إنه لمما لا شك فيه، وما هو معلوم بداهة أن الشهر الهجري القمري يكون تسعةً وعشرين يومًا ويكون ثلاثين يومًا، ولا يكون أقل من ذلك، كما أنه لا يكون أكثر من ذلك. وقد جاء هذا التحديد في عدد من الأحاديث، أذكر منها ما يلي:
١- عن عروة عن عائشة ﵂ قالت ﴿لما مضت تسع وعشرون ليلة أَعُدُّهنَّ دخل عليَّ رسول الله ﷺ، قالت: بدأَ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمتَ أن لا تدخل علينا شهرًا، وإنك دخلت من تسعٍ وعشرين أَعُدُّهنَّ؟ فقال: إن الشهر تسع وعشرون﴾ رواه مسلم (٢٥٢٠) والنَّسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد.
٢- عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال ﴿إنَّا أمَّة أمِّيَّة لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا، يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩١٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٣- عن ابن مسعود ﵁ قال ﴿ما صُمنا مع النبي ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صُمنا ثلاثين﴾ رواه الترمذي (٦٨٤) وأبو داود وأحمد والبيهقي والدارَقُطني. ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (٥٢٤٥) من طريق عائشة ﵂. ومن طريق جابر (٥٤٤١) ﵁.
٤- عن الوليد قال ﴿صُمنا على عهد عليٍّ ﵁ ثمانية وعشرين يومًا، فأَمَرَنا بقضاء يوم﴾ رواه البيهقي (٤ /٢٥١) ودلالة هذه الأحاديث واضحة.
[ ٥٢ ]
ولقد أشكل على الفقهاء الحديث الذي رُوي من طريق أبي بَكْرة ﵁ عن النبي ﷺ قال ﴿شهران لا ينقصان، شهرا عيد، رمضان وذو الحجة﴾ رواه البخاري (١٩١٢) ومسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد. قال الترمذي [قال أحمد: معنى هذا الحديث – شهرا عيد لا ينقصان – يقول: لا ينقصان معًا في سنة واحدة، شهر رمضان وذو الحجة، إن نقص أحدُهما تمَّ الآخر. وقال إسحق: معناه لا ينقصان، يقول وإن كان تسعًا وعشرين فهو تمام غير نقصان وعلى مذهب إسحق يكون ينقص الشهران معًا في سنة واحدة] وقد نُقل عن إسحق قوله: لا ينقصان في الفضيلة، إن كان تسعة وعشرين أو ثلاثين. وذكر ابن حِبَّان لهذا الحديث معنيين، أحدهما ما قال إسحق والآخر أنهما في الفضل سواء، لقوله في الحديث الآخر (ما من أيامٍ العملُ فيها أفضلُ من عشر ذي الحجة) وقيل لا ينقصان في عامٍ بعينه، وهو العام الذي قال فيه الرسول ﷺ تلك المقالة. وقيل لا ينقصان في الأحكام، وبهذا جزم البيهقي والطحاوي. وقيل لا ينقص ثواب ذي الحجة عن ثواب رمضان لأن فيه المناسك، حكاه الخطَّابي. وقال النووي: الأصح أن معناه لا ينقص أجرُهما والثوابُ المترتب عليهما وإن نقص عددهما.
والذي أراه وأُرجِّحه، هو أن الله سبحانه قدَّر لكل شهر من هذين الشهرين على مدى الأعوام والدهور ثوابًا ثابتًا، لا يزيد ولا ينقص، سواء جاء هذان الشهران ثلاثين يومًا، أو جاءا تسعة وعشرين، بمعنى أن من صام رمضان ذي التسعة والعشرين ثلاثين يومًا وقام ليله فإنه يحصل على ثوابٍ مماثل للأجر الذي يحصل عليه إن هو صام رمضان ذي الثلاثين يومًا وقام ليله. فالأجر والثواب في الشهرين واحد وإن نقص أحدهما يومًا عن الآخر، وقل مثل ذلك بخصوص شهر ذي الحجة. والله يؤتي فضله من يشاء، ويُنعم على من أدَّى ركني الإسلام، الصيام والحج، وافِرَ الإِنعام وأتمَّه.
[ ٥٣ ]
ولا بأس بأن أذكر هنا أن علم الفلك يقول إن الشهر القمري يأتي دائمًا ثابتًا لا يزيد ولا ينقص، وأنه ٢٩ يومًا ونصف اليوم تقريبًا، وإن شئت التحديد أكثر قلت إنه ٢٩ يومًا و٥٣ % من اليوم، أو ٢٩ يومًا و١٢ ساعة و٤٤ دقيقة. وأنَّ السنة القمرية هي ٣٥٤ يومًا و٣٦ % من اليوم، فهي تنقص عن السنة الشمسية بحوالي أحد عشر يومًا.