[ ٣٤٥ ]
اتفق العلماءُ على أنه يجوز للمعتكِف في المسجد أن يخرج منه لقضاء الحاجة التي لا بد منها، وهي البول والغائط والقيء والاغتسال والوضوء، وما هو من هذا القبيل وأنه إن فعل ذلك لم يبطل اعتكافه، واختلفوا فيما سوى ذلك: فذهب الثوري والشافعي، وأحمد في رواية، إلى أن للمعتكِف أن يخرج لعيادة المريض وصلاة الجنازة إن هو اشترطه في ابتداء اعتكافه سواء أكان الاعتكاف واجبًا كاعتكاف النذر أم كان غير واجب. ووافقهم إسحق في الاعتكافِ تطوُّعًا، أما في الاعتكاف الواجب فلا يصح ذلك عنده. وقال مالك والأوزاعي: لا يكون في الاعتكاف شرط. وقال سعيد ابن جبير والحسن البصري والنخعي وأحمد في رواية إن للمعتكِف أن يعود المريض ويشهد الجنازة، دون أن يعلِّقوا ذلك بالشرط المسبق، ورُوي ذلك عن علي ﵁. وقال ابن حزم: كل فرض على المسلم فإن الاعتكاف لا يمنع منه وعليه أن يخرج إليه، ولا يضرُّ ذلك باعتكافه. ومثله قال ابن قدامة، فقد قال: إن له الخروج إلى ما أوجبه الله تعالى عليه، وأجاز الخروج لتحصيل المأكول والمشروب إذا لم يكن له مَن يأتيه به. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجوز للمعتكِف أن يخرج مطلقًا، فإن خرج بطل اعتكافه وإن قلَّ. وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن تلميذا أبي حنيفة: لا يفسد حتى يكون أكثر من نصف يوم، لأن اليسير معفوٌّ عنه.
كما اختلفوا في خروج المعتكِف لحضور صلاة الجمعة إن كان الاعتكاف في مسجدٍ لا تقام الجمعة فيه، فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد إلى أنه يخرج لصلاة الجمعة ولا يبطل اعتكافُه بذلك الخروج. وللشافعي قولان أصحهما: يبطل اعتكافه إن خرج لصلاة الجمعة إلا إن كان قد شرطه مسبقًا، ثم يستأنف الاعتكاف.
[ ٣٤٦ ]
أما في داخل المعتَكَف، أي في داخل المسجد، فقد اتفق معظم الفقهاء على أنه ليس للمعتكِف أن يتَّجرَ ويكتسب بالصنعة على الإطلاق. وقال الشافعي: لا بأس للمعتكِف بأن يبيع ويشتري ويخيط الثيابَ. ونقل ابن قدامة عن أحمد قوله: لا يبيع ولا يشتري إلا ما لا بد منه.
والحق الذي ينبغي الذهاب إليه والقول به هو أن للمعتكف أن يخرج لحاجته التي لا بد له منها دون تحديدٍ، سواء شرَّط ذلك أم لم يشرِّط، ولا يفسد اعتكافه به. ولا حاجة بنا للدخول في سرد هذه الحاجات الضرورية الواجبة، فهي ليست ثابتة، وتختلف من شخص لآخر، ومن وقت لآخر، فلو خرج المعتكِف في يوم برد لإحضار مدفأة له، أو خرج في يوم حر لإحضار مروحةٍ له، فإن له ذلك ولا يقدح في اعتكافه وطبعًا يحق للمعتكِف بل يجب عليه أن يخرج لحضور صلاة الجمعة، ولا يبطل اعتكافه به، ولو جاءه خبر أن ابنه تعرَّض لحادث دهس ويحتاج للنقل إلى المستشفى، فإن له أن يخرج لذلك ولا يُبطِلُ ذلك اعتكَافَه، وهكذا أما الخروج من المسجد، دون حاجة ملحة فلا شك في أنه يُبطِل الاعتكاف.
وأما في داخل المسجد، فإن كل ما جاء النهي عن فعله فيه يُنهى المعتكِف عنه وما لا نهيَ عنه فيه فإن للمعتكِف أن يفعله، دون أن يؤثر ذلك في صحة اعتكافه، ونقول هذا القول أيضًا دون سردٍ للأفعال الجائزة، فهي أكثر من أن تحصى وتحدَّد في ورقة أو ورقتين. وهذه جُملة من النصوص المتعلقة بهذه المسألة:
١- قال تعالى ﴿ ولا تُباشروهُنَّ وأَنتم عاكفونَ في المساجدِ تلكَ حُدودُ اللهِ فلا تَقْرَبُوها كذلك يبينُ الله آياتِه للناسِ لعلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
٢- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يُصغي إليَّ رأسَه وهو مجاوِرٌ في المسجد، فأُرجِّلَه وأنا حائض﴾ رواه البخاري (٢٠٢٨) وأبو داود وابن ماجة وأحمد باختلافٍ في الألفاظ.
[ ٣٤٧ ]
٣- وعنها ﵂ قالت ﴿وإنْ كان رسولُ الله ﷺ ليُدخِلُ عليَّ رأسَه وهو في المسجد فأُرَجِّلَه وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكِفًا﴾ رواه البخاري (٢٠٢٩) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد والترمذي.
٤- عن علي بن الحسين أن صفية زوج النبي ﷺ أخبرته ﴿أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي ﷺ معها يَقْلِبُها﴾ رواه البخاري (٢٠٣٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد
٥- عن عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يمرُّ بالمريض وهو معتكِف فيمرُّ كما هو ولا يعرِّج يسأل عنه﴾ رواه أبو داود (٢٤٧٢) والبيهقي
٦- وعنها ﵂ قالت ﴿إنْ كنت لأدخُلُ البيت للحاجة والمريضُ فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّة، قالت: وكان رسول الله ﷺ لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كانوا معتكفين﴾ رواه ابن ماجة (١٧٧٦) وأحمد والبيهقي وابن خُزيمة باختلافٍ في الألفاظ.
٧- وعنها ﵂ قالت ﴿السُّنة على المعتكِف أن لا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ولا يمسَّ امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجدٍ جامع﴾ رواه أبو داود (٢٤٧٣) .
في تفسير الآية الكريمة البند الأول نُقل عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال (المباشرة والملامسة والمس جماعٌ كله، ولكنَّ الله ﷿ يَكْني ما شاء بما شاء) رواه البيهقي وغيره. وقد مرَّ في بحث [أين يكون الاعتكاف؟] ونقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع.
[ ٣٤٨ ]
والحديث في البند الثاني كالحديث في البند الثالث، كلاهما يفيد أن المعتكِف يُخرِج رأسَه من المسجد من أجل إِصلاحه وتمشيطه، وفي روايةٍ للبخاري (٢٠٣١) ﴿فأُغسِّله وأنا حائض﴾ مما يدل كل ذلك على جواز الاغتسال للنظافة وإصلاح الهيئة بتمشيط وحُسْنِ هندام. والحديث الثالث واضح الدلالة على جواز الخروج لحاجة، وقد اتفقوا على أن الحاجة تعني هنا البول والغائط وشبههما. أما الحديث الرابع فهو يدل على استقبال المعتكِف لزواره ومحادثتِهم والمشيِ معهم لتوديعهم. فقوله (فقام النبي ﷺ معها يَقْلِبُها) معناه أنه مشى معها في عودتها من عنده. أما الحديث الخامس الذي رواه أبو داود، ففيه ليث بن أبي سليم، ضعَّفه أحمد ويحيى بن سعيد وأبو حاتم وابن معين وابن المَديني وغيرهم فيترك. وأما الحديث السادس فهو دالٌ على جواز الخروج للحاجة، وقد فسَّرها ابن شهاب الزُّهري بالبول والغائط. قال ابن حجر: قد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في غيرهما. وأما الحديث السابع، فإن أبا داود بعد أن رواه قال [غير عبد الرحمن بن إسحق لا يقول فيه (قالت: السُّنَّة) قال أبو داود: جعله قول عائشة] وقال الدارَقُطني [إن السُّنَّة للمعتكِف إلى آخره، ليس من قول النبي ﷺ، وإنه من كلام الزهري، ومَن أدرجه في الحديث فقد وهم، والله أعلم، وهشام بن سليمان لم يذكر هـ] فلا يعدو الحديث أن يكون من قول عائشة ﵂، وقول عائشة ليس دليلًا شرعيًا حتى يتوجَّب الأخذُ به لا سيما وأن غيرها من الصحابة قد أفتَوْا بعكس قولها هذا، فقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/٥٠٠) عن علي ﵁ قوله ﴿إذا اعتكف الرجل فلْيشهدْ الجمعةَ ولْيَعُد المريضَ وليشهد الجنازةَ ولْيأت أهلَه ويأمرهم بالحاجة وهو قائم﴾ وأقوال الصحابة إن اختلفت وتضاربت فإنها تدلُّ على أنها أفهامٌ لهم واجتهادات لا يجب علينا الأخذ بها
[ ٣٤٩ ]
إلا تقليدًا لهم فحسب، فمن شاء قلَّد عائشة، ومن شاء قلَّد عليًا.
والحق الذي أراه، هو أن عيادة المريض، وحضور الجنازة ليسا من الحاجات الضرورية الواجبة، حتى يخرج إليها المعتكِف، وإنما هي مندوبات فحسب، ولا تُجيز المندوبات للمعتكِف أن يخرج. وأما ما جاء النهي عن فعله في المسجد فيمكن الوقوفُ عليه بمراجعة كتابي [الجامع لأحكام الصلاة] الجزء الثاني، بحث [أدب المسجد] الفصل الثاني.