون غنيًا، أم تجب الزكاة على كل مسلم فقير وغني وما حدُّ الغِنى عند مَن يُوجبونه؟ قال أبو حنيفة وأصحابه: يشترط في المخرج للزكاة أن يكون غنيًا غنىً شرعيًا. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحق وعطاء: يشترط فيه أن يكون مالكًا لقوت يومٍ وليلة.
أبو حنيفة وأصحابه قاسوا زكاة الفطر على الزكاة، فأوجبوا في المخرج لزكاة الفطر ما يجب في المخرج للزكاة من وجود الغِنى ومِلك النِّصاب. أما مالك والشافعي وأحمد بن حنبل فقد اعتمدوا على حديث سهل بن الحنظلية، قال رسول الله ﷺ ﴿ إنه من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم، قالوا: يا رسول الله وما يُغنيه؟ قال: ما يُغَدِّيه أو يُعَشِّيه﴾ رواه أحمد (١٧٧٧٥) وابن حِبَّان ورواه أبو داود (١٦٢٩) بلفظ ﴿قدر ما يُغَدِّيه ويُعَشِّيه﴾ بالواو، وليس بـ أو. فقالوا: يشترط فيه أن يكون مالكًا لقوت يوم وليلة.
والحق أن الجميع قد جانبهم الصواب، أما أبو حنيفة وأصحابه فإن حديث أبي هريرة الذي رواه الطحاوي المار في صدر هذا البحث يرد عليهم قولهم، فقد جاء فيه (زكاة الفطر عن كل حرٍّ وعبد، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كبير، غنيٍّ أو فقيرٍ )، وهو حديث صحيح لا تجوز مخالفته إلى حكم عقلي أو قياسي، إذ لا اجتهاد في موضع النص كما هو معلوم، فالفقير هو ممن يجب عليهم أن يُخرجوا زكاة الفطر بالنص، فلا مُسوِّغ لقياسه على مخرج الزكاة.
[ ٣٦٩ ]
وأما مالك والشافعي وأحمد ومن معهم فإن هذا الحديث أيضًا يرد عليهم قولهم إذ قد أوجب هذا الحديث زكاةَ الفطر على الفقير دون أن يحدِّدَ قدر الفقر لديه، أي جاء الحكم عامًا في الفقر، فلا يجوز تخصيصه بالعقل، أو بالقياس على من يسأل الناس ويستجدي، فهذا باب وذاك باب آخر.
ومن جهة ثانية أقول إن حديث سهل بن الحنظلية قد ذكر أن مَنْ مَلَكَ الغداءَ والعشاءَ فهو غني، وبمعنى آخر أن مَنْ مَلَكَ قوتَ يوم وليلة فهو غني، فقولهم إن من ملك قوت يوم وليلة توجَّبَ عليه إخراجُ زكاة الفطر، معناه أنهم أوجبوا زكاة الفطر على الغني ولم يوجبوها على الفقير، في حين أن النص قد أوجبها على الفقير، كما أوجبها على الغني، فماذا يقولون؟ فقولهم بوجوبها فقط على من ملك قوت يوم وليلة – أي على الغني - معارَضٌ بالنص الذي أوجبها أيضًا على الفقير، ولو كان النص يقول بوجوبها على الغني ولم يذكر الفقير لكان بحثهم في محله وعلى صعيد صحيح، أما وأن النص لم يستثن الفقير فإنه لا يصحُّ لهم استثناؤه.
ثم إن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الذي رواه الترمذي المار أيضًا في صدر هذا البحث يقول (ألا إن صدقة الفطر واجبةٌ على كل مسلم ) وإن حديث ابن عمر الذي رواه مسلم وغيره، المار أيضًا قبل قليل يقول (إن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين حرٍّ أو عبدٍ ) ليؤكِّد ما قلناه، وليشمل النصُّ الفقيرَ لأنه نفسٌ من المسلمين، فإن استثنى هؤلاء الفقيرَ من وجوب إخراج زكاة الفطر فقد استثنوا عموم النصوص دون أي سند شرعي صحيح.
وأقول أخيرًا إن زكاة الفطر هي عبادة عن الأبدان وليست عبادة عن الأموال كسائر الزكاة حتى يبحثوا عن الغنى والفقر وحدودهما، فكل نفس مسلمة لها بدن، فتجب فيه زكاة الفطر، هكذا دون أي تخصيص أو تقييد.
[ ٣٧٠ ]
نعم إن من لا يملك مقدار زكاة الفطر فهو معذور غير مستطيع، فتسقط عنه زكاة الفطر، وهذه حالة جديدة مغايرة تمامًا للحالات التي ذكروها، ذلك أن رسول الله ﷺ يقول ﴿ وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم﴾ رواه البخاري (٧٢٨٨) ومسلم وغيرهما من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فمَن ملك مقدار زكاة الفطر فقد وجب عليه إخراجها، ومن لا فلا شيء عليه.