[ ٦٦ ]
قال الإمام أبو حنيفة: يصح صوم المغمَى عليه لأن النية قد صحَّت، وزوال الاستشعار بعد ذلك لا يمنع صحة الصوم كالنوم. وقال الشافعي: إذا وُجد الجنون في جزء من النهار أفسد الصوم، لأنه معنى يمنع وجوب الصوم فأفسده وجودُه في بعضه كالحيض. وقال الشافعي وأحمد: متى أُغمي عليه جميعَ النهار فلم يُفِقْ في شيء منه لم يصحَّ صومُه. وجاء في كتاب الشرح الكبير لشمس الدين بن قدامة [لا نعلم خلافًا في وجوب القضاء على المغمَى عليه، لأن مدته لا تتطاول غالبًا ولا تثبت الولاية على صاحبه، فلم يلزم به التكليف كالنوم، فأما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى، وبه قال أبو ثور والشافعي في الجديد. وقال مالك: يقضي وإن مضى عليه سنون. وعن أحمد مثله، وهو قول الشافعي في القديم، لأنه معنى يزيل العقل، فلم يمنع وجوب الصوم كالإغماء. وقال أبو حنيفة: إن جُنَّ جميع الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى لأن الجنون لا ينافي الصوم، بدليل أنه لو جُنَّ في أثناء الصوم لم يفسد، فإذا وجد في بعض الشهر وجب القضاء كالإغماء، ولأنه أدرك جزءًا من رمضان وهو عاقل فلزمه صيامه كما لو أفاق في جزء من اليوم] فأقول ومن الله التوفيق والسَّداد ما يلي:
[ ٦٧ ]
إن القلم، أي التكليف، قد رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يُفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود (٤٤٠٣) والترمذي وأحمد من طريق علي ﵁ بلفظ ﴿عن النبي ﷺ قال: رُفع القلم عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يَعقِل﴾ وذكره البخاري في باب الطلاق موقوفًا. ورواه ابن ماجة والدارمي والنَّسائي من طريق عائشة ﵂. ومن ضمن التكليف الصيام، فالصيام مرفوع عن النائم حتى يستيقظ وهو مرفوع عن الصبي حتى يبلغ مبلغ الرجال والصبيَّة مبلغ النساء، كما هو مرفوع عن المجنون حتى يعقل أو يُفيق. فلا صيام على نائم، ولا صيام على صبي، ولا صيام على مجنون، ما دام هؤلاء الثلاثة على حالهم لم يخرجوا منه، فإذا خرجوا منه صاروا مكلَّفين. وعليه فإن المجنون، إذا مضى عليه يوم كامل أو أكثر من يوم دون أن يعود إليه عقله فلا تكليف عليه ولا صوم عليه في الحال وبالتالي فلا قضاء عليه لذلك اليوم، ولا للأيام التي أمضاها مجنونًا. وقل مثل ذلك بخصوص المغمَى عليه إذا مضى عليه يوم كامل وهو في إغماء متواصل، أي مضى عليه ليلٌ ونهارٌ دون إِفاقة، فإنه لا صوم عليه في الحال وبالتالي فلا قضاء عليه، لأن المجنون والمغمى عليه غير مكلَّفَين وعلى من كلَّفهما بالصوم وقضاء الصوم أن يأتينا بدليل من الشرع.
وإنَّ صيام رمضان عبادةٌ تتكرر كل نهار، والصيام هو الامتناع عن المفَطِّرات وعليه فإنه ليس صحيحًا أن صيام شهر رمضان كله عبادة واحدة تلزمها نية واحدة، وإنما الصحيح هو أن صيام كل يوم من أيام رمضان عبادة مستقلة عما قبلها، وعما بعدها وهذه العبادة تحتاج إلى نية، وهذه النية يجب عقدها كلَّ ليلة قبل حلول الفجر.
[ ٦٨ ]
ثم إن العبادات توقيفية تحتاج كل واحدة منها إلى نص من قرآن أو حديث أو إجماع صحابة، ولا تصح أية عبادة بالقياس، لأن العبادات لا تعلَّل إلا أن توجد العلة في النص فتؤخذ وهي نادرة جدًا في العبادات فإنْ جاء نصٌّ بعبادة قلنا بها وإلا رفضناها مهما كان عدد القائلين بها أو نوعيتهم.
وبناء على ما سبق أقول: إن المجنون والمغمى عليه لا تكليف عليهما ولا صوم عليهما، وبالتالي فإنه لا يتوجَّب عليهما قضاءُ ما فاتهما من صيام، سواء فاتهما صيام يوم أو عدة أيام أو شهر رمضان بكامله، وهذا واضح. وأما إن نوى شخص في الليل الصيام، ثم بعد النية أصابه جنون أو إغماء في جزء من النهار ثم أفاق احتُسِب له صيامُ يوم، وأيضًا لا قضاء عليه، فهو كالنائم سواء بسواء. فالنائم إن نوى الصيام من الليل ثم نام جزءًا من النهار، سواء كان الجزء طويلًا أو قصيرًا، أولَ النهار، أو وسَطَه، أو آخِرَه احتُسب له صيام ذلك اليوم، ولا يضيره أن يفقد الاستشعار بالصوم، لأن زوال الاستشعار لا يمنع صحة الصوم كما يقول أبو حنيفة.
[ ٦٩ ]
وقد يقول قائل: ما دام أن الإغماء كالنوم فلماذا يُطلب من النائم عن الصلاة أن يأتي بها عند إفاقته ويقظته، ولا يطلب من المغمَى عليه الإتيانُ بالصوم عند إفاقته؟ والجواب عليه هو أن العبادات كما قلنا لا تعلَّل وأنها توقيفية، وبالتالي لا تقاس واحدة على الأخرى فلا يقاس الصوم على الصلاة، ولا يقاس قضاء الصوم على قضاء الصلاة فالحائض مثلًا تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة وهنا جاء الأمر للنائم أن يقضي الصلاة فوجب عليه أن يأتي بها عندما يستيقظ، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها، فلْيُصَلِّها إذا ذكرها، فإن الله يقول: أقم الصلاة لذِكْري﴾ رواه مسلم (١٥٦٩) وأحمد والبيهقي وأبو نعيم. فهو نصٌّ في الصلاة لا نجد مثله في الصوم، والشرع لا يغفل عن تشريع ما يجب، فلو كان الصوم يُقضَى من قبل النائم أو المغمى عليه أو المجنون، لقال لنا الشرع ذلك، فلما لم يقله فإنه لا يُقبَل من أيِّ مسلم فضلًا عن أي فقيه أن يقوله. وإذن فإن الرجل إذا جُن أو أُغميَ عليه يومًا كاملًا أو أيامًا كاملة فلا صوم عليه، ولا قضاء، ومثله إن جُن أو أُغميَ عليه جزءًا من نهار، وكان في الليل قد عقد النية للصوم فإن صومه مقبول، ولا قضاء عليه. ونستأنس هنا بما رُوي عن نافع قال ﴿كان ابن عمر يصوم تطوُّعًا فيُغْشَى عليه فلا يفطر﴾ رواه البيهقي (٤ /٢٣٥) وقال [هذا يدل على أن الإغماء خلال الصوم لا يفسده] .
[ ٧٠ ]
فتبقى حالة ما إذا كان الجنون، أو الإغماء، قد حصل في الليل، فلم يتمكن الشخص من أن يعقد نية الصوم، ثم زال عارض الجنون أو الإغماء في جزء من النهار ففي هذه الحالة يتوجب على هذا الشخص أن يمسك فورًا عن المفَطِّرات، ويصوم بقية اليوم ثم يقضيه في يوم آخر لأن النية ركن وشرط في الصيام لا يصح بدونها، فلا يصح منه الصيام في هذه الحالة، ولذا وجب عليه القضاء. وحيث أنه أدرك جزءًا من النهار وهو مفيق فإنه يكون قد أدرك جزءًا من عبادةٍ واجبةٍ، فوجب أن يمسك عن المفطرات ومثل هذه الحالة ما رواه عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه ﴿أن أَسلمَ أتت النبي ﷺ، فقال: صمتم يومكم هذا؟ قالوا: لا، قال: فأَتمُّوا بقيةَ يومِكم، واقضوه﴾ قال أبو داود: يعني يوم عاشوراء. رواه أبو داود (٢٤٤٧) والبيهقي. قوله أَسلم: أي قبيلة أسلم. فقد جاء في هذا الحديث (أتمُّوا بقية يومكم واقضوه) وأما كون هذا النص في يوم عاشوراء فلا يغير من الأمر شيئًا.
ومن ذلك يظهر أن قول مالك وأحمد: يقضي وإن مضى عليه سنون هو خطأ وأن قول أبي حنيفة: إن جُن جميع الشهر فلا قضاء عليه، وإن أفاق في أثنائه قضى ما مضى، هو أيضًا خطأ، وخطؤُه آت من اعتباره رمضان كله عبادةً واحدة، ولو كان يعتبر صيام كل يوم عبادة منفصلة تحتاج إلى نية، لما قال ما قال. وإن قول أبي ثور والشافعي في الجديد: فأما المجنون فلا يلزمه قضاء ما مضى هو قول سديد صائب.