[ ٣٧٩ ]
اختلف الصحابة والفقهاء من بعدهم في تحديد مقدارِ ما يُخْرَجُ من القمح في زكاة الفطر على رأيين، واتفقوا على إخراج صاعٍ واحد من سائر الأصناف الأخرى فذهب من الصحابة أبو بكر الصِّدِّيق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله وأبو هريرة وعبد الله ابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر وأبو قلابة ﵃ إلى أن نصف صاعٍ من قمح يُجْزِئُ في زكاة الفطر وبه قال سعيد بن المسيِّب وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وعروة بن الزبير وعطاء وطاووس ومجاهد وعمر بن عبد العزيز، والإمام أبو حنيفة. وقد أسند ابن المنذر عن كلٍّ من عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأسماء بنت أبي بكر أسانيد - قال ابن حجر إِنها صحيحة - أنهم رأوا أنَّ في زكاة الفطر نصفَ صاعٍ من قمحٍ. وقد أورد عبد الرزاق أقوال كلٍّ من ابن الزبير وابن مسعود وجابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وأبي قُلابة بأن مُدين من قمحٍ - أي نصف صاعٍ - أو صاعًا مما سواه يجزئ في زكاة الفطر. وأَورد ابن أبي شيبة أقوالًا مماثلة مسندة لابن الزبير وابن مسعود وعلي وعثمان وأبي قُلابة. فيما ذهب أبو سعيد الخدري وأبو العالية وأبو الشعثاء ﵃ إلى أن المجزئ في زكاة الفطر صاعٌ من القمح، وبه قال الحسن البصري وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحق بن راهُويه والشوكاني. قال الترمذي [والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شيء صاعًا، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق، وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم من كل شيء صاع إلا من البُرِّ، فإنه يجزئ نصف صاع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة يرون نصف صاع من بُرٍّ] ونحن حتى نصل إلى الحكم الصائب في هذه المسألة بإذن الله لا بد لنا من استعراض أدلة الطرفين:
[ ٣٨٠ ]
أ -أدلة من قالوا إن المجزئ في زكاة الفطر صاعٌ من قمح:
١- عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نخرج، إذ كان فينا رسولُ الله ﷺ، زكاةَ الفطر عن كل صغير وكبير، حرٍّ أو مملوكٍ، صاعًا من طعام، أو صاعًا من أَقِطٍ، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجًا، أو معتمرًا، فكلَّم الناس على المنبر، فكان فيما كلَّم به الناس أن قال: إني أرى مُدَّين من سمراء الشام تعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك، قال أبو سعيد: فأما أنا فلا أزال أُخْرِجُه كما كنت أُخْرِجه أبدًا ما عشتُ﴾ رواه الإمام مسلم (٢٢٨٤) وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن خُزيمة وابن حِبَّان.
٢- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿فرض النبي ﷺ صدقة الفطر – أو قال رمضان – على الذكر والأنثى، والحرِّ والمملوكِ، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاعٍ من بُرٍّ ﴾ رواه البخاري (١٥١١) وأحمد وابن خُزيمة والنَّسائي.
٣- عن ابن سيرين عن ابن عباس ﵄ قال: ذَكَر في صدقة الفطر، قال: ﴿صاعًا من بر أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير أو صاعًا من سُلْتٍ﴾ رواه النَّسائي (٢٥٠٩) وابن خُزيمة والبزَّار باختلافٍ في الألفاظ.
٤- عن زيد بن ثابت ﵁ قال ﴿خَطَبَنا رسولُ الله ﵌ فقال: من كان عنده طعام فلْيتصدقْ بصاعٍ من بُرٍّ، أو صاعٍ من شعير، أو صاعٍ من تمر، أو صاعٍ من دقيق، أو صاعٍ من زبيب، أو صاعٍ من سُلْتٍ﴾ رواه الحاكم في مستدركه (١/٤١١ – ٤١٢) وسكت عنه الذهبي.
ب - أدلة من قالوا إن المجزئ في زكاة الفطر نصف صاعٍ من قمح:
[ ٣٨١ ]
١- عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْري ﴿خطب رسول الله ﷺ الناس قبل الفطر بيومين، فقال: أدُّوا صاعًا من بُرٍّ أو قمحٍ بين اثنين، أو صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على كل حرٍّ وعبدٍ، وصغيرٍ وكبيرٍ﴾ رواه أحمد (٢٤٠٦٣) وأبو داود وعبد الرزاق بإسنادٍ رجالُه ثِقات. ورواه الدارَقُطني (٢/١٤٨) من عدَّة طرق بلفظ - عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير عن أبيه - فصار مُسندًا متصلًا. وكذا رواه ابن خُزيمة – عن أبيه – (٢٤١٠) .
٢- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ﵁ ﴿أن النبي ﷺ بعث مناديًا في فِجاج مكة: ألا إن صدقة الفطر واجبةٌ على كل مسلمٍ، ذكرٍ أو أنثى، حرٍّ أو عبدٍ، صغيرٍ أو كبيرٍ، مُدَّان من قمحٍ، أو سواه صاع من طعام﴾ رواه الترمذي (٦٦٩) والدارَقُطني. قال الترمذي [هذا حديث غريبٌ حسن] .
٣- عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ قال ﴿كان الناس يخرجون صدقة الفطر على عهد رسول الله ﷺ: صاعًا من شعيرٍ أو تمرٍ، أو سُلْتٍ أو زبيبٍ، قال: قال عبد الله: فلما كان عمر ﵁ وكثرت الحنطة جعل عمر نصفَ صاعِ حنطة مكان صاع من تلك الأشياء﴾ رواه أبو داود (١٦١٤) والنَّسائي والدارَقُطني.
٤- عن أبي هريرة ﵁ في زكاة الفطر ﴿على كل حر وعبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، فقير أو غني، صاعٌ من تمر، أو نصفُ صاعٍ من قمح، قال معمر: وبلغني أن الزهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ﴾ رواه أحمد (٧٧١٠) بسند صحيح. ورواه الطحاوي وعبد الرزاق والبيهقي.
٥- عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قالت: ﴿كنا نؤدي زكاة الفطر على عهد رسول الله ﷺ مُدَّين من قمح، بالمدِّ الذي تقتاتون به﴾ رواه أحمد (٢٧٤٧٥) والطحاوي.
[ ٣٨٢ ]
٦- إضافةً للآثار المروية عن عدد كبير من صحابة رسول الله ﷺ كما أشرت إلى ذلك، مما جاء عند ابن المنذر وعبد الرزاق وابن أبي شيبة، يقولون: زكاة الفطر نصف صاعٍ من قمح، أو مُدَّانِ منه.
وبالنظر في أدلة الفريق الأول، نجد أن الحديث الثالث قد رواه ابن سيرين عن ابن عباس ﵁، والمعلوم أن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئًا، فصار الحديث منقطعًا ضعيفًا، قال أحمد وعلي بن المَديني ويحيى بن معين والبيهقي: محمد بن سيرين لم يسمع من ابن عباس شيئًا. فيُرَدُّ هذا الحديث.
وأما الحديث الرابع الذي رواه الحاكم ففي رواته سليمان بن أرقم، قال عنه أحمد: سليمان بن أرقم ليس بشيء. وقال ابن معين: ليس بشيء ليس يسوى فلسًا. وقال البخاري وأبو داود: تركوه. وقال أبو حاتم والترمذي: متروك الحديث. فيرد الحديث. فيبقى عندهم حديثان صحيحان: حديث أبي سعيد وحديث ابن عمر. أما حديث أبي سعيد فقد جاء فيه (صاعًا من طعام، أو صاعًا من أَقِط، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من زبيب) ولا حجة فيه على ما يقولون:
فأولًا: لم يرد فيه لفظ القمح أو البُر أو الحنطة مطلقًا، ولم يرد فيه من شبهةِ دليلٍ عندهم إلا قوله (صاعًا من طعام) قائلين إن الطعام إذا أطلق فإنما معناه القمح. فنجيبهم بأنا لا نسلِّم بأن لفظة الطعام إذا أُطلقت فإن معناها القمح، وذلك أن التمر والشعير والزبيب والأقط وغيرها تدخل تحت هذه اللفظة، فلا مبرِّر لقصرها على القمح.
[ ٣٨٣ ]
وثانيًا: إن غالب طعام المسلمين في العهد النبوي كان التمر والشعير، وأقلَّ منهما الزبيب والأقِط، ولم يكونوا يأكلون القمح إلا نادرًا، وذلك لندرته آنذاك، فكيف يدَّعون أن لفظة الطعام تطلق على القمح وحده؟ انظروا إلى ما جاء في روايةٍ لعبد الله بن عمر ﵁ ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين ﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) وأبو داود ومسلم والنَّسائي والترمذي وابن ماجة، وما جاء في روايةٍ أخرى له ﴿أمر النبي ﷺ بزكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، فجعل الناس عدلَه مُدَّين من حنطة﴾ رواه البخاري (١٥٠٧) ومسلم والترمذي وابن ماجة والدارمي. فهاتان الروايتان قد ذكرتا أن طعام المسلمين آنذاك الذي كانوا يخرجون منه زكاة الفطر هو التمر والشعير، ولم يرد فيهما ذكرٌ للقمح إلا من باب قيام المسلمين بعد العهد النبوي طبعًا بالتعادل أو المعادلة إذ لا يُتصوَّر أن يقوم المسلمون بالتعادل أو المعادلة في العهد النبوي. وقد بيَّنا سابقًا أن التعادل كان من فعل عمر ومن فعل معاوية وأن الناس قد أخذوا به، بل إنَّا نقول إنه لم ترد لفظة الحنطة، أو القمح في أية رواية صحيحةٍ لابن عمر تذكر الأصناف التي يُخرج منها في زكاة الفطر. وقد رويت عدة روايات من طريق أبي سعيد تذكر الأصناف ليس فيها ذكرٌ للقمح مطلقًا، وقولوا مثل ذلك بخصوص رواياتٍ من طريق ابن عباس وعمار بن سعد وأبي هريرة ﵃.
[ ٣٨٤ ]
واقرأوا ما روى ابن خُزيمة (٢٤٠٦) بإسناد صحيح عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال ﴿لم تكن الصدقة على عهد رسول الله ﷺ إلا التمر والزبيب والشعير، ولم تكن الحنطة﴾ واقرأوا ما روى النَّسائي (٢٥١٨) عن عياض بن عبد الله بن سعد أن أبا سعيد الخدري ﵁ حدَّثه، قال ﴿كنا نُخْرِج في عهد رسول الله ﷺ صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقِطٍ، لا نخرج غيره﴾ .
فهاتان شهادتان من هذين الصحابيين واضحتان تمامًا بأن القمح لم يُدْرَج في قائمة الأصناف التي كان المسلمون يخرجون منها زكاة فطرهم في عهد رسول الله ﷺ، فكيف يقوم هؤلاء بتفسير لفظة الطعام الواردة في الأحاديث بالقمح؟
وثالثًا: وقد روى عياض بن عبد الله بن سعد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال ﴿كنا نُخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام، وقال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأَقِط والتمر﴾ رواه البخاري (١٥١٠) فهذا أبو سعيد الخدري نفسه الذي رُوي حديثهم من طريقه، قد فسَّر لفظة الطعام تفسيرًا يقطع الشك باليقين، بأن معناها عندهم الشعير والزبيب والأقط والتمر، أي الأصناف ذاتها الواردة في حديثهم عقب لفظة الطعام، والحديث يفسِّر بعضه بعضًا، وعليه فإِنَّا نَحْمِلُ حديثَهم على هذا الحديث، فنقول إن هذا الحديث قد ذكر العامَ، ثم ذكر بعده الخاص، وهذا أسلوب يعرفه الكل.
[ ٣٨٥ ]
ورابعًا: وهؤلاء القائلون إن لفظة الطعام تعني القمح، وإِنَّ الرسول ﵌ نفسه قد فرض صاعًا من الطعام، أي من القمح، كيف يفسرون فعل معاوية بمعادلة نصف صاع من القمح بصاع مما سواه؟ وهل يتهم هؤلاء معاويةَ بمخالفةِ الأمر النبوي وبموافقةِ الناس له، ومنهم الصحابة، على هذه المخالفة؟ وكيف يفسِّرون معادلةَ عمر بن الخطاب نصف صاع من القمح بصاع مما سواه أيضًا؟ نعم أكان يُتصوَّر، وقد فرض الرسول ﷺ صاعًا من القمح على ادعائهم، أن يأتي عمر بن الخطاب ومعاوية، والصحابةُ متوافرون، ويقولان إن مُدَّين من القمح تكفيان؟! قال ابن خُزيمة [ذِكْرُ الحنطةِ في خبر أبي سعيد غير محفوظ إذ لو كان أبو سعيد قد أعلمهم أنهم كانوا يخرجون على عهد رسول الله ﷺ صاعَ حنطة، لما كان لقول الرجل: أو مُدَّين من قمح معنى] ثم يقرُّه المسلمون ويعملون بقوله!! لهذه النقاط الأربع أقول إنه لا حجة لهؤلاء على ما ذهبوا إليه من هذا الحديث، بل إن هذا الحديث حجة عليهم وليس حجة لهم.
أما حديثهم الثاني (فرض النبي ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من بُر) فإني لأعجب من ادعائهم أن هذا النص دليل على أن صدقة الفطر صاع من بر!! فلا المنطوق يسعفهم ولا المفهوم يعضد قولهم بل إن هذا النص هو حجة عليهم أكثر مما هو حجة لهم، فالحديث قد ذكر أنَّ النبي ﷺ قد فرض صاعًا من تمر أو شعير، ولم يذكر أنه ﵊ قد فرض صاعًا من قمح، والسبب في ذلك أن القمح آنذاك لم يكن متوافرًا عندهم إلا القليل منه، وبقي الحال كذلك حتى فتح الله سبحانه على المسلمين الأمصارَ من بعدُ وكثر وجود القمح عندئذٍ، وعندئذٍ فقط عدل الناس بصاع التمر أو الشعير نصفَ صاع من القمح. فأية حجةً لهؤلاء بهذا الحديث؟
[ ٣٨٦ ]
أمَّا قول ابن قُدامة في كتاب المغني [ولأنه – أي القمح – جنسٌ يُخْرَج في صدقة الفطر فكان قدره صاعًا كسائر الأجناس] فهو قياس مع الفارق فلا يصح، إضافة إلى أنهْ معارَض بالنصوص التي ذكرت نصف صاع من القمح. وننتقل الآن إلى استعراض الأحاديث التي يستدل بها القائلون بأن نصف صاع من القمح يجزئ في صدقة الفطر، فنقول ما يلي:
الحديث الأول – حديث ثعلبة – روي من عدة طرقٍ، إحداها أنه رُوي من طريق النعمان بن راشد عند أحمد (٢٤٠٦٤) هكذا ﴿حدَّثنا عفان قال: سألت حماد بن زيد عن صَدَقة الفطر، فحدَّثني عن نعمان بن راشد عن الزُّهري عن ثعلبة بن أبي صُعَير أن رسول الله ﷺ قال ﴾ فذكر الحديث. وكذلك رواه أبو داود بهذا السند (١٦١٩) وقد قال صاحب المغني رادًَّا هذا الحديث بقوله [وحديث ثعلبة تفرَّد به النعمان بن راشد] وردَّ الحديث على اعتبار أن النعمان بن راشد ضعيف عند جمهرة المحدِّثين. فأقول إن هذا الحديث كما قلت آنفًا قد رُوي من عدة طرق وأوردتُ الحديث (٢٤٠٦٣) عند أحمد وهذا سنده ﴿حدثنا عبد الرزاق حدثنا ابن جُرَيج قال: وقال ابن شهاب: قال عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العذري﴾ فذكر الحديث. وكما ترون فإِنَّ السند قد خلا من ذِكْر النعمان بن راشد، ورواته ثقات. وكذا رواه أبو داود (١٦٢١) وعبد الرزاق (٥٧٨٥) فالحديث من هذه الطريق صالح للاستدلال والاحتجاج. هذا من حيث السند.
وأما الحديث الثاني ففي سنده سالم بن نوح، ضعَّفه يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وابن عدي، ووثَّقه ابن حِبَّان وأبو زُرعة، وقبله أحمد بن حنبل، فهو مختلَف فيه، فيكون صالحًا للاستدلال إلا أن يخالف متنُهُ متونَ الأحاديث الصحيحة فيُترك.
[ ٣٨٧ ]
وأما الحديث الثالث ففي سنده عبد العزيز بن أبي رواد، ضعَّفه المنذري وابن الجوزي وابن حِبَّان، ووثقه يحيى القطان ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي، فهو أيضًا مختلَف فيه، فيكون صالحًا للاستدلال، إلا أن يخالف متنُهُ متونَ الأحاديث الصحيحة فيُترك.
أما الحديث الرابع فإنه صحيح الإسناد ولكنه قولٌ لأبي هريرة، وليس مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ، فهو حديث موقوف، وهو بالتالي أثر، فنلحقه بالآثار المشار إليها في البند ٦. أما قول معمر (وبلغني أن الزهري كان يرفعه إلى النبي ﷺ) هكذا دون أن يذكر اسم الراوي الذي بلغه عنه هذا القول، فإن السند في هذه الحالة – أي سند الرفع – ضعيف، لأن فيه راويًا مجهولًا، فهو سند منقطع، فلا يُعمل به. ومن ذلك يظهر أنَّ الحديث هو قول لأبي هريرة فحسب.
وأما الحديث الخامس ففي سنده عبد الله بن لهيعة، والأكثرون من المحدِّثين على أنَّ رواياته ضعيفة، وهو متَّهم بأن أوراقه التي كان يحدِّث منها فترةً من الزمن قد تلفت، فصار يحدِّث من حفظه فوقع في أخطاء، فضعَّفوا رواياته. ويقول راوي هذا الحديث أحمد بن حنبل: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب اعتبر به. فيترك الحديث.
[ ٣٨٨ ]
فيبقى عندنا الحديث الأول، والحديثان الثاني والثالث، على لينٍ فيهما من حيث السند، إضافة إلى الآثار في البند ٦. الحديثان الأول والثاني فقط قد أسندا ذكر القمح إلى الرسول ﷺ وحيث أنه ثبت عندنا بالأحاديث الكثيرة الصحيحة المارَّة قبل قليل أنه لم يكن القمح طعامًا للناس في العهد النبوي، وأنه لم يرد ذكرٌ للقمح في تلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة ونفي تلك الأحاديث لإخراج القمح في زكاة الفطر فإن المحصلة هي أن متن هذين الحديثين يخالف متون الأحاديث الكثيرة الصحيحة النافية لوجود القمح وذِكره كجنسٍ يُخرج في زكاة الفطر، فيرد الحديثان متنًا، وتُرجِّح الأحاديث الكثيرة الصحيحة عليهما.
أما الحديث الثالث، فمتنه موافق لمتون الأحاديث الكثيرة الصحيحة، فيُقبل ويعمل به، وهو صريح الدلالة على أن التعادل بين القمح والأجناس الأخرى هو من فعل عمر، وهو متأخر قطعًا عن العهد النبوي، فيصح إلحاقه بالآثار في البند ٦. قال ابن المنذر: لا نعلم في القمح خبرًا ثابتًا عن النبي ﷺ يُعتمد عليه، ولم يكن البُرُّ بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاعٍ منه يقوم مقام صاع من الشعير، وهم الأئمة، فغير جائز أن يُعدل عن قولهم إلى قول مثلهم.
وهكذا لم يبق للقائلين بأن مقدار زكاة الفطر من القمح نصف صاع إلا الآثار في البند ٦ وما الحقناه بها من الأثر في البند ٣ والأثر في البند ٤. الأول فعل عمر بن الخطاب ﵁، والثاني قول أبي هريرة ﵁. ولم يبق لهؤلاء أي حديث نبوي صالح للاحتجاج به على أن زكاة الفطر نصف صاع من قمح.
[ ٣٨٩ ]
هذه الآثار تدل على أن الصحابة قد قاموا بمعادلة نصف صاع من القمح بصاع مما سواه، من الأصناف المنصوص عليها، ولم يُعرف لهم مخالف غير أبي سعيد الخدري، ولا أدري إن كان أبو الشعثاء هو وابصة بن معبد الصحابي كما هي كنيتة، أم هو أحد رواة الحديث من التابعين، وهو من ذُكر عنه القول بصاع من القمح، وحتى لو كان أبو الشعثاء هو الصحابي، فإن صحابيين أثنين يخالفان جميع الصحابة لا يكاد يقدح في إجماعهم إلا من ناحية نظرية. فيصح الأخذ بقول جمهرة الصحابة، والقول إن نصف صاع من القمح يكفي في زكاة الفطر.
ومن شاء الوقوف على أقوال صحابة رسول الله ﷺ فما عليه إلا أن يقرأ المرويات (٥٧٦٦) و(٥٧٦٩) و(٥٧٧٢) و(٥٧٧٣) في مصنَّف عبد الرزاق، و(٣/٦١) في مصنَّف ابن أبي شيبة، و(٢/٤٥) في كتاب شرح معاني الآثار للطَّحاوي، وغيرهم من كتب الحديث والفقه، إضافة طبعًا إلى البند رقم ٣ والبند رقم ٤.
نخلص من هذا الاستعراض إلى أن الواجب القول بأن إخراج نصف صاع من القمح مُجْزِئ في زكاة الفطر، وهذا الحكم المستنبَط يقوي ويدعم رأينا بجواز الأخذ بالتعادل أو المعادلة، وعدم الإِلزام بإخراج الأصناف المنصوص عليها في الأحاديث فقط أي يدعم ويقوي رأْينا بجواز إخراج القيمة النقدية، وبإخراج ما يقتات به الناس اليوم من الأرز والعدس والفول والحمص وغيرها، فكل ذلك جائز شرعًا ومجزئ.