ذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم، فيما رُوي عنهم، إلى اشتراط الصيام مع الاعتكاف، وبرأيهم قال مالك بن أنس والأوزاعي والثوري وأحمد في رواية عنه، ووافقهم أبو حنيفة في الاعتكاف الواجب بالنذر فقط، وأن ما عداه عنده فليس الصيام شرطًا فيه. فيما ذهب علي وعبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فيما رُوي عنهما، إلى عدم اشتراط الصيام مع الاعتكاف وبرأيهما قال الشافعي والحسن البصري وإسحق بن راهُويه وأحمد في الرواية الأخرى عنه، قائلين إن الصيام مع الاعتكاف مستحَبٌّ فحسب وليس بواجب، بمعنى أن الصيام ليس شرطًا في صحة الاعتكاف. وحتى نتبين وجه الحق في هذه المسألة، ونقف على الصحيح فيها لا بد من استعراض الأدلة المتعلقة بها:
١- قال ﷻ ﴿ ثم أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلى الليلَ ولا تُباشِروهُنَّ وأَنتم عاكفونَ في المساجد ﴾ من الآية ١٨٧ من سورة البقرة.
٢- عن عائشة رضي الله تعالى عنها ﴿أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العَشْر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده﴾ رواه البخاري (٢٠٢٥) ومسلم وأبو داود والنَّسائي وأحمد.
٣- وعنها رضي الله تعالى عنها أن نبي الله ﷺ قال ﴿لا اعتكاف إلا بصيام﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٠) والحاكم والبيهقي وابن أبي شيبة.
[ ٣٤١ ]
٤- عن ابن عمر ﵁ ﴿أنه سأل النبي ﷺ عن اعتكافٍ عليه؟ فأمره أن يعتكف ويصوم﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠٠) والبيهقي وأبو داود وابن حزم.
٥- وعنه رضي الله تعالى عنه ﴿أن عمر ﵁ نذر أن يعتكف في الشِّرك ويصوم، فسأل النبي ﷺ بعد إسلامه، فقال: أوف بنذرك﴾ رواه الدارَقُطني (٢/٢٠١) وحسَّن إسناده.
٦- وعنه رضي الله تعالى عنه ﴿أن عمر ﵁ سأل النبي ﷺ قال: كنت نذرتُ في الجاهلية أن اعتكف ليلةً في المسجد الحرام قال: أَوْفِ بنذرك﴾ رواه البخاري (٢٠٣٢) وأبو داود والنَّسائي والدارَقُطني. ووقع عند البخاري في رواية ثانية (٢٠٤٢) من طريقه بلفظ ﴿ فقال له النبي ﷺ: أوف نذرَكَ، فاعتكف ليلة﴾ .
٧- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال ﴿ليس على المعتكف صيام، إلا أن يجعله على نفسه﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٩٩) والحاكم وصححه مرفوعًا. ورواه البيهقي وصحَّح وقفه على ابن عباس وقال: رَفْعُه وَهْمٌ.
٨- حديث عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂، وقد مرَّ برقم ٤ في بحث [متى يكون الاعتكاف؟] وجاء فيه ﴿ فقال رسول الله ﷺ أَلبِرَّ أردنَ بهذا؟ ما أنا بمعتكِف، فرجع، فلما أفطر اعتكف عشرًا من شوال﴾ رواه البخاري (٢٠٤٥) وغيره.
[ ٣٤٢ ]
استدل الفريق الأول القائلون باشتراط الصيام مع الاعتكاف بالأدلة الخمسة الأولى، فقال هذا الفريق إن قوله تعالى ﴿ثم أَتِمُّوا الصيامَ إلى الليل ولا تُباشروهنَّ وأنتم عاكِفونَ في المساجد﴾ فيه ذكرٌ للاعتكاف إثْرَ الصوم ورَبطُ الاعتكافِ بالصيام وعن الدليل الثاني قالوا إن كون الرسول ﷺ كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فهو يدل على أن الاعتكاف ملازمٌ للصيام، لأن العشر الأواخر من رمضان يصومها المسلمون طبعًا. وعن الدليل الثالث والدليل الرابع والقريب منه الدليل الخامس قالوا إن دلالتها واضحة باشتراط الصيام مع الاعتكاف.
أما الفريق الثاني فقد استدلوا على رأيهم بعدم اشتراط الصيام مع الاعتكاف بالأدلة التالية: الحديث رقم ٦ بلفظيه وفيه الأمر بالاعتكاف خاليًا من الأمر بالصيام، والليل ليس محلًا للصوم، ومع ذلك جاء الأمر لعمر (أوف بنذرك) والحديث رقم ٨ القائل (اعتكف عشرًا من شوال) وليس شوال شهر صيام. والحديث رقم ٧ نفى وجوب الصيام إلا أن يشترطه على نفسه، وهو قولٌ لابن عباس فهو ليس دليلًا. والحق أن رأي هؤلاء هو الصحيح وذلك لما يلي:
إن الآية الكريمة ليس فيها ما يشير إلى وجود تلازمٍ بين الصوم والاعتكاف، ولا على أن أحدَهما شرطٌ لحصول الآخر، فالقول بالتلازم بين الصوم والاعتكاف خطأ، وذلك أن الآية تتحدث عن الصيام وجواز الجماع في ليل رمضان، وأن الأكل في الليل ينتهي عندما يتبين للصائمين حلولُ الفجر، وبعد أن أطلقت الآية جواز الجماع في ليل رمضان جاء بعده الحظر عليه عند الاعتكاف ليدل على بقاء الجواز فيما سواه فهي آية ذكرت عدة أحكام تتعلق بالصوم وبالاعتكاف، كل حكم منها مختلف عن غيره، دون أن يظهر أن للتلازم علاقة بتشريع هذه الأحكام.
[ ٣٤٣ ]
أما دليلهم الثاني فيدل على أفضلية الاعتكاف في العشر الأواخر، لا سيما إذا علمنا أنه ﵊ كان يتحرى ليلة القدر ويلتمسها في العشر الأواخر هذه والتماس ليلة القدر وتحريها مندوب غيرُ واجب، وليس في الحديث أي شيء يدل على قصر الاعتكاف عليها، وإن الحديث رقم ٨ دليل على ما نقول، فإنه ﵊ قد اعتكف في شوال، وليس في شوال ليلة قدر، ولا يجب الصيام فيه. فإن هم قالوا إنه ﵊ كان يصوم أيام شوال هذه، قلنا لهم إن النصوص لم تذكر الصيام والقول بالصيام فيها تقوُّلٌ على النص لا يجوز. أما الحديث الثالث (لا اعتكاف إِلا بصيام) فقد قال الدارَقُطني الذي رواه [تفرَّد به سويد عن سفيان بن حسين] وقال البيهقي وهو أيضًا راوي الحديث [سويد ضعيف لا يُقبل ما تفرَّد به] وقال الحاكم وهو أيضًا راوي الحديث [الشيخان لم يحتجا بسفيان بن حسين] وقد ضعَّفه أحمد وقال: متروك. وقال البخاري: فيه نظر. فالحديث ضعيف فيُترك.
وأما الحديث الرابع (فأمره أن يعتكف ويصوم) فقال الدارَقُطني الذي رواه [تفرَّد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف الحديث] وقال أبو بكر النيسابوري: هذا حديث منكر. وأضاف: وابن بديل ضعيف الحديث. وقال ابن حزم [هذا خبر لا يصح] فالحديث ضعيف فيترك.
[ ٣٤٤ ]
وأما الحديث الخامس (نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم) فإنَّ الدارَقُطني وإن هو حسَّن الإسناد، إلا أن البيهقي قال [ذِكْرُ نذرِ الصوم فيه غريبٌ تفرَّد به سعيد ابن بشير عن عبيد الله] وقال عبد الحق: تفرد به سعيد بن بشير، وهو مختلَف فيه. وقد ضعف ابن الجوزي هذا الحديث من أجله. وقال أبو مُسْهِر وابن نُمَير: منكَر الحديث. كما ضعفه أحمد والنَّسائي. فهو حديث ضعيف فيترك. هذا إِضافةً إلى أن الحديث بروايتيه عند البخاري ليس فيه ذِكْرٌ للصوم، فكلمة (يصوم) في الحديث غير محفوظة في صحاح الأحاديث فتترك. وعليه فإِنَّا نقول إنه لا يصح، ولا يوجد دليل واحد معتبرٌ على اشتراط الصيام لصحة الاعتكاف. وبذلك يتبين وجه الحق في هذه المسألة، وهو أن الاعتكاف عبادة منفصلة عن الصيام تصح بوجوده وبعدم وجوده.