[ ٣٣٣ ]
يصحُّ الاعتكاف في أي يوم وفي أي ليلة على مدار العام دون استثناء، إذ النصوصُ لم يَرِدْ فيها أيُّ تقييد أو تخصيص، بل جاءت مطلقة غير مقيَّدة وعامة غير مخصَّصة وما جاء فيها من ذكرٍ للعشر الأواخر من رمضان فإنما جاء من باب الأفضلية والندب فحسب، ولم يجيءْ كشرطٍ واجب. ونتناول النصوص المتعلقة بهذه المسألة لاستنباط الحكم منها:
١- عن عبد الله بن عمر ﵁ قال ﴿كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود وابن ماجة.
٢- عن أبي هريرة ﵁ قال ﴿كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشْرةَ أيام، فلما كان العامُ الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين يومًا﴾ رواه البخاري (٢٠٤٤) وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة وأحمد وابن خُزيمة والدارمي.
٣- عن أم سلمة ﵂ ﴿أن النبي ﷺ اعتكف أول سنة العَشْرَ الأول ثم اعتكف العَشْرَ الأوسط ثم اعتكف العَشْرَ الأواخر وقال: إني رأيت ليلة القدر فيها فأُنسيتُها فلم يزل رسول الله ﷺ يعتكف فيهن حتى توفي رسول الله ﷺ﴾ رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣ /٩٩٤) قال الهيثمي [إسناده حسن] وقد مرَّ في الفصل [قيام رمضان وليلة القدر] .
[ ٣٣٤ ]
٤- عن عَمْرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ ﴿أن رسول الله ﷺ ذكر أنْ يعتكف العَشْرَ الأواخر من رمضان، فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصةُ عائشةَ أن تستأذن لها ففعلت فلما رأت ذلك زينبُ بنتُ جحش أمرت ببناء فبُني لها، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا صلى انصرف إلى بنائه فأبصر الأبنية، فقال: ما هذا؟ قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب، فقال رسول الله ﷺ: أَلبرَّ أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكِفٍ، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) ومالك وأحمد وابن حِبَّان وابن خُزيمة وقد مرَّ. والعشر من شوال هو العشر الأَوَّل، كما جاء في روايةٍ لمسلم (٢٢٨٥) وأبي داود والبيهقي، فعن عائشة ﵂ قالت ﴿كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف، صلى الفجر ثم دخل مُعْتَكَفَهُ، وإِنه أمر بخِبائِه فضُرب لمَّا أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمرت زينب بخِبائِها فضُرب وأمر غيرُها من أزواج النبي ﷺ بخِبائِها فضرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر فإذا الأَخبية، فقال: ألْبِّر يُرِدْنَ؟ فأمر بخِبائِه فقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأَوَّل من شوال﴾ قوله الخِباء: هو مَسْكَنٌ من صوف أو وَبَرٍ منسوجٍ يقوم على عمودين أو ثلاثة، فإذا قام على أربعةٍ أو أكثر فهو بيتٌ. ولكن العَشْرَ من شوال حسب روايةٍ للبخاري هي العشر الأواخر، ففي البخاري (٢٠٤١) من طريق عائشة ﵂ قالت ﴿ فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغَداة، أبصر أربع قِباب، فقال: ما هذا؟ فأُخْبِر خبرهنَّ، فقال: ما حملهن على هذا؟ آلبِرُ؟ انزعوها فلا أراها فنُزعت فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال﴾ .
[ ٣٣٥ ]
٥- عن ابن عمر ﵁ ﴿أن عمر سأل النبي ﷺ، قال: كنت نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام؟ قال: أَوْفِ بنذرك﴾ رواه البخاري (٢٠٣٢) والنَّسائي وأبو داود والدارَقُطني. ووقع عند البخاري في رواية ثانية من طريقه (٢٠٤٢) بلفظ ﴿ فقال له النبي ﷺ: أَوْف نذرَكَ، فاعتكف ليلة﴾ .
يتضح من هذه النصوص ما قلناه في صدر البحث من أن الاعتكاف يصح في أي يوم على مدار العام، وأن ما ورد في النصوص من حصول الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان فإنما جاء على سبيل الندب والأفضلية ليس غير وذلك أن الحديث الثاني والحديث الثالث قد ذكرا غير العشر الأواخر، ففي الحديث الثاني جاء ذكر عشرين يومًا، وفي الحديث الثالث جاء ذكر العشر الأول والعشر الثاني، ثم العشر الأخير، ولكن الحديث الرابع جاء أوضحها من حيث الدلالة على جواز الاعتكاف في غير العشر الأواخر بل في غير رمضان، وأن الرسول ﵊ قد اعتكف في شوال على اختلافٍ بين الروايات، فروايةٌ تذكر العشر الأُوَل وأخرى تذكر العشر الأواخر، وكلا الروايتين تدلُ على أَنَّ الاعتكاف يجوز في غير رمضان. أما الحديث الخامس فهو أكثر النصوص إطلاقًا، إذ هو لم يقيد الاعتكاف بأي زمنٍ، مما يدل دلالة أكيدة على جواز الاعتكاف في أي يوم من أيام السنة.
ولكنني أعود وأقول إن الاعتكاف في رمضان هو أفضل منه في غيره، وإن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان هو أفضل منه في غيرها.
أما أفضلية الاعتكاف في العشر الأواخر فإنما هي من أجل التماس ليلة القدر فيها وما يناله المسلم إذا وفقه الله في طلبها والتماسها من فضل لا يعدله فضل.