هذا الشخص يُخيَّر وليُّه بين أن يصوم عنه ما فاته من صيام، وبين أن يطعم عنه مسكينًا بدل كل يوم فاته صيامُه. فالفدية عن الميت جائزة وليست واجبة على الوليِّ، وقد نُقل عن الفاروق عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، وعبد الله بن عباس، ﵃ جوازُ الإِطعام عن الميت، ولم يَرِدْ شيءٌ من ذلك عن النبي ﷺ. قال عبد الحق وابن حجر: لا يقع في الإِطعام شيء يصح يعني مرفوعًا.
وحيث أن هذه الأقوال المروية عن هؤلاء الصحابة لا تتعارض مع النصوص الشرعية، فإنه يصح تقليدها واتِّباعها. وقد تمِّ بحث هذه المسألة في موضوع [قضاء الصوم عن الميت] من الفصل [قضاء الصوم] فيرجع إليه.
٣- الرجلُ يجامع زوجته في نهار رمضان ويعجز عن صوم شهرين متتابعين:
[ ٢٣١ ]
هذا الرجل يُطعم ستين مسكينًا، ويجب هذا الإِطعام إن كان الرجل قد جامع عامدًا ذاكرًا للصيام، أَمَّا إِنْ هو جامع زوجته ناسيًا، فلا كفَّارة عليه ولا إثم. قال البخاري [وقال الحسن ومجاهد: إن جامع ناسيًا فلا شيء عليه] وذكر عبد الرزاق هذا القول، كما ذكر (٧٣٧٥) عن مجاهد قوله [لو وَطِيءَ الرجلُ امرأتَه وهو صائم ناسيًا في رمضان لم يكن عليه شيء] وعن عطاء (٧٣٧٦) قوله [عليه قضاء] فلم يُوجِب عليه كفَّارة. وبمثل قول عطاء قال الأوزاعي والليث بن سعد ومالك وأحمد، وهو أحد وجهي الشافعية. ولم أَعْلم أن فقيهًا قال بوجوب الكفَّارة في حالة الجماع ناسيًا، بل إنه قد رُوي عن عامر الشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة أنه لا كفَّارة عليه بإفساد الصوم بشكلٍ مطلقٍ وهو بلا شك رأي شاذ لا يُلفت إليه لمعارضته ومصادمته للنصوص الصريحة القائلة بالكفَّارة.
وقد اختلف الفقهاء في المرأة يجامعها زوجها، هل عليها كفَّارة، أي عتق رقبة أو صوم شهرين متتابعين، أو إِطعام ستين مسكينًا؟ فذهب الشافعي في أصحِّ القولين عنه والأوزاعي والحسن البصري وأحمد في رواية عنه إلى أن المرأة لا كفَّارة عليها، وأن الكفَّارة تجب على الرجل فقط. وقال الأَوزاعي: إنْ كانت الكفَّارة بالصيام كان على كل واحد منهما صوم شهرين. فيما ذهب أبو حنيفة ومالك وأبو ثور وابن المنذر إلى أن المرأة عليها كفَّارةٌ أخرى، وهي رواية عن أحمد. والأحناف والمالكية قالوا إن الكفَّارة تجب على المرأة إن كانت مختارة أما إن كانت مكرهة فالكفَّارة على زوجها.
[ ٢٣٢ ]
والصحيح هو قول الأحناف والمالكية، وهو أن على المرأة كفَّارة إن كانت مختارة غير مُكْرَهة، لأن الجماع الذي تجب فيه الكفَّارة على الرجل تشترك فيه الزوجة فلا معنى لإِعفائها من الكفَّارة، وإن قول الشافعية ومن قال بمثل قولهم إنهم لم يسمعوا أن الرسول ﷺ أمر الزوجة بأداء الكفَّارة، لا يكفي هذا القولُ لإعفاء المرأة من الكفَّارة ومن الإثم، وذلك أن النصَّ إن كان يخاطب المذكَّر، فإن المخاطبة تشمل الرجل والمرأة على السواء، وهي الحالة الغالبة في النصوص، وأما إن أراد النصُّ مخاطبة النساء خاصة فإنه يذكرُهنَّ بلفظ صريح، وهذه قاعدةٌ لغوية وشرعية معروفة. فالمرأة تدخل في عموم النصوص إلا أن تُستثنى، فلا حُجَّةَ للشافعية فيما ذهبوا إليه.
أما إن جامع الزوج زوجته بالإِكراه، فلم تستطع الزوجةُ دفعَه، فإِنه لا شيء عليها، وقد أَعْلَمَنا الرسولُ ﷺ أن الله رفع عن أمته الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه، فالمُكرَه لا إثم عليه ومن ثمَّ لا عقوبة عليه. فإن قال قائل إن المرأة لا تملك مالًا تُعتِق به رقبةً أو تقدِّمه لستين مسكينًا أجبناه بأن المرأة قد تملك مالًا تفعل به ذلك، أما إِن لم تكن تملك المال فقد تعيَّن عليها صوم شهرين متتابعين، فإن كانت عاجزة عن الصوم ولا تملك المال فإِنَّ الكفَّارةَ تسقط عنها.
والجماع الذي يُوجِب الكفَّارة هو إِيلاجُ الذَّكر في الفرج ولو لم يحصل إِنزالٌ، ولا تجب الكفَّارة إذا حصل الإِنزال دون جماع، أي حصل الإنزالُ بالمباشرة والمداعبة والتقبيل مثلًا.
لا فِديةَ على من أخَّر قضاءَ رمضان لغير عذرٍ حتى أدركه رمضانُ آخر:
[ ٢٣٣ ]
إذا كان على شخصٍ قضاءُ أيامٍ من رمضان فتأخر في القضاء حتى جاء رمضان آخر، فقد اختلف الفقهاء في حكمه: فذهب أبو حنيفة وأصحابه وإبراهيم النخعي والحسن البصري والمُزَني وداود بن علي إلى وجوب القضاء فقط. وذهب الجمهور إلى وجوب القضاء وإطعام مسكينٍ عن كل يوم، ورُوي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة ﵃. قال البخاري [ وقال إبراهيم: إذا فرَّط حتى جاء رمضان آخر، يصومهما ولم ير عليه إِطعامًا، ويُذكر عن أبي هريرة مرسلًا، وعن ابن عباس أنه يُطعِم] .
والحق أن ما ذهب إليه الأحناف هو الصحيح، وذلك أن فرض الفدية على من تأخَّر في القضاء حتى جاء رمضان آخر يحتاج إلى نصٍّ من الشرع، ولا نصَّ هنا، فلا يصح تشريع هذا الحكم، وأما ما رُوي عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة، وما نقله الطَّحاوي عن يحيى بن أكثم من القول [وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم فيه مخالفًا] فإن هذه المرويَّات عن الصحابة لم تثبت، إذ هي قد رُويت من طرق ضعيفة، فوجب ردُّها وعدم جواز تقليدها أو اتِّباعها.
[ ٢٣٤ ]
وقد اختلط على عدد من الفقهاء ما رُوي عن الصحابة من القول إنَّ مَن كان مريضًا فلم يصم رمضان حتى جاء رمضان آخر صام الآخِر وأطعم عن رمضان الفائت مسكينًا عن كل يوم أفطره، اختلط عليهم هذا القول مع المرويات السابقة الضعيفة، فقالوا بوجوب الإطعام بشكل مطلق. والحق أن المرويات القائلة بالإطعام على المريض يصح الاستدلال بها وهي مما يتفق مع كتاب الله سبحانه، وقد بيَّنَّا قبل قليل أن المريض العاجز عن الصيام يُطعِم، فهذه المرويات تذكر أن المريض قد عجز عن الصيام طيلة عام كامل، وأنه لم يصحَّ طيلة العام حتى جاء رمضان آخر، وهذا العام الذي كان مريضًا فيه، هو الوقت الذي يُقضى فيه ما فات من صيام رمضان، فكون الشخص لم يصحَّ في وقت القضاء، وعجز عن القضاء في وقته، فإنه لم يبق عليه إلا أن يُطعِم. وتجدون هذا البحث موجودًا بتمامه في البند الأول من هذا الفصل وهو غير موضوعنا.