لقد اختلف الأئمة الأربعة وغيرهم في تحديد وقت الإخراج على النحو التالي: فأبو حنيفة يُجيز تقديم أداء زكاة الفطر قبل رمضان ولو بعامين. وقال مالك لا يجوز تقديم هذه الزكاة عن وقتها، بل يجب أن تُؤدَّى في وقتها مثلها مثل الصلاة. وقال الشافعي يجوز إخراجها من أول رمضان. وقال أحمد يجوز إخراجها قبل يوم العيد بيوم أو يومين. وقال الجمهور: يستحب تقديمها قبل صلاة العيد، ويُجْزيءُ إِخراجها إلى آخر يوم العيد.
واتفق الجميع على أنها لا تسقط بالتأخير بعد الوجوب، بل تصير دَيْنًا حتى تؤدى، ولا يجوز تأخيرها عن يوم العيد، إلا ما نُقل عن محمد بن سيرين وإبراهيم النخعي من القول بجواز تأخيرها عن يوم العيد. وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم، كما في إخراج الصلاة عن وقتها. وحتى يتبين لنا الحكم الصائب في مسألتنا هذه بإِذن الله لا بد من استعراض النصوص المتعلقة بها:
١- عن ابن عمر ﵄ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تُؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ رواه البخاري (١٥٠٣) ومسلم وأبو داود والنَّسائي والترمذي وابن ماجة.
[ ٣٥٨ ]
٢- وعنه ﵁ ﴿أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر أن تًؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة﴾ رواه مسلم (٢٢٨٩) وأبو داود والترمذي وأحمد والدارمي.
٣- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال ﴿من السُّنة أن تُخْرَجَ صدقةُ الفطر قبل الصلاة﴾ رواه ابن أبي شيبة (٣/٦٠) والدارَقُطني.
٤- عن نافع عن ابن عمر ﵄ ﴿أن رسول الله ﷺ أمر بإخراج زكاة الفطر أن تُؤدَّى قبل خروج الناس، وأن عبد الله كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين﴾ رواه ابن حِبَّان (٣٢٩٩) والدارَقُطني.
٥- وعن نافع ﴿أن عبد الله بن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجْمَعُ عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة﴾ رواه مالك (١/٢٣٨) ورواه ابن أبي شيبة (٣/١١٥) بلفظ ﴿أنه كان إذا جلس من يقبض زكاة الفطر بيوم أو يومين، ولا يرى بذلك بأسًا﴾ .
٦- عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: أَغنوهم في هذا اليوم﴾ رواه الدارَقُطني (٢/١٥٣) ورواه البيهقي مطولًا (٤/١٧٥) وجاء فيه ﴿ أَغنوهم عن طواف هذا اليوم﴾ ورواه ابن سعد من طريق محمد بن عمر الواقدي.
٧- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال ﴿فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرَةً للصائم من اللغو والرَّفَث وطُعْمةً للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات﴾ رواه أبو داود (١٦٠٩) وابن ماجة والدارَقُطني والبيهقي. ورواه الحاكم (١/٤٠٩) وصحَّحه، وأقرَّه الذهبي.
[ ٣٥٩ ]
٨- عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير العُذْري ﴿خطب رسول الله ﷺ قبل الفطر بيومين فقال: أدُّوا صاعًا من بُرٍّ أو قمحٍ بين اثنين، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على كل حُرٍّ وعبدٍ وصغير وكبير﴾ رواه أحمد (٢٤٠٦٣) وأبو داود والدارقطني والطبراني والطحاوي بإسنادٍ رجالُه ثقات. ورواه الدارَقُطني أيضًا من طريق أخرى بقوله [عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير عن أبيه] فصار مسندًا.
الحديث الثالث من رواية الحجَّاج بن أرطأة ضعَّفه الكثيرون فيُترك. والحديث السادس من طريق أبي معشر عند الدارَقُطني والبيهقي ومن طريق محمد بن عمر الواقدي عند ابن سعد في طبقاته وهما ضعيفان جدًا، فيترك الحديث بروايتيه. فتبقى عندنا ستة أحاديث صالحة للاحتجاج والاستدلال.
وهذه الأحاديث قد بيَّنت وقتَ إخراج الزكاة، وأنه قبل الصلاة، أو قبل خروج الناس إلى الصلاة، دون أن تحدد هذه الأحاديث أول وقت الإخراج، فالأحاديث كلها قد ذكرت نهاية وقت الإخراج، وهو صلاة عيد الفطر، ولكنها أغفلت أول وقت الإخراج، فنقول إن الواجب على كل مسلم أن يخرج زكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد، ولا يصلي إلا بعد أن يكون قد أخرج زكاة فطره. أما أن يخرجها قبل الصلاة بوقت طويل أو بوقت قصير فهذا ما لم تحدِّده الأحاديث وما لم تنصَّ عليه، بل تركته لاختيار المسلم نفسه، فله أن يؤديها قبيل الصلاة، وله أن يؤديها في ليلة العيد، وله أن يؤديها قبل ذلك بكثير أو بقليل، فالأمر في ذلك موسَّع.
أما ما جاء في الحديث الرابع (وأن عبد الله كان يؤديها قبل ذلك بيوم أو يومين) فليس فيه تحديدٌ لأول الإخراج، وإنما هو اختيار من ابن عمر لهذا الوقت فحسب، فكما أنه يحق لابن عمر أن يختار هذا الوقت، فإنه يحقُّ لغيره أن يختار وقتًا قبله أو بعده.
[ ٣٦٠ ]
أما ما جاء في الحديث الخامس (أَن ابن عمر كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تُجْمَع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة) من رواية مالك. و(أنه كان إذا جلس من يقبض زكاةَ الفطر بيوم أو يومين ولا يرى بذلك بأسًا) من رواية ابن أبي شيبة. فإنه وإن دلَّ على أن المسلمين في أيام ابن عمر كانوا يجمعون ويقبضون زكاة الفطر قبل الصلاة بيومين أو بثلاثة فإن هذه الدلالة بصفتها الواردة هنا غير مُلزمةٍ، إذ ليس في هذه الصفة أيةُ دلالة على الإلزام، وهي لا تعدو كونها مما يجوز فعله من تنظيمٍ لإخراج الزكاة وما يحتاجه التنظيم إلى تحديدٍ وتوقيت، ولا تدل على أكثر من ذلك، فمن أراد أن يتخذ تنظيمًا لقبض الزكاة، فإنه ولا شك في حاجة لاختيار وقتٍ لهذا التنظيم، وهذا لا يعني أن هذا الاختيار وحده هو المشروع. وانظر في قول ابن عمر (ولا يرى بذلك بأسًا) فإنه يدلُّ دلالةً واضحة على أن هذا التحديد في قبض الزكاة ليس ملزمًا، وإلا لما كان لقول ابن عمر معنى، بل ولما جاز هذا القول.
أما الحديث الثامن فقوله (خطب رسول الله ﷺ قبل الفطر بيومين فقال: أدُّوا صاعًا من بُرٍّ ) فليس هو أيضًا نصًا على تحديد أول إخراج الزكاة وإنما هو ذِكرٌ للوقت الذي شرع فيه رسول الله ﷺ زكاة الفطر والفرق كبير بين النص على وقت الوجوب والنص على وقت إعلان الحكم، فالرسول ﷺ قد بين حكم زكاة الفطر وأمر بإخراجها، وكان ذلك منه قبل الفطر بيومين، أي أنه أمر بزكاة الفطر، واختار لإِعلان هذا الأمر وقتًا يسبق الفطر بيومين، ولم يتطرق النص مطلقًا إلى تحديد بدء الإخراج، كما لا يخفى على البصير المدقِّق. وإذن فإن النصوص كلها قد أغفلت تحديد بدء إخراج زكاة الفطر ليكون الأمر موسَّعًا، وليختار المسلم الوقت المناسب له لإِخراج هذه الزكاة.
[ ٣٦١ ]
وأقول أخيرًا إن زكاة الفطر هي زكاة، أحكامُها أحكامُها، إلا ما ورد من استثناءات، وقد ورد في عموم الزكاة جواز تقديمها، فقد رُوي عن علي ﵁ ﴿أن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحلَّ، فرخص له في ذلك﴾ رواه الترمذي (٦٧٣) وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارَقُطني ولم يرد لهذا الحديث استثناءٌ ولا نسخٌ فيظل معمولًا به. قال الترمذي عقب روايته لهذا الحديث [قد اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل مَحلِّها، فرأى طائفة من أهل العلم أن لا يعجِّلها، وبه يقول سفيان الثوري، قال: أَحَبُّ إليَّ أن لا يعجلها. وقال أكثر أهل العلم إن عجَّلها قبل محلِّها أجزأت عنه، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحق] وحيث أن صدقة الفطر زكاة، فإن هذا القول في الزكاة يشملها.
أما قول الأحاديث أن تُؤدَّى الزكاة قبل خروج الناس إلى الصلاة فهو لا شك فيه تحديد واضح وملزمٌ لآخِرِ وقت الإخراج، وقول الحديث السابع (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) هو أكثر وضوحًا لتحديد نهاية وقت الإخراج ولبيان الوجوب والإلزام، فقوله من أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، أي فهي صدقة تطوُّع، يعني أنها لم تعد زكاةَ فطرٍ مفروضة، وإذن فإن زكاة الفطر حتى تبقى زكاةً مفروضة لا يصح تأخيرها إلى ما بعد صلاة العيد، ويقع الإثم بهذا التأخير. وبناء عليه فليس صحيحًا قول من يقول بجواز تأخيرها عن يوم العيد، أو بإِجزاء إِخراجِها إلى آخر يوم العيد، كما ذهب إلى ذلك الجمهور.
[ ٣٦٢ ]
أما قولهم إن الفقهاء قد اتفقوا على أن الزكاة هذه لا تسقط بالتأخير وتصير دينًا حتى تؤدَّى، فلا أراه صحيحًا، والحديث السابع يردُّه، إذ كيف يمكن أن تُؤدَّى هذه الزكاة المفروضة بعد صلاة العيد بصدقة تطوُّع؟ ذلك أنَّ الحديث السابع يقول بشكل واضح ( من أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) أي أنَّ أداءها بعد الصلاة لا يبقيها زكاة فطرٍ، وإنما تكون مجرد صدقة من الصدقات، فهل إخراج صدقة تطوُّع عندئذٍ يعتبر تأديةً لزكاة الفطر الواجبة؟
وبناء على ما سبق نقول إن الشرع قد حدَّد لإخراج زكاة الفطر نهايةَ وقتٍ، هي صلاة العيد، وترك بداية الإخراج دون تحديد، ليختار المسلم الوقت الذي يراه لإخراج هذه الزكاة، فله أن يؤديها قبل العيد بيومين أو بأسبوع، أو حتى بشهر، ولا ضير عليه في كل ذلك. نعم لو صح الحديث السادس لأمكن أن نأخذ منه علةً يُستنبط منها القولُ بتقديم الإخراج عن الصلاة أيامًا قليلة، حتى لا تنفذَ الزكاةُ من بين أيدي المساكين في يوم العيد، ولكنه من الضعف الشديد بحيث لا يصح الاستدلال به.