قال ابن المنذر: وقع الإِجماع على بطلان الصوم بتعمُّد القيء، لكن نقل ابن بطَّال عن ابن عباس وابن مسعود: لا يفطر مطلقًا وهي إحدى الروايتين عن أصحاب مالك. ونقل ابن المنذر أيضًا الإجماع – وهو يعني إِجماع العلماء – على ترك القضاء على من ذرعه القيء – أي تقيأ رغمًا عنه - ولم يتعمَّدْه، إلا في إحدى الروايتين عن الحسن البصري. وقال: قال علي وابن عمر وزيد بن أرقم وعلقمة والزُّهري ومالك وأحمد وإسحق وأصحاب الرأي: لا كفارة عليه وإنما عليه القضاء، ورُوي ذلك أيضًا عن أبي حنيفة والشافعي. فعن الشافعي قال [ومن تقيأ وهو صائم وجب عليه القضاء ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وبهذا أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر] ذكره البيهقي (٤/٢١٩) ثم ذكر حديث ابن عمر بإسناده بلفظ (من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء) وقال عطاء وأبو ثور: من تعمَّد القيء فعليه القضاء والكفارة.
والصحيح هو أنَّ مَن غلبه القيءُ فقاء رغمًا عنه فصيامه صحيح، وبالتالي فلا قضاء عليه، ولكن من استقاء، أي قاء بإرادته فقد أفطر، وبالتالي عليه القضاء. وما نُقل عن ابن عباس وابن مسعود ﵄: أَنَّ من قاء بإرادته أو من غلبه القيء لا يفطر، فهو خطأ تدحضه النصوص الآتية، كما أن النصوص الآتية لم ترتِّب على من استقاء إلا القضاء، وبالتالي فإن ما نُقل عن عطاء وأبي ثور من إيجاب الكفَّارة مع القضاء هو خطأ. وهذه هي النصوص:
[ ١١٥ ]
أ - عن معدان بن طلحة ﴿أن أبا الدرداء حدَّثه أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر فلقيتُ ثَوْبانَ مولى رسول الله ﷺ في مسجد دمشق فقلت: إِن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر، قال: صدق، وأنا صببت له وَضوءَ هُ ﷺ﴾ رواه أبو داود (٢٣٨١) وأحمد والنَّسائي والدارمي والترمذي وابن حِبَّان. قال ابن منده: إسناده صحيح متصل. وقال الترمذي وأحمد: هذا أصح شيء في هذا الباب.
ب - عن خالد بن معدان عن أبي الدرداء ﵁ قال ﴿استقاء رسول الله ﷺ فأفطر وأُتي بماءٍ فتوضأ﴾ رواه عبد الرزاق (٧٥٤٨) والنَّسائي وأحمد وإسناده صحيح.
ج - عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ﴿من ذَرَعَهُ قيءٌ وهو صائم فليس عليه قضاء، وإن استقاء فليقضِ﴾ رواه أبو داود (٢٣٨٠) والدارمي والنَّسائي وابن ماجة وأحمد والبيهقي والحاكم وصحَّحه وأقرَّه الذهبي. وقال الترمذي [حسن غريب] وضعَّفه البخاري وأحمد. قال الترمذي [ والعمل عند أهل العلم على حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، أن الصائم إذا ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وإذا استقاء عمدًا فلْيقضِ، وبه يقول الشافعي وسفيان الثوري وأحمد وإسحق] .
[ ١١٦ ]
الحديث الأول (قاء فأفطر) فسَّره الحديث الثاني (استقاء رسول الله ﷺ فأفطر) وليس أصح من تفسير الحديث بالحديث. فيكون معنى قاء في الحديث الأول: استقاء، أي قاء بإرادته، وكون هذين الحديثين يذكران أن من قاء بإرادته أفطر، فإنهما يعنيان بالضرورة المؤكدة أن عليه القضاء، وجاء الحديث الثالث يؤكد هذا الحكم (وإن استقاء فليقضِ) ومِن قبله حديث ابن عمر عند البيهقي المار قبل قليل (ومن استقاء فعليه القضاء) ولا يمنع تضعيف البخاري وأحمد لحديث أبي هريرة من الاستدلال به، لأن غيرهما قد صحَّحوه أو حسَّنوه أولًا، ولأن معناه ولفظه لم يعارضهما معنى ولفظُ حديث أصحَّ منه ثانيًا، ولأن هذا الحديث قد عضده ودعمه حديث آخر هو حديث ابن عمر ثالثًا، ولهذا فإن الاحتجاج به صحيح وسليم لا غبار عليه. فالمتقيء عمدًا يجب عليه القضاء، والقضاء فقط دون الكفَّارة، لأن النصوص قد رتبت على المتقيء عمدًا القضاء، ولم يَرِدْ للكفَّارة ذِكرٌ هنا.