[ ٣٧ ]
ذهب الجمهور إلى عدم جواز الأخذ بالحساب الفلكي، قائلين: إن الناس لو كُلِّفوا به لضاق عليهم، لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرِّف الناس بما يعرفه جماهيرهم. ونُقل عن ابن سُرَيج القول بجواز العمل بالحساب لمن خصَّه الله بهذا العلم، معلِّلًا ذلك بأن قول الحديث (فاقدروا له) هو خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وقول الحديث (فأكملوا العدة) هو خطاب للعامة. وقد نُسِبَ هذا القول أيضًا إلى مطرف بن عبد الله وابن قتيبة.
وبالنظر في النصوص نجد أن كلمة (فاقدروا له) وردت في الحديث على غير المعنى الذي ادَّعاه ابن سُرَيج، فعن ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له﴾ رواه البخاري (١٩٠٦) ومسلم والدارمي وأبو داود والنَّسائي وابن ماجة. فالحديث كله جاء خطابًا للأمة الإسلامية كلها لأن الصيام هو للجميع والرؤية هي للجميع والإفطار هو للجميع، وجاءت كلمة فاقدروا له للجميع أيضًا، وليس لمن خصَّه الله بهذا العلم، وهذا واضح وضوح المس، فتخصيص هذه الكلمة بمن خصه الله بهذا العلم هو خطأٌ محضٌ.
[ ٣٨ ]
ثم إن الأحاديث يفسِّر بعضُها بعضًا، وقد جاءت أحاديث تفسر هذه الكلمة بغير ما فسَّرها به ابن سُريج، منها ما رُوي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ – أو قال أبو القاسم ﷺ – ﴿صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأَكْمِلوا عدة شعبان ثلاثين﴾ رواه البخاري (١٩٠٩) ومسلم والنَّسائي وأحمد وابن حِبَّان. ووقع عند مسلم أيضًا (٢٥١٤) لفظ ﴿إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأَفطروا فإن غُمَّ عليكم فصوموا ثلاثين يومًا﴾ فتفسير كلمة (اقدروا له) جاء في الحديث هكذا (أكملوا عدة شعبان ثلاثين) (صوموا ثلاثين يومًا) وهذا التفسير يقطع بخطأ تفسير ابن سُرَيْج، لأن إكمال عدة شعبان ثلاثين لا يحتاج لعلم الحساب والفلك حتى تُحصَر الكلمة بأربابه، وإنما هو خطاب لعموم المسلمين كما لا يخفى.
بل إن ما هو أقطعُ في الحجة وأَبينُ في الاستدلال هو ما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (١٩٠٦) من طريق ابن عمر المار قبل عدة أسطر بلفظ ﴿لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه ﴾ فهو لم يكتف بالأمر بالصوم عند الرؤية وإنما جاء النهي هنا عن الصيام دون الرؤية، والصيام بالحساب الفلكي لا شك في أنه صيام دون رؤية.
إلا هذا كله لا يعني أن الاستفادة من الحساب الفلكي غير جائزة، ولا يُحتاج إليها، وإنما أردنا أن نبين فقط أن هذا الحساب ليس هو صاحب القرار في تعيين بدء الصوم أو بدء الإفطار، وإنما الرؤية العينية في الصيام وفي الإفطار هي ما أوجبها الشرع ولم يوجِب غيرها، فوجب القول بها وبها وحدها.
[ ٣٩ ]
أما وجه الإفادة من الحساب الفلكي، فأَن يأتي علماء الفلك، ويرشدونا إلى الساعات والدقائق المناسبة للخروج لرؤية الأهلَّة ومواقع الأهلة عند رصدها فهذا يسهِّل على النظارة والمشاهدين عملهم، ولا بأس أيضًا بالاستعانة بأدوات هؤلاء العلماء في الرصد والمشاهدة، أي الاستعانة بالعدسات المكبِّرة والمقرِّبة عند الرصد، فمثل هذه المساعدات جائزة ولا شيء فيها، وهي تقدِّم عونًا للمشاهدين والنظارة.
ومن جانب آخر فإن قوله (فاقدروا له) قد فسَّرته الأحاديث تفسيرًا كان ينبغي أن يقطع على الناس تفسيرهم له بغير ما ورد، وقد أخذت الحنفية والمالكية والشافعية بهذا التفسير، وكذلك جمهور السلف والخلف، وأن معناه هو تمام العدد ثلاثين يومًا أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام ثلاثين يومًا، وهذا كله هو خطاب لعامة المسلمين. ومع هذا الوضوح في التفسير فقد ذهب آخرون إلى أن معناه: ضيِّقوا له وقدِّروه تحت السحاب. والقول بهذا التفسير يوجب الصيام من الغد، ليلة الثلاثين من شعبان، إذا كان في محل الهلال ما يمنع رؤيةً من غيم وغيره، وهذا مرويٌّ عن ابن عمر ﵁، وبه يقول أحمد بن حنبل في المشهور عنه وطاووس. والذي أوقع هؤلاء في الخطأ هو عدم النظر في كلِّ النصوص والاقتصار في النظر على روايتهم فقط: (فاقدروا له)، ولو أنهم استحضروا جميع النصوص في هذه المسألة لربما رجعوا عن رأيهم هذا.
[ ٤٠ ]
نعم إن من معاني (اقدروا) لغةً ضيِّقوا، وقد جاء ذلك في قوله تعالى ﴿لِيُنْفِقْ ذو سَعَةٍ من سَعَتِه ومَنْ قُدِرَ عليه رزقُهُ فلْيُنفِقْ مما آتاهُ اللهُ لا يكلِّفُ الله نفسًا إلا ما آتاها سيجعلُ اللهُ بعد عُسْرٍ يُسْرًا﴾ الآية ٧ من سورة الطلاق. وفي قوله سبحانه ﴿وأَمَّا إِذا ما ابتلاه فَقَدَرَ عليه رزقَه فيقول ربِّي أَهانَنِ﴾ الآية ١٦ من سورة الفجر. ولكن هذا المعنى ليس هو وحده ما قالت به اللغة ولا ما قال به كتاب الله سبحانه، فالله سبحانه يقول: ﴿وما قَدَروا الله حقَّ قَدْرِهِ ﴾ من الآية ٩١ من سورة الأنعام. ويقول تعالى ﴿ضربَ اللهُ مَثَلًا عبدًا مملوكًا لا يَقْدِر على شيءٍ ﴾ من الآية ٧٥ من سورة النحل ويقول سبحانه ﴿ لا يقْدِرون على شيءٍ مما كَسَبوا ﴾ من الآية ٢٦٤ من سورة البقرة. وكلها لا تفسَّر بالتضييق. فتفسير هذه الكلمة الواردة في الحديث بالتضييق هو أخذٌ بأحد معانيها، مقطوعٌ عن القرائن والبيان الواردة في النصوص الأخرى، فكان تفسيرهم لها بالتضييق خطأً محضًا.