ذهب أصحاب الرأي ومالك والشافعي والأوزاعي ويحيى الأنصاري وإبراهيم النخعي والزُّهري ومكحول إلى أن المقيم إذا نوى الصيام ثم سافر فلا يجوز له أن يفطر بل يستمر صائمًا، أما المسافر فإنه، وإن نوى الصيام من الليل ثم أراد أن يفطر، فإن له ذلك، وأجاز ذلك أحمد وإسحق بن راهُويه والحسن البصري والمُزَني وداود بن علي وعامر الشعبي وابن المنذر والشوكاني وعطاء.
[ ١٠٨ ]
وقال أحمد وإسحاق وعطاء والحسن: يجوز له أن يفطر وهو في بيته في بلده قبل أن يخرج منه، ونُقل ذلك عن أنس ﵁. وذهب ابن حزم والظاهرية إلى جواز الفطر لمن سافر ميلًا واحدًا. ورُوي عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عباس ﵄ جوازُ الإِفطار في أكثر من أربعة بُرُد، أي في أكثر من ثمانية وأربعين ميلًا. ونحن ننظر الآن في النصوص التي تعالج هذه المسألة:
١- عن كُلَيب بن ذُهلٍ الحضرمي، عن عُبيد بن جُبير قال ﴿ركبتُ مع أبي بَصْرةَ الغِفاري سفينةً من الفُسطاط في رمضان، فدفع، فقرَّب غداءه، ثم قال: اقترب، فقلت: ألست ترى البيوت؟ فقال أبو بَصْرة: أرغبتَ عن سُنَّة رسول الله ﷺ؟﴾ رواه الدارمي (١٧١٤) وأبو داود وأحمد والبيهقي. ورواه ابن خُزيمة (٢٠٤٠) وقال [لست أعرف كُلَيب بن ذُهلٍ ولا عُبيد بن جُبير، ولا أقبل دِين من لا أعرفه بعدالة] .
٢- عن محمد بن كعب قال ﴿أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، وقد رُحِّلتْ له راحلتُه ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سُنَّة؟ فقال: سُنَّة، ثم ركب﴾ رواه الترمذي (٧٩٦) وقال [هذا حديث حسن] وفي إسناده عبد الله بن جعفر ضعَّفه ابن معين، وأبو حاتم وقال: منكر الحديث جدًا. كما ضعَّفه ابنه علي بن المَديني. وضعَّفه الجوزجاني وقال: إِنه واهي الحديث. وقال النَّسائي: متروك الحديث. فالحديث ضعيف جدًا رغم تحسين الترمذي له.
[ ١٠٩ ]
٣- عن منصور الكلبي قال ﴿إن دِحْية بنَ خليفة خرج من قريته من دمشق إلى قدر قرية عُقْبة من الفسطاط وذلك ثلاثة أميال من رمضان، ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس، وكره آخرون أن يفطروا، فلما رجع إلى قريته قال: والله لقد رأيتُ اليوم أمرًا ما كنت أظن أني أراه، إن قومًا رغبوا عن هَدْي رسول الله ﷺ وأصحابه، يقول ذلك للذين صاموا، ثم قال عند ذلك: اللهم اقبضني إليك﴾ رواه أبو داود (٢٤١٣) وأحمد وابن خُزيمة والبيهقي والطحاوي. ومنصور الكلبي مجهول قاله علي بن المَديني والخطابي وابن خُزيمة، فالحديث ضعيف الإسناد.
٤- عن اللجلاج قال ﴿كنا نسافر مع عمر ﵁ ثلاثة أميال، فيتجوَّز في الصلاة ويفطر﴾ رواه ابن أبي شيبة (٢/٤٣٦) . وفيه الجريري واسمه سعيد بن إياس اختلط قبل أن يموت بثلاث سنين، ولذا تركه المحدِّثون عندئذٍ.
٥- عن نافع ﴿أن ابن عمر كان يخرج إلى الغابة فلا يفطر ولا يَقْصُر﴾ رواه أبو داود (٢٤١٤) والبيهقي. وسكت عنه المنذري. والغابة موضع يبعد عن المدينة من ناحية الشام بريدًا واحدًا. والبريد أربعة فراسخ، أي حوالي ١٢ ميلًا.
الآثار الأربعة الأولى كلُّها ضعيفة فتترك، وقد حاول بعضهم تصحيح هذه الآثار مدَّعيًا أن الواحد منها يشهد له الآخر فيتقوى به، وهذا التصحيح غير صحيح، ذلك أن الضعيف لا يقوِّيه ضعيف آخر وإنما يزيده ضعفًا فلا يُلتفت إلى هذه القاعدة. ويبقى عندنا أثر ابن عمر أنه كان يخرج إلى الغابة وهي تبعد عن المدينة اثني عشر ميلًا فلا يفطر ولا يقصر، فأقول:
أولًا: هذا الفعل من ابن عمر ﵁ ليس دليلًا شرعيًا وإنما هو حكم شرعي في حقِّ من قلَّد ابن عمر فيه، ونحن هنا لسنا بصدد تقليد أحد.
[ ١١٠ ]
وثانيًا: إن عدم إفطار ابن عمر لا يعني أنه كان يحرِّم الإفطار ولا يجيزه وذلك أن المسافر يُرخَّص له في الإفطار، ويجوز له الصيام كما بيّنَّا قبل قليل، فأَخْذُ الشخصِ بالإفطار أو أخذُه بالصيام كلاهما جائز، ولا يدل الواحد منهما على منع الآخر.
وبذلك يظهر أنه ليس لدينا نصٌّ صحيحٌ ولا حسنٌ في تحديد المسافة التي لا بد من قطعها حتى يصح الإفطار. ولا يبقى عندنا بعد ذلك سوى قوله ﷾ في الآية ١٨٤ من سورة البقرة ﴿ فمنْ كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ ﴾ وهذا السفر مطلق لم يُقيَّد بمسافة قصيرة ولا طويلة، فما يطلق عليه اسم السفر فهو عُذر يجيز للصائم أن يفطر.
أما ما ورد من أحاديث من أن رسول الله ﷺ أفطر عام الفتح عندما سافر من المدينة إلى مكة ووصل إلى الكَدِيد – والكِدَيد عينُ ماء تبعد عن مكة ثمانية وأربعين ميلًا - أو عندما وصل إلى كُراع الغَمِيم – وهو وادٍ أمام عُسفان يبعد عنها ثمانية أميال فيكون بعيدًا عن مكة أكثر من خمسين ميلًا – كما ورد في البند الثاني وفي البند الثالث من البحث [أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر] فلا دلالة فيها على مسألتنا مطلقًا، وذلك:
أولًا: إن هذه المسافات قد وقعت اتفاقًا أي هي وقائع أعيان، ووقائع الأعيان لا يُحتجُّ بها على العموم كما هو مقرر في علم الأصول.
وثانيًا: إن هذه المسافات جاءت تبين بُعدَ مكان الإفطار عن مكة لا بعده عن المدينة التي خرجوا منها، أي أنها لم تأت لبيان المسافات التي قطعها الرسول ﷺ في سفره حتى يقال إنها ذات دلالة على الموضوع.
ومن ذلك يتبين أن من قال بجواز الفطر للصائم إن هو قطع مسافة كذا، أو مسافة كذا، قد أخطأ فيما ذهب إليه، لأن ذلك لم يَرِدْ في الشرع لا في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية.
[ ١١١ ]
نخلص مما سبق إلى القول التالي: إن المسافر يحق له أن يفطر إذا سافر يومه ذاك ولا حائل يحول دون إفطاره، وإن الشرع لم يحدِّد مسافة معينة كعذرٍ لإفطار الصائم، وإنما أطلق القول بأن السفر عذر للإفطار، فيظل المطلق مطلقًا لا يصح تقييده لا بفعل صحابي ولا تابعي ولا فقيه، ولا بأقوالهم، فكل ما يطلق عليه اسم السفر فهو عُذر يبيح الإفطار، وما لم يكن سفرٌ فلا إفطار. وعليه فإن من ذهبوا إلى جواز الإِفطار قبل الخروج من البيوت قد أخطأوا أيضًا بما ذهبوا إليه، لأن نيةَ السفر غيرُ السفر، والسفرُ هو العذر وليست نيتُه. كما أن من حدَّدوا لبدء الإِفطار مسافة معينة كأن تكون ميلًا أو أربعة بُرُدٍ قد أخطأوا أيضًا في تحديدهم هذا لأنه لا دليل لهم من النصوص الصحيحة أو الحسنة، ويبقى لنا أن نقول إن السفر عذر، وإن من سافر جاز له الإفطار.
بقي أن نعرف متى يكون الخروج سفرًا ومتى لا يكون؟ فأقول ما يلي: إن الخروج حتى يكون سفرًا يُباح معه الفطرُ، هو أن يغادر الشخص بلده والأراضي التابعة له، ويدخل في أراضي بلد آخر، مهما كان طول أراضي بلده أو قصرها، فالشخص في بلده غير مسافر، والفلاح في أرضه التابعة لبلده غير مسافر ولو كانت أرضه تبعد عن بلده عدة أميال، ولا يكون مسافرًا إلا إذا غادر بلده وأراضي بلده، وعندها فقط يجوز له أن يفطر، سواء كان بالأكل أو بالشرب أو بالجماع.
أما أصحاب الرأي ومالك والشافعي وغيرهم القائلون إِنَّ المقيم إذا نوى الصيام ثم سافر فلا يجوز له أن يفطر، بل يستمر صائمًا، محتجين بأن الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإذا اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة، وقول الشافعي: من أصبح في حضرٍ مسافرًا فليس له أن يفطر إلا أن يثبت حديث النبي ﷺ أنه أفطر يوم الكِدَيد. فالرد على هؤلاء كما يلي:
[ ١١٢ ]
أولًا: إنَّ الحديث عن رسول الله ﷺ أنه أفطر يوم الكَدِيد، قد ثبت، فقد رواه الدارمي ومسلم وغيرهما وقد مرَّ في بحث [أدلة من قالوا بوجوب الإفطار في السفر] في البند ٢. كما روى مسلم وغيره أنه ﵊ قد أفطر في كُراع الغَميم كما مرَّ في البند ٣ من البحث نفسه. وروى مسلم (٢٦٠٨) عن ابن عباس ﵁ قال ﴿سافر رسول الله ﷺ في رمضان، فصام حتى بلغ عُسْفانَ، ثم دعا بإناءٍ فيه شراب فشربه نهارًا ليراه الناس، ثم أفطر حتى دخل مكة ﴾ فهذه ثلاثة أحاديث ثابتة وليست حديثًا واحدًا فقط، فوجب على أتباع الشافعي الرجوعُ عن قولهم.
ثانيًا: وأما أنَّ الصوم عبادة تختلف بالحضر والسفر، فإن اجتمعا فيها غلب حكم الحضر كالصلاة، فإني لأعجبُ من هذا القول وأستغربه، وهو لا يحتاج لرده إلى أكثر من أن أقول إنَّ حكمَ أيِّ أمرٍ مستمرٌ وماضٍ حتى يوجد عذرٌ مبيحٌ لترك ذلك الحكم، فيتوقف الحكم والعمل به عندئذٍ، دون نظرٍ في تقدُّم العذر، أو تأخُّره، أو مصارعتِه لحكم الأصلِ وفوزِ أحدِهما بالمصارعةِ!! والأصل في هذه القاعدة أن تكون من البديهيات.
وعليه فإني أقول إن المقيم إذا نوى الصيام فقد وجب عليه الصيام، فإذا دخل عليه عذر السفر توقف عن القول بالوجوب وأخذَ بالعذر، وإلا فلا قيمة لهذا العذر، بل ولا قيمة للأعذار كلها!! وغفر الله لنا جميعًا.