ونعني به الساعة التي يدخل فيها المعتكِف مُعْتَكَفَه لا يبرحه.
[ ٣٣٦ ]
وقد اختلف الفقهاء في تحديد بدء الاعتكاف على رأيين: فذهب الأوزاعي وإِسحق بن راهُوَيْه والليث وأحمد في روايةٍ عنهما، إلى أن الرجل إذا أراد الاعتكاف صلى الفجر ثم دخل في مُعتَكَفه. وذهب الآخرون، وهم الأئمةُ الثلاثةُ، وأحمد في الرواية الثانية إلى أن الرجل إذا أراد الاعتكاف دخل معتكَفه قبل غروب الشمس. قال الترمذي [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يقولون: إذا أراد الرجل أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتَكَفه، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحق بن إبراهيم. وقال بعضهم: إذا أراد أن يعتكف فلْتغِبْ له الشمسُ من الليلة التي يريد أن يعتكف فيها من الغد وقد قعد في معتكَفه، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس] .
استدل الفريق الأول على رأيهم بحديث عائشة ﵂ قالت ﴿كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له خِباءً فيصلي الصبح ثم يدخله ﴾ رواه البخاري (٢٠٣٣) ورواه مسلم (٢٧٨٥) والنَّسائي في السنن الكبرى وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأحمد بلفظ ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل مُعْتَكَفه ﴾ .
أما الفريق الآخر، وهم الأئمة الثلاثة وأحمد في الرواية الثانية عنه، فقد قالوا: يدخل المعتكِف في مُعْتَكَفه قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهرٍ، أو اعتكاف عشرٍ، وأَوَّلوا حديث عائشة بأن النبي ﷺ دخل المعتكَف وانقطع فيه وتخلَّى بنفسه بعد صلاة الصبح وأنه ﵊ كان معتكِفًا لابثًا في المسجد قبل غروب الشمس!! وقال الشافعي في كتاب الأم [من أوجب على نفسه اعتكاف شهر فإنه يدخل في الاعتكاف قبل غروب الشمس ويخرج منه إذا غربت الشمس آخر الشهر] .
[ ٣٣٧ ]
وبالتدقيق في هذين القولين نجد أنه يمكن التوفيق بينهما، فقول الفريق الآخر بوجوب دخول المعتكَف قبل غروب الشمس مقيَّدٌ بما إذا أراد المعتكِف تحديد يومٍ أو عشرةِ أيام أو شهرٍ مثلًا لاعتكافه، وحيث أن المسلمين يعتدُّون لدخول اليوم بحلول الليل أولًا، فإن بداية اليوم عندهم أو بداية الشهر لا شك في أنها تكون بحلول الليل، فكان إيجابهم دخول المعتكِف معتكَفه قبل غروب شمس اليوم الذي سبقه قول صحيح بلا شك. وأنا لا أظن أن الفريق الأول يخالفون هذا القول، وإنما الخلاف الحقيقي في الاستناد إلى فعل الرسول ﷺ، هل كان يبدأ اعتكافه في بداية الليل أم عقب صلاة الصبح؟
الصحيح الذي ينبغي الذهاب إليه هو أن الرسول ﵊ كان يبدأ اعتكافه عقب صلاة الصبح وقد جاء ذلك منطوقًا فلا حجة لمن عارضه بتأويلات بعيدةٍ، فالحديث يقول صراحة (فيصلي الصبح ثم يدخله) ويقول (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكَفه) وهذا منطوقٌ في أَنَّ بدء الاعتكاف يكون عقبَ صلاة الفجر لا يُستطاع تأويله بغير هذا الذي يدل عليه. وكان يمكن للحديث مثلًا أن يأتي بصيغة: إذا صلى الصبح عاد إلى معتكَفه، أو: ثم يصلي بالمسلمين صلاة الصبح فيدخل في معتكَفه مجدَّدًا، فيكون دليلًا على ادعائهم، أما وأنه لم يأت هكذا، بل جاء صريحًا بالقول (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكَفَه) فإِنه ينبغي الوقوف عنده وعدم مخالفته بتأويلات بعيدةٍ.
[ ٣٣٨ ]
وأقول هنا ما يلي: إِ نَّ كلَّ ما سبق ينبغي أن لا يُفهَم منه أنَّ الاعتكاف لا يصح أن يبدأ إلا عقب صلاة الفجر أو قبيل الغروب، وإنما الاعتكاف كما يصحُّ أن يُبدأ به عقب صلاة الفجر أو قُبَيل غروب الشمس، فإنه يصح أن يُبدأ به في أي وقت من ليلٍ أو نهارٍ. أما ما سبق وناقشناه من أدلةٍ، فإنما ذلك من أجل الردِّ على أقوال الأئمة والفقهاء واستدلالاتهم لا غير، وإنَّ الوصول في المناقشةِ إلى أن الرسول ﷺ كان يعتكف عقب صلاة الفجر لا يدلُّ على أنَّ ذلك مُلزِمٌ أو أنه شرطٌ، إذ لا دليل ولا قرينة على أنَّ ذلك قد جاء على سبيل الإلزام والوجوب.