يصح قضاء الصوم متتابعًا كما يصح مفرَّقًا دون تفضيلٍ لأحدِهما على الآخر، ويصح أن يُقضَى الصومُ عقبَ رمضان بعد العيد مباشرة كما يصح أن يؤخَّر إلى شهر شعبان قُبَيلَ رمضان التالي، فكل ذلك جائز ومُجْزِيءٌ ولا إثم فيه، والدليل على كل
[ ١٣٢ ]
ذلك قوله سبحانه ﴿ فمن كان منكم مريضًا أو على سَفَرٍ فعِدَّةٌ من أَيامٍ أُخَرَ ﴾ من الآية ١٨٤ من سورة البقرة. فهذه الآية الكريمة أطلقت قضاء الصوم ﴿فعِدَّة من أيام أُخَر﴾ فلم تقيِّد ولم تخصِّص، فيكون القضاء عامًا غير مخصَّصٍ، ومطلقًا غير مقيَّد كيفما تمَّ فقد أجزأَ.
قال الإمام أبو حنيفة: وجوب القضاء موسَّع دون تقييدٍ، ولو دخل رمضان الثاني. وقال الطحاوي: التتابع والتفريق سواء. وقال الجمهور: يجوز القضاء في جميع السنة سوى يومي العيد وأيام التشريق. وهذا يعني جواز تأخيره إلى شعبان. وقال الأئمة الأربعة والأوزاعي والثوري وإسحق وأبو ثور بجواز التفريق، واستحبُّوا تتابعه، ورُوي ذلك عن عليٍّ ومعاذ وابن عباس وأنس وأبي هريرة ﵃. وكل هذه الأقوال صحيحة باستثناء قول أبي حنيفة: ولو دخل رمضان الثاني.
وفي المقابل ذهب عبد الله بن عمر وعائشة وعروة بن الزبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي وداود بن علي الظاهري إلى وجوب التتابع، أي لا يفصل بين أيام القضاء فاصل. كما رُوي عن داود القول بوجوب القضاء على الفور مطلقًا. وقال محمد بن المنذر: روينا عن علي بن أبي طالب أنه كره قضاءَ هُ في ذي الحجة، وبه قال الحسن البصري وابن شهاب الزُّهري. وكل هذه الأقوال غير صحيحة، ذلك أن الآية الكريمة قد أطلقت القول بالقضاء دون تقييده بالتتابع، ودون تقييده بالفورية، ودون تقييده بالمنع في ذي الحجة، ولم يرد شيء من ذلك في الأحاديث النبوية، وعلى من قيَّد أن يأتينا بالدليل، وكل ما ورد في الآثار من اختلافات بين الصحابة والفقهاء فإنما هو اجتهادات منهم، والصحابةُ والفقهاءُ لا يملكون تقييدَ مطلقٍ ولا تخصيصَ عامٍّ، لأن التقييد والتخصيص تشريع لا يكون إلا من الشرع نفسه.
[ ١٣٣ ]
فمثلًا روى البيهقي (٤/٢٥٨) عن كلٍّ من عائشة وابن عباس وأبي عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وأنس بن مالك ورافع بن خَدِيج ﵃ رواياتٍ بجواز تفريق قضاء صوم رمضان (أَحْصِ العِدَّة وصُم كيف شئت) (لا يرى بقضائه بأسًا أن يقضيه مفرَّقًا) (من كان عليه شيء منه فليفرِّق بينه) . كما روى ابن أبي شيبة (٢/٤٤٧-٤٢٨) القول بجواز التفريق عن ابن عباس وأبي هريرة وأنس ومعاذ بن جبل ورافع بن خَدِيج، وعن عُبيد بن عُمير وأبي مُحيريز، وعن كثير من التابعين. كما روى عبد الرزاق (٤/٢٤٣-٢٤٤) القول نفسه عن ابن عباس وأبي هريرة وابن محيريز. وروى الدارَقُطني (٢/١٩٢- ١٩٣) القول نفسه عن أبي عبيدة عامر بن الجراح ومعاذ بن جبل وأبي هريرة وابن عباس ورافعٍ ﵃
وفي المقابل روى البيهقي (٤/٢٥٩) روايتين عن علي ﵁ ﴿قال متتابعًا﴾ ورواها عبد الرزاق ﴿كان لا يرى به متفرِّقًا بأسًا﴾ ورَوَى عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان لا يفرِّق قضاء رمضان. ورواه أيضًا عبد الرزاق وابن أبي شيبة. وروى الدارَقُطني (٢/١٩٢) عن عائشة القول بالتتابع، وصحَّح إسناده.
[ ١٣٤ ]
والصحيح هو القول الأول، والدليل عليه الآية الكريمة التي جاءت مطلقة. وأما الرد الحاسم على القائلين بالفورية، فهو ما رواه ابن خُزيمة (٢٠٥١) والترمذي وأحمد عن عائشة ﵂ قالت ﴿ما قضيتُ شيئًا مما يكون عليَّ من رمضان إلا في شعبان، حتى قُبض رسول الله ﷺ﴾ وبعيد جدًا أن يحصل من عائشة ذلك وهي في بيت النبوة، دون اطِّلاع الرسول ﷺ وإِقرارِه. وهذا النص يصلح للاستدلال به على أن آخر موعدٍ لقضاء الصوم هو شهر شعبان، أي أن القضاء ينبغي أن يكون قبل حلول رمضان جديد، وإلا كان مفرِّطًا، ولو كان القضاء يصح تأخيره إلى ما بعد حلول رمضان جديد لما كان لقول عائشة هذا فائدةٌ. وإِنَّ القولَ بوجوب القضاء قبل حلول رمضان جديد قد اتفق عليه الفقهاء إلا ما رُوي عن أبي حنيفة ﵀.
وكما يصحُّ التتابع والتفريق في القضاء عن النفس فإنهما يصِحَّان في القضاء عن الميت، فلولي الميت أن يصوم عن الميت بالتتابع أو بالتفريق دون أي فارق بينهما، إذ لم يرد في النصوص ما يفرق بين القضاء عن النفس والقضاء عن الميت في هذه النقطة.
وأما تأخير القضاء عن الميت إلى أكثر من عام فجائز، وهو خلاف القضاء عن النفس، وذلك أن القضاء عن النفس واجب في حق الشخص، بينما قضاء الولي عن ميِّته جائز وليس واجبًا عليه، وما دام ذلك جائزًا فإن له أن يبادر إلى فعله، وله أن يقوم به متأخرًا ومتى أراد، بل وله أن لا يقوم به مطلقًا، فانتفى في حق الولي وجوب القضاء في خلال عام.
[ ١٣٥ ]
وهذا الوليُّ مَن هو؟ إن كلمة الولي هي من الألفاظ المشتركة في اللغة، فتَرِدُ ويُراد بها الصديق، وترد ويراد بها الحليف، وتأتي بمعنى الصِّهر والجار والتابع والمطيع، وتأتي ويراد بها صاحب الأمر، وتأتي بمعان أُخَر، ولم يأت في النصوص تعيين معنى من معاني الولي عند ذكر الصوم عن الميت، ولذا اختلف الفقهاء في معناها، فقيل القريب مطلقًا، وقيل الوارث، وقيل العَصَبة. وأنا أرى أن المراد بالولي هنا أقربُ الأحياء إلى الميت، كالابن والأب والأخ. فهذا الولي يجوز أن يصوم عن ميِّته ما فاته من صيام، ويثاب الاثنان على فعله، ويسقط الإثمُ عن الميت بعفو الله العفوِّ الغفورِ.
وأخيرًا أقول إن الشخص إذا فاته رمضانان فأكثر قضى جميع ما فاته، ولا يكفي أن يقضي رمضان الأخير فقط، ذلك أن وجوب القضاء عليه لا يسقط بمرور أكثر من عام على ما فاته من صيام، وإنما يأثم بالتأخير ويبقى الوجوب عليه في الذمة، لا بد من أدائه.