اختلف الفقهاء والأئمة في تعيين أول صوم مفروض على المسلمين، فذهب الأحناف وابن حجر من الشافعية إلى أن أول ما فُرض هو صيام يوم عاشوراء. وزاد الأحناف: ثلاثة أيام من كل شهر. وقالوا: إن ذلك قد نُسخ بصوم رمضان، بحيث يمسك الصائم من صلاة العشاء إلى غروب الشمس، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم هُنَّ لِباسٌ لكم وأَنتم لِباسٌ لهنَّ عَلِمَ الله أَنكم كُنتم تخْتانُون أَنْفُسَكم فتابَ عليكم وعفا عنكم فالآن باشِرُوهُنَّ وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشْربوا حتى يتبينَ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسْودِ من الفَجْرِ ثم أَتِمُّوا الصيامَ إِلى الليل ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة. كما أنهم استدلوا على ما ذهبوا إليه بالأحاديث التالية:
[ ١٦ ]
١- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال ﴿أُحيلت الصلاةُ ثلاثةَ أحوال، وأُحيل الصيامُ ثلاثةَ أحوال – فذكر الحديث إلى أن قال – وأما أحوالُ الصيام، فإن رسول الله ﷺ قدِم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام – وقال يزيد: تسعة عشر شهرًا – من ربيع الأول إلى رمضان، من كل شهر ثلاثة أيام وصام يوم عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام فأنزل الله ﷿ (يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصِّيامُ كما كُتبَ على الذين من قبلِكم ) إلى هذه الآية ( وعلى الذين يُطيقونُه فِدْيةٌ طعامُ مسكين ) قال: فكان مَن شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينًا، فأجزأ ذلك عنه، قال: ثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى (شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيه القرآنُ ) إلى قوله ( فمن شهدَ منكم الشَّهرَ فَلْيصُمْه ) قال: فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبَّت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حَوْلان، قال: وكانوا يأكلون ويشربون، ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له صِرْمة، ظل يعمل صائمًا حتى أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائمًا، قال: فرآه رسول الله ﷺ، وقد جَهَد جَهْدًا شديدًا، قال: مالي أراك قد جَهَدْت جَهْدًا شديدًا؟ قال: يا رسول الله، إني عملتُ أمسِ، فجئت حين جئت، فألقيتُ نفسي فنمت، وأصبحتُ حين أصبحتُ صائمًا، قال: وكان عمر قد أصاب النساء من جارية، أو من حرَّة، بعدما نام، وأتى النبي ﷺ، فذكر ذلك له، فأنزل الله ﷿ (أُحلَّ لكم ليلةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نسائِكم ) إلى قوله ( ثم أتِمُّوا الصيامَ إِلى الليلِ ) – وقال يزيد –
[ ١٧ ]
فصام تسعةَ عشر شهرًا من ربيع الأول إلى رمضان﴾ رواه الإمام أحمد (٢٢٤٧٥) وأبو داود والبيهقي. وروى مسلم وأحمد مثله عن عبد الله بن مسعود أيضًا.
٢- عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال ﴿صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضان تُرِك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه﴾ رواه البخاري (١٨٩٢) ومسلم وأحمد والبيهقي. وفي لفظٍ ثان للبخاري (٤٥٠١) ومسلم وأبي داود وأحمد من طريقه ﴿كان عاشوراء يصومه أهلُ الجاهلية، فلما نزل رمضان قال: من شاء صامه، ومن لم يشأ لم يصمه﴾ .
٣- عن عائشة ﵂ ﴿أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية، ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه حتى فُرض رمضان، وقال رسول الله ﷺ من شاء فلْيصُمْ ومن شاء أفطر﴾ رواه البخاري (١٨٩٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي. وروى البخاري (٤٥٠٤) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي ومالك وأحمد والدارمي من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت ﴿كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان كان رمضانُ الفريضةَ وتُرك عاشوراء، فكان من شاء صامه، ومن شاء لم يصمه﴾ .
٤- عن علقمة عن عبد الله - بن مسعود – رضي الله تعالى عنه قال ﴿دخل عليه الأشعث وهو يَطْعَم فقال: اليوم عاشوراء، فقال: كان يُصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان تُرك، فادْنُ فكُل﴾ رواه البخاري (٤٥٠٣) ومسلم وأحمد والبيهقي.
[ ١٨ ]
٥- عن الرُّبَيِّع بنت مُعوِّذ ﵂ قالت ﴿أرسل النبي ﷺ غداةَ عاشوراء إلى قرى الأنصار: من أصبح مفطرًا فلْيُتمَّ بقيةَ يومه ومن أصبح صائمًا فلْيصمْ قالت: فكنا نصومه بعدُ ونُصوِّم صبيانَنا، ونجعل لهم اللعبةَ من العِهْن فإذا بكى أحدُهم على الطعام أعطيناه ذلك حتى يكون عند الإفطار﴾ رواه البخاري (١٩٦٠) ومسلم وابن خُزيمة وابن حِبَّان والبيهقي.
٦- عن سَلَمَة بن الأكوع ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث رجلًا ينادي في الناس يوم عاشوراء: إِنَّ مَن أكل فليُتِمَّ أو فلْيصُمْ ومن لم يأكل فلا يأكل﴾ رواه البخاري (١٩٢٤) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان والدارمي.
وذهب الجمهور والشافعية في المشهور عنهم، إلى أنه لم يُفرض قطُّ صومٌ قبل صوم رمضان، واستدلوا على قولهم هذا بما روى حُمَيد بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية ابن أبي سفيان ﵄ يوم عاشوراء عام حجٍّ على المنبر يقول ﴿يا أهل المدينة أين علماؤُكم؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يَكْتُب الله عليكم صيامَه وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر﴾ رواه البخاري (٢٠٠٣) ومسلم والنَّسائي وابن حِبَّان. ورواه أحمد بن حنبل (١٦٩٩٢) بلفظ ﴿هذا يوم عاشوراء، ولم يُفرض علينا صيامُه، فمن شاء منكم أن يصوم فليصم فإني صائم، فصام الناس﴾ فنقول ما يلي:
الحديث رقم ١ الذي رواه أحمد من طريق معاذ ﵁ فيه انقطاع بين عبد الرحمن ابن أبي ليلى ومعاذ، وذلك أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذًا كما ذكر ذلك المحدِّثون، فهو إذن حديث منقطعٌ، فيُردُّ سندًا، وبردِّه يُرَدُّ قول الأحناف بفرض صيام ثلاثة أيام قبل شهر رمضان. ونأتي الآن لمناقشة الأدلة الصحيحة:
[ ١٩ ]
الآية ليس فيها ذكرٌ لأي صومٍ فُرض على المسلمين قبل رمضان ولذا فإن هذه الآية لا يصح الاستدلال بها على موضوعنا. أما حديثا ابن عمر وحديثا عائشة عند البخاري، فإن ألفاظها لها دلالة واحدة، هي أن الرسول ﷺ قد أمر بصوم عاشوراء إلى أن فُرض رمضان فلما فُرض رمضان لم يعد الرسول ﷺ يأمر بصوم عاشوراء. وهذا الأمر يشكِّل دليلًا على أن يوم عاشوراء كان صومُه مفروضًا على المسلمين عند من يقولون ويتبنَّون أن الأمر يفيد الوجوب.
فنقول لهؤلاء: إننا لا نُقِرُّكم على أن الأمر يفيد الوجوب، وإنما نحن نرى أن الأمر يفيد مجرد الطلب، والقرائن هي التي تحدِّد نوع الطلب إن كان واجبًا أو مندوبًا أو حتى مباحًا وإذن فإن أمر الرسول ﷺ بصيام يوم عاشوراء، هكذا دون قرينة على الوجوب، لا يدل على أن صوم يوم عاشوراء كان واجبًا. ونضيف لهؤلاء القول: إنكم لا تقولون ما تقولون على إطلاقه، وإنما تقولون إن الأمر يفيد الوجوب، إلا إن وُجِدت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب مثلًا، فهلا بحثتم عن القرينة، وهي موجودة في النصوص بشكل لا يخفى على فقيه؟!
[ ٢٠ ]
إن حديث معاوية عند البخاري وأحمد، يصلح قرينةً ظاهرةً تصرف الأمر النبوي الكريم إلى الندب، فقوله ﵊: (لم يَكْتُب اللهُ عليكم صيامه وأنا صائم)، أو قوله (ولم يُفرض علينا صيامُه فمن شاء منكم أن يصوم فليصم) هو قرينة على أن الأمر النبوي الكريم بصيام يوم عاشوراء كان أمرًا على الندب وليس على الوجوب. أما أنه ليس أمرًا على الوجوب فواضحٌ بالمنطوق، وأما أنه أمرٌ على الندب فهو أنه ﵊ قال للمسلمين (وأنا صائم) وقال لهم (فمن شاء منكم أن يصوم فليصم) فكونه ﵊ يعلن أنه صائم ويأمر من يشاء أن يصوم بالصوم، وكون الصوم عبادة يُتقرب بها إلى الله سبحانه فإن ذلك يشكل دليلًا وقرينة على أن صيام عاشوراء مندوب.
أما استدلالهم بحديثي الرُّبيِّع عند البخاري، وحديث سَلَمة بن الأكوع عنده أيضًا، فأقول: إن لفظ الحديثين من حيث الدلالة واحد، الحديث الأول يقول (من أصبح مفطرًا فلْيُتمَّ بقيةَ يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم) والحديث الثاني يقول (إنَّ مَن أكل فليُتمَّ أو فلْيصمْ، ومن لم يأكل فلا يأكل) وهذان الحديثان لم يأتيا في باب فرض الصوم لا بالمنطوق ولا بالمفهوم، أما بخصوص المنطوق فواضح، وأما بخصوص المفهوم، فإن الرسول ﷺ حين يأمر بأمرٍ واجبٍ يُرشدنا إلى كيفيته، وأيضًا عندما يأمرنا بأمر مندوب يرشدنا إلى كيفيته دون أن يكون لذِكر الكيفية دلالةٌ على الوجوب أو على الندب، وإنما هي تابعة في الحكم لأصل الأمر، فإن كان الأمر للوجوب أُلحقت كيفيته به، وإن كان الأمر للندب كانت الكيفية تابعة له في الندب. ولا حاجة بنا لذكر الأمثلة على ما نقول فهي من الشيوع والشهرة بحيث لا تخفى على عالم أو فقيه. وهنا جاء ذكر كيفية العمل عند مرور وقتٍ من نهار يومٍ يُصام ولا تدل هذه الكيفية مطلقًا على وجوب ذلك الصوم.
[ ٢١ ]
وأما حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فإنه لا يضيف شيئًا إلى أحاديث ابن عمر وعائشة ﵄، وهكذا يبقى حديث معاوية بمنطوقه دليلًا ناصعًا على نفي وجوب صيام يوم عاشوراء، فوجب القول به وترك ما سواه.
ثم مالنا نبتعد كثيرًا في البحث في هذه المسألة، وعندنا الدليل والفيصل الساطع في كتاب الله الكريم، يقول تعالى في الآية ١٨٣ من سورة البقرة ﴿يا أيها الذين آمنوا كُتبَ عليكم الصيامُ كما كُتِبَ على الذين من قبلِكُم لعلَّكم تتَّقون﴾ انظروا في قوله ﴿كُتب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم﴾ فقوله كتب عليكم الصيام هنا، جاءت كلمة الصيام عامة ومطلقة، وجاء البيان بأن الصيام قد كتب علينا آنذاك ولو كان الصيام مفروضًا علينا من قبل لما جاء اللفظ الكريم هكذا، فهذه الآية الكريمة جاءت تعلن فرض الصيام، وتدل على أنه لم يكن صيامٌ مفروضٌ قبل ذلك، هذه واحدة.
والثانية هي قوله، كما كتب على الذين من قبلكم، ولو كان الصيام مكتوبًا علينا من قبل هذه الآية لما جاء القول كما كتب على الذين من قبلكم، فقد قال كما كتب على الذين من قبلكم، ولم يقل كما كتب عليكم في يوم عاشوراء مثلًا، وهذا دليل ناصع على أنه لم يكن على المسلمين صيام واجب قبل صيام شهر رمضان، وغفر الله لمن يقول غير ذلك وإِنما الأخطاء عند الفقهاء والعلماء تأتي من الاقتصار على دليل أو بضعة أدلة وترك ما عداها، وكأنَّ الاجتهاد مسالةُ انتقاءٍ للنصوص، وليس أخذًا بها وإِعمالًا لها كلِّها إلا أن يكون منها ضعيف أو مخالفٌ للأحاديث الصحيحة فيطرح ولا يُلتفت إليه.
وقد نطقت عدةُ أحاديث بفرض صيام شهر رمضان دون أن نجد حديثًا واحدًا ينطق بفرض صيام عاشوراء، أذكر منها على سبيل المثال:
[ ٢٢ ]
١- عن طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه ﴿أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان، إلا أن تَطوَّع شيئًا ﴾ رواه البخاري (١٨٩١) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٢- عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ﴿بُني الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإِقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، والحجِ، وصومِ رمضانَ﴾ رواه البخاري (٨) ومسلم والنَّسائي والترمذي وأحمد. ولا يُبنى الإسلام إلا على الفروض الواجبة، بل ولا يُبنى إلا على الأركان.